أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 06:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الفساد جزء من الطبيعة البشرية حيثما هي موجودة؛ وليس مرتبطا بدولة معينة دون أخري، أو نظام اقتصادي دون آخر، والإنسان دائما ضعيف أمام المال واغراءه، فالمال يجلب معه المتع بأنواعها والنفوذ والقوة...
وايران - بشرا واقتصادا - ليست خارج هذا القانون البشري، ومن هنا سنلقي اليوم ضوء علي جزء من صورة الفساد في ايران، وقد قلت جزءا من صورة الفساد وليس الصورة كلها لمجموعة من الاسباب، منها أن تعقد الحياة الاقتصادية وتشعبها جعل من اكتشاف الصورة الكاملة لعمليات الفساد في أي دولة مهمة شبه مستحيلة، ومنها أن طبيعة العصر الذي نعيشه - وهو عصر مادي بامتياز - جعل دخول طوائف كبيرة من شعب أي دولة في عمليات التلاعب والفساد من مفردات العصر وطبيعته، ومنها أن الطبيعة المنغلقة للدولة الإيرانية المعاصرة - وهي دولة دينية - جعل من حياة كل يوم صورة للمحافظة الشديدة - ولو في الظاهر - وفي مثل تلك الأجواء تسدل علي أوجه كثيرة للعمليات غير المشروعة أستار الصمت والكتمان...
وقد يقال ان إيران دولة دينية، تعلي من شأن الروحي علي حساب المادي، ومن شأن الآخرة علي حساب الدنيا، وبالتالي فمنطقا ليس من المتصور وجود عمليات فساد كبيرة وكثيرة في إيران، ولكن من يقل ذلك ينسي أن الإنسان في النهاية هو انسان، وأن الضعف الإنساني جزء من طبيعته... بصرف النظر عن النظم والمبادئ والايديولوجيات...
والآن إلي الحياة الاقتصادية في ايران وما بها من تلاعب وفساد... وسوف يقتصر حديثنا علي الحياة الاقتصادية - وليس الحياة العامة - وعلي الفساد المالي وليس كل أنواع الفساد...
الفساد المالي في ايران:
تعد مشكلة الفساد المالي واحدة من المشكلات الرئيسة في الاقتصاد الايراني، وهي تستنزف مليارات الدولارات من اقتصاد البلاد، فالتهرب الضريبي – طبقا لبعض التقديرات – يتراوح سنويا بين ٦ – ٩ مليار دولار، والضرائب أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الموازنة العامة للدولة، ومن الطرق الأخرى للفساد المالي العمولات غير القانونية لتمرير كثير من الصفقات مع الشركات الاجنبية، بالإضافة الي الرشوة والاختلاسات، والتي يتورط فيها كبار المسئولين في الدولة بمبالغ تصل الي مليارات من الدولارات، وهناك أمثلة كثيرة محددة في ذلك، وقد ذكر كبار رجال قطاع المال والاعمال الايراني أن الفساد مشكلة أساسية في الاقتصاد الايراني وأنه " ينبغي التعامل مع رؤوس الفساد في الدولة "...
وسوف نقوم بدراسة الفساد المالي وتأثيره علي بعض قطاعات الاقتصاد الإيراني كالآتي:
١ – قطاع البنوك...
فساد قطاع البنوك جزء هام من صور الفساد في ايران، ومن ابرز صوره تقديم تسهيلات مصرفية بلا رقابة دقيقة، وهو ما أدي بعدد كبير من البنوك الايرانية الي الوقوع في أزمات مالية كبيرة، وقد قدمت البنوك الايرانية تسهيلات ائتمانية بنحو ٥٠٠ مليار تومان عام ٢٠١٦/٢٠١٥، ومشكلة قطاع البنوك في ايران ليست في ارتفاع الدين فقط، بل في نظام وهيكلية الرقابة علي البنوك، وتوجه البنوك الايرانية اغلب استثماراتها الي المضاربات العقارية بدلا من الاستثمار في أصول استثمارية منتجة يحتاج اليها الاقتصاد الايراني في ظل تعثر العديد من المنشآت الانتاجية، وترتب علي ذلك ان القطاع البنكي في ايران اصبح يحيط به كثير من الشبهات، وظهور تقارير موثقة تتحدث عن افلاس كثير من البنوك الايرانية..
وحتي لا يصاب الاقتصاد الايراني بضرر أكبر اضطرت الحكومات الايرانية الي التستر علي افلاس البنوك ( قضية افلاس ١٢ بنك عام ٢٠١٦ علي سبيل المثال بسبب ارتفاع الفوائد وسوء الادارة ، بالإضافة الي افلاس ٥ بنوك في العام التالي مباشرة بسبب غياب الشفافية في التعاملات، وتقديم قروض ائتمانية دون ضمانات كافية ) وقد أدي ذلك الي تعريض المودعين الايرانيين لخسائر فادحة في مدخراتهم، وتعريض النظام البنكي الايراني الي انهيار كامل..
كما ان ايران من الدول التي يرتفع بها معدل غسيل الاموال، ومن اهم دوافعها وجود مصادر كثيرة ومتنوعة للأموال الناتجة عن أنشطة غير مشروعة أو اجرامية، مثل تجارة المخدرات وتجارة الاسلحة وتجارة الاعضاء وتزييف العملات وغيرها، خاصة وان ايران تتميز بوجود قطاع غير رسمي كبير للغاية..
٢ – قطاع الطاقة..
ظهرت كثير من قضايا الفساد في قطاع الطاقة، ففي عام واحد – ٢٠١٧ – تم الكشف عن ثلاث قضايا فساد كبري في قطاع الطاقة الايراني، وتنوعت بين قضايا عمولات غير قانونية بنحو ٢,٧ مليار دولار ( قضية بابك زنجاني )، واختلاس ١,٦ مليار يورو من اموال النفط الايراني ( قضية مجتبي علي خامنئي وهو ابن المرشد الأعلى للثورة الاسلامية السابق والمرشد الحالي) حيث اودع المبلغ في حسابه في البنك المركزي الايراني عام ٢٠١١، واختلاس أكثر من ٢١ مليون دولار ( قضية موظف هارب يعمل في صناعة النفط )...
وتمثل عائدات النفط نسبة كبيرة للغاية من صادرات الدولة الايرانية وماليتها العامة وناتجها الاجمالي، وهو الوضع الذي يعزز ريعية الاقتصاد الايراني، ويوفر مزيدا من حوافز ودوافع الفساد، وقد اوضحت بعض الدراسات العلاقة الطردية بين زيادة العائدات النفطية وعدد قضايا الفساد كاتجاه عام، وتؤثر تلك القضايا وغيرها - وهي طبقا لمراقبين للشأن الايراني كثيرة – علي ايرادات الدولة الايرانية من اهم مورد لها وهو النفط، وبالتالي التأثير علي جهود الدولة في زيادة معدلات التنمية..
٣ – قطاع الصناعة..
تعرض قطاع الصناعة الي كثير من قضايا الفساد، حيث تعد صناعة السيارات من أكثر الصناعات التي شابتها صور الفساد في ايران، ومنها قضية اهداء وزير الصناعة ٧٠ سيارة دفع رباعي في نوفمبر ٢٠٢٢ لنواب في البرلمان لتجنب المطالبة بإقالته، بالإضافة الي قضية مجموعة "عظام" لقطع غيار السيارات وبلغت قيمة الأموال المختلسة ٧٦٤ مليون دولار، وهناك اتجاهات واراء كثيرة تري أن هناك " مافيا " تحكم صناعة وتجارة السيارات في ايران، وقد اعترف وزير الصناعة الايراني بنفسه بوجود تلك المافيا ( وتقصد تلك الآراء ان هناك نوع من الجريمة المنظمة تتحكم في هذا الصناعة الرئيسة في ايران ) وذكر خبراء ايرانيون في مجال صناعة السيارات أن أغلب المسئولين عن صناعة السيارات هم أقارب لوزراء ومسئولين كبار، وحكام سابقين للمحافظات الايرانية، ومسئولين كبار في الاجهزة الأمنية..
وقد تعرضت صناعة السيارات المحلية في ايران علي مدار سنوات لانتقادات شديدة بسبب صور القصور في صناعتها وضعف اداءها، وعدم مراعاتها لشروط ومعايير السلامة، وهو ما أدي ارتفاع استهلاكها للوقود بالإضافة الي ارتفاع معدلات حوادث الطرق تلك السيارات...
وبالإضافة الي صناعة السيارات شهدت صناعة البتروكيماويات قضايا فساد متعددة، كان أكبرها قضية مديري بعض شركات البتروكيماويات عام ٢٠١٩، وبلغت قيمة الاموال المختلسة فيها ١١ مليار دولار...
٤ – قطاع التجارة الخارجية..
شابت بعض صور الفساد قطاع التجارة الخارجية الايرانية، وفي واحدة من القضايا الشهيرة في السنوات الاخيرة ما كشفت عنه تحقيقات هيئة التفتيش الايرانية أن احدي الشركات الخاصة – هي مجموعة " دبش " للزراعة والصناعة – تلقت خلال الفترة من ٢٠١٩ - ٢٠٢٢ مبالغ بعملات أجنبية من الحكومة بسعر مدعوم، أي اقل بكثير من سعر السوق السوداء، بغرض استيراد شاي وألات طباعة وتعبئة حديثة بقيمة ٣ مليارات و ٣٧٠ مليون دولار، لكنها باعت في السوق الحرة بمبلغ مليار و ٤٠٠ مليون دولار لتحقيق مكسب خاص لها، بدلا من تخصيص هذه المبالغ بالعملات الاجنبية المدعومة لاستيراد السلع التي اتفقت عليها مع الحكومة ( ومنها ايضا شاي هندي جيد النوعية استوردت شاي كيني منخفض الجودة بدلا منه )...
٥ – الفساد المالي في الجهاز الحكومي الإيراني..
حيث تزداد ممارسات الفساد بشكل خاص في الأجهزة والادارات الحكومية والمؤسسات العامة في ايران، ففي تقرير للبرلمان الايراني عام ٢٠٠٩ تبين وجود ٤٥٠٠ ملف مخالفات مالية وادارية لمؤسسات عامة وشخصيات حكومية، وفي تقرير أخر ارتفع عدد قضايا الفساد من ٨٧٩٢ قضية الي ٢٥٦٩٩٠ قضية بين عامي ١٩٨٤ و ٢٠١٠، أي تضاعف عدد القضايا الفساد ٢٩ مرة خلال ٢٦ عاما، ويقدر مسئولون حكوميون ايرانيون أن أكثر من ٦٠% من تجارة ايران الخارجية تتم بعيدا عن قواعد التنظيم الحكومية، وأن السلع المهربة تعدت قيمتها المليارات من الدولارات..
ويوفر الاتساع الكبير للقطاع العام الايراني امكانات واسعة للفساد المؤسسي، بما يوفره من مكانة تمييزية للبيروقراطية الحكومية، حيث ان ضعف المنظومة القانونية تؤدي الي الانحراف الاداري وتضخم الانفاق الوظيفي، وهي ممارسات تهدر الكفاءة العامة وتزيد التكاليف الاجتماعية بأشكال مباشرة وغير مباشرة.
وكان من أثر ذلك كله أن ترتيب ايران أصبح متدنيا للغاية في مؤشر الفساد الصادر عن منظمو الشفافية الدولية، فقد احتلت ايران المركز ٨٨ عام ٢٠٠٥ لتنحدر بشدة الي المركز ١٦٨ عام ٢٠٠٩، وقد احتلت ايران المركز ١٣١ عام ٢٠١٦ لتتقدم مركز واحد فقط عام ٢٠١٧ ( المركز ١٣٠ ) وهو نفس ترتيبها عام ٢٠١٨، في حين احتلت المركز ١٤٧ عام ٢٠٢٢، وقد تراجعت الي المركز ١٤٩ عام ٢٠٢٣، ولا يزال ترتيب ايران منخفضا للغاية، وأقل بكثير من ترتيب أغلب دول الشرق الاوسط ومنها الدول العربية...
وبعد... فلقد طفنا طويلا وعميقا في دقائق الحياة الاقتصادية في ايران، وقلنا ما لها وما عليها، وكان هدفي من البداية ليس التشيع لإيران ولا نقدها، بل تقديم صورة أقرب الي الواقع والي الحقيقة، نستكمل بها فهم صراع النار والسلاح الدائر الإن من حول إيران... وفهم دولة من أهم دول الشرق، وغالبا ما كان لها كلمة في تاريخه الطويل وفي تقرير مصائره...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟