أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 22:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يكف العالم عن التفكير في ايران... ماضيا وحاضرا ومستقبلا، والأمم الحية هي من تفكر، وهي من تقلب خياراتها علي كل الوجوه، ومن تتحلي بالذكاء ومعه المرونة...
والنظر الي إيران يختلف طبقا لمواقع الامم ومتطلباتها، وأخر شئ تطلبه السياسة الجيدة هو الجمود عند لحظة معينة من التاريخ او عند فكرة معينة... فالزمن يتحرك وتتحرك معه الافكار والسياسات والأهداف.. ومعها مواقع النظر الي الأمور.. أو هكذا يجب أن يكون...
وعندما عملت أمريكا وبريطانيا علي وصول رجال الدين الإيرانيين الي السلطة في النصف الثاني من السبعينات كان ذلك لعدم أسباب.. من أبرزها :
١ - استنفاد شاه ايران محمد رضا بهلوي الغرض منه، وبداية تمرده علي التوجهات الغربية.. وقد بان ذلك في الآتي:
أ - اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥ التي انهت دعم شاه ايران لأكراد العراق ومن ثم تفرغ العراق بعد فورة البترول العظيمة لبناء نفسه، وهو ما أغضب بشدة إسرائيل والولايات المتحدة..
ب - تقارب شاه ايران مع الروس ودول غرب أوربا - ألمانيا وفرنسا - علي حساب المحور الانجلوسكسوني - بريطانيا وأمريكا - وبداية تعاون في مجالات الطاقة والذرة مع السوفييت والاوربيين..
ج - تباطؤ الشاه في تجديد إتفاقية البترول مع الكونسورتيوم الأمريكي البريطاني، والتي وقعت عام ١٩٥٤ لمدة ٢٥ سنة، وكان عام ١٩٧٩ هو عام تجديد الاتفاقية، ومن هنا نفهم الدور الكبير الذي لعبته بريطانيا ومؤسساتها في الثورة الاسلامية الايرانية عام ١٩٧٩ وخاصة دور هيئة الإذاعة البريطانية BBC الخدمة الفارسية، التي كانت تنقل خطب الخوميني المقيم خارج إيران الي كل مدن وقري وأرياف ايران، ودور بريتش بتروليوم الهائل في دعم وتمويل أعمال الثورة الإيرانية... ودور الإذاعة البريطانية وشركة البترول البريطانية في ثورة إيران معروف وتناولته تفصيلا مراجع غربية عديدة...
٢ - صنع تناقض وعداء بين النظام القومي في العراق والنظام الديني في ايران، وتعطيل الدولتين مطلوب بشدة غربيا، وبعد تصالح شاه إيران مع العراق عام ١٩٧٥ انتهي واحد من ادواره المهمة غريبا، وكان لابد من خلق بديل علي نقيض تام مع العرب.. عرقا ومذهبا... وهنا قدم رجال الدين الإيرانيين انفسهم لتأدية الدور الجديد..
وبعد سنة ونصف فقط من وصول النظام الجديد في ايران قامت الحرب بين العراق وايران، وتثبت كل الدلائل ان إيران وضعت العراق تحت استفزاز لا يحتمل، بعمليات ارهابية داخل العراق وصلت الي محاولات اغتيال مسئولين كبار، ومعها نداءات لا تتوقف لشيعة العراق - وهم تقريبا ثلثي سكان العراق - بالثورة والتمرد علي دولتهم وخلق نظام ديني في العراق شبيه بما هو موجود في ايران، وقد حذر العراق مرارا ايران من هذه الاستفزازات المتعمدة، ووسط دولا لتهدئة الأمور، ولكن ساءت الأحوال مع حشد الدولتين لجيوشهما أمام بعضهما وربما كان العراق هو من اطلق الطلقة الأولي وربما كانت ايران، ولكن الأكيد أن العراق دخل حربا فرضت عليه فرضا، وذلك خلاف النظرة السائدة في الإعلام الغربي ان العراق هو من " اعتدي " علي ايران واستغل انشغالها بالثورة وهجم عليها !!!
٣ - تخويف دول الخليج العربية - وهي دول صغيرة الحجم ضئيلة السكان وتمتلك ثروة اسطورية - من القادمين الجدد في إيران، وايران دولة كبيرة الحجم ومكتظة بالسكان وطالما كان لها اطماع في بعض دول الخليج، وإذا زاد عليها امتلاكها لراية الدين ترفعه لجذب جماهير الشيعة في عموم الشرق العربي وخاصة شيعة الخليج، فهنا يصبح وجود ايران بحجم سكان كبير ودولة متسعة ونظام ديني له اهداف أممية خطر لا يقل عن قنبلة نووية موجهة بصورة مستمرة لأمن ومستقبل أهل الخليج العربي..
ومن هنا بدأت قصة استعانة دول الخليج بالولايات المتحدة لحمايتها من القادمين الجدد الي السلطة في طهران... حتي لو كانت الولايات المتحدة نفسها هي من اوصلت القادمين الجدد في طهران الي السلطة !!
ومع تقلب العصور تتغير الاستراتيجيات ومعها تتغير الاهداف والسياسات...
ويجد النظام الحاكم في ايران نفسه في نفس الموقف الذي وقفه شاه ايران عام ١٩٧٨ وبداية ١٩٧٩ ... نظام استنفد اغراضه لقوي عظمي هي من ساعدته علي الوصول إلى الحكم... ولابد من تغييره... وليس فقط تغيير سلوكه... فقد فات اوان ذلك وظهرت مستجدات جديدة تطلب تغيير النظام كله وليس تحسين سلوكه....
وكان أسباب سعي الغرب لتغيير النظام في إيران - وليس تغيير سلوكه - هو الأتي :
١ - ان الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية تري في الصين وروسيا عدوها الرئيسي طوال هذا القرن - القرن الواحد والعشرين - وبرغم ان روسيا دولة قومية، وقبلها كانت دولة شيوعية تقف موقفا عدائيا صريحا من الدين كمبدأ، ولكن روسيا أيضا دولة عريقة وتجربتها في السياسات الدولية ترجع الي قرون طويلة الي الوراء، وبالذكاء الروسي المعروف وتجربته الطويلة في السياسة استطاع ترويض رجال الدين الإيرانيين وعرفت روسيا كيف تتعامل معهم بل وتستفيد منهم... وفي النهاية وجد الإيرانيين في الروس حليفا قويا يوازن الغرب وتقلب سياساته....
ومع صعود الصين المدوي في السياسات العالمية وجدت في إيران محطة كبري في طريق الحرير الصيني الجديد - مشروع الحزام والطريق - وهو مشروع الصين الاعظم للقرن الواحد والعشرين... بالاضافة الي ان البترول الإيراني واحد من اهم مفردات سلة الطاقة التي تعتمد عليها الصين...
ومع صعود الصين وروسيا لتصبحا أهم تهديد للغرب علي السيادة العالمية، ومع انحياز إيران للمحور الجديد في السياسة العالمية بل وتقديمه خدمات كبري له فإن تغيير النظام في ايران - وليس تحسين سلوكه - أصبح مطلبا غربيا ملحا، لكسر حلقة قوية في المحور الروسي الصيني المنافس...
٢ - ان الهدف الغربي القديم بجعل ايران نقيضا لدولة العراق القوية تجاوزه الزمن بكثير، فالعراق الجديد أصبح مرتعا للنفوذ الايراني، والهدف المطلوب بإنهاك الدولتين تم تحقيقه، وهدف ابعاد الدولتين البتروليتين من استخدام ثروتهما الجديدة في بناء بلديهما أيضا تم تحقيقه...
٣ - ان هدف استخدام النظام الجديد في ايران كبعبع لتخويف دول الخليج - ومن ثم لا تجد دول الخليج مفرا من طلب الحماية الأمريكية - هدف تجاوزه الزمن ايضا، فالقواعد العسكرية الأمريكية - البرية والبحرية والجوية - تملأ الخليج العربي - وغير الخليج العربي - ومبيعات دول الخليج من السلاح الأمريكي وصلت لأرقام هائلة، وفي جولة ترامب الأخيرة في الشرق الأوسط رجع الي الولايات المتحدة وفي جيبه ٤ تريليون دولار من دول الخليج العربية !!!
٤ - أن استخدام الدين - الذي يمثله النظام الايراني - كنداء لخلخلة النظم العربية تم تحقيقه، واصبحت الدولة العربية الحديثة في غاية الهشاشة، ولم يصبح الدين والمذهب فقط عامل خلخلة للدولة العربية الحديثة بل اضيف اليه أسباب أخرى لا تقل أهمية... من العرق والقومية إلي الغني والفقر الي المطالبة بالديموقراطية في بلدان تاهت منها فكرة الدولة اصلا... وهي سابقة لفكرة الديموقراطية وشرطا لها...
٥ - ان استخدام الدين كعامل خلخلة - وليس عامل وحدة - للدول مازال مطلوبا في السياسات الغربية، ولكن يتم العمل علي توجيهه الي وجهات أخري، تتجاوز الشرق الأوسط ودوله الي مناطق أكثر أهمية... حيث يتم التفكير والعمل في استخدام الإسلام كعامل خلخلة للدولة الروسية والدولة الصينية، وكلا الدولتين لديهما أعداد كبيرة من المسلمين، وهذا هو صلب نظرية واحد من أهم مفكري الغرب، والذي كان له اتصال بأجهزة القوة واجهزة التفكير والتخطيط في الولايات المتحدة، وهو صمويل هنتنجتون صاحب نظرية " صدام الحضارات " حيث المطلوب صدام مباشر بين ثلاث حضارات متلاصقة... الحضارة الإسلامية من جانب والحضارة الصينية والحضارة الروسية من جانب أخر...
وطبقا لتلك النظرية - التي تحولت إلى سياسة - تم تصعيد تركيا في بداية القرن الواحد والعشرين وتلميع تجربتها مع الاسلاميين الجدد الحاكمين لها لتقود العالم الإسلامي... وتركيا في نفس الوقت دولة عضو قديم في حلف الناتو، أي انها مرتبطة بسياسات الغرب وأهدافه...
وطبقا لتلك النظرية تم الترتيب لحقبة الربيع العربي... وأهم بند في جدول اعماله ايصال الإخوان المسلمين الي الحكم علي طول العالم العربي وعرضه، حتي في النظم الملكية وليس في النظم الجمهورية فقط... ومن هنا وجدنا الإخوان المسلمين يسيطرون علي الحكومة في المغرب ويسيطرون علي البرلمان في الكويت ويسيطرون علي رئاسة الجمهورية في مصر... ويسيطرون عمليا علي الأمور في الاردن وتونس وليبيا والسودان واليمن، ويهددون دول الخليج العربية بقوة....
وبوصول الاخوان المسلمين والتيارات والاحزاب القريبة من افكارهم الي السلطة سوف تضمحل أهمية إيران جدا، فإيران الدولة الشيعية الوحيدة في العالم الاسلامي... ولا يساندها الا تجمعات شيعية محدودة في بعض البلدان العربية والإسلامية... ومع وجود نظم دينية جديدة يقودها تنظيم قوي وقديم الصلات مع الغرب مثل الاخوان المسلمين، وتسيطر علي ذلك المحيط الاسلامي دولة قوية مثل تركيا لها هي الاخري صلاتها العميقة مع أقوي احلاف الغرب، فإن اخذ تلك الجموع الهائجة الي حروب دينية لا تنتهي مع العدو الروسي والعدو الصيني - بحجة معتادة وهي انهما يحاربون الإسلام والمسلمين - سوف تصبح مسألة وقت...
وبرغم ان تلك السياسة تعرضت لانتكاسات كبيرة ومهمة، ولكن الغرب - وسياساته واهدافه طويلة النفس - لم يفقد الامل في إعادة قطار تعرضت بعض عرباته للانحراف الي القضبان مرة ثانية...
وكان أخر علامات نجاح تلك السياسة - برغم كل ما تعرضت له من انتكاسات في العقد ونصف الاخير - هو وصول خليط من تنظيم القاعدة وداعش وتنظيمات دينية محلية الي السلطة في سوريا، بقيادة رجل تقلب في تلك التنظيمات منذ صباه... منتقلا من القاعدة الي داعش، ثم مؤسسا لتنظيمه المستقل - جبهة النصرة - الذي تحول الي حركة أحرار الشام، وتحول هو شخصيا من أبو محمد الجولاني الي أحمد الشرع !!!
أي ان الغرب لم يفقد الامل في صنع الشرق الأوسط الكبير - وهو المشروع الرئيسي والمعلن للغرب منذ بداية هذا القرن - حيث دوله الهشة تحكمها تنظيمات إسلامية منفلتة، وأمراء حرب يمكن ضمان ولاءهم ببعض المال والسلاح، وحيث تضمحل فيها فكرة الدولة، وتنتهي معها فكرة الجيوش الوطنية، وهي بيئة شديدة الخصوبة لتجميع ملايين الشباب الذين تاهت في عقولهم الأمور واختلطت إلى حروب دينية، في الأماكن التي يريدهم الغرب ان يحاربون فيها....
لذا لا أعتقد أن الولايات المتحدة لديها حرص علي بقاء نظام الحكم الديني في إيران، بل وتعمل بالفعل - بالتعاون مع إسرائيل - علي تغييره... كل طبقا لمصالحه... وهي مصالح ليست بالضرورة متطابقة... بل وأحيانا تكون متعارضة...
ولكن السؤال.. هل تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل تغيير النظام في إيران ؟
أرى أن تغيير النظام في إيران اليوم مصلحة أمريكية واسرائيلية مؤكدة... ولكن ليس بالضرورة مصلحة عربية... برغم ضربات إيران لدول الخليج العربية... لكن اري أننا لو وجدنا في المستقبل القريب طريقا للتفاهم - كعالم عربي وليس كدول عربية منفردة - مع الإيرانيين فربما نصنع ما صنعه الروس والصينيين مع إيران من قبل... من تحويل فخ الي فرصة... وتحويل دولة كان يراد لها ان تكون عبء علينا الي دولة يمكن ان تكون عبء علي الاخرين... حتي لو لم تكن فرصة لنا....
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟