أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد فاروق عباس - الكرنك...















المزيد.....

الكرنك...


أحمد فاروق عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


بدأت امتحانات الفصل الدراسي الثاني عندنا في الكلية من أكثر من اسبوع - بعد أجازة العيد مباشرة - وهي فترة مرهقة بدنيا، بحكم عملي في الإشراف علي الامتحانات، وهو ما يقتضي المرور علي اللجان، ومتابعة سير الامتحان، وحل المشاكل المتوقعة... إلي آخره..
وبعد يوم طويل ومضني يحتاج الانسان الي الراحة...وأخر شئ يطلبه هو الحديث أو القراءة في السياسة أو الاقتصاد أو أي شئ يحتاج الي الانتباه والتركيز...أو الاهتمام والاستماع الي أخر تطورات الحروب والصراعات... وما أكثرها...
وبالتالي فالإمتحانات مناسبة للاسترخاء، بعيدا عن القراءة في السياسة والاقتصاد، أو الاهتمام بالحروب والصراعات التي لا تتوقف... ولن تتوقف...
وبالصدفة استمعت مساء أمس الي قصيدة الكرنك لمحمد عبد الوهاب، وأشعار أحمد فتحي.. الذي كتب لأم كلثوم - فيما بعد - قصة الأمس...

لم تأت عظمة محمد عبد الوهاب وتفرده في الغناء العربي من فراغ، فربما كان هو الوحيد - أو من قلة - من المغنيين الذين طرقوا موضوعات غير مألوفة في الغناء المصري والعربي، وذهبوا الي أغراض متنوعة في غناءهم بعيدا عن الحب وتنويعاته ( الفراق والهجر والقرب والبعد.... إلي آخره ) فهو المغني المصري الوحيد تقريبا الذي غني للكرنك... أعظم الآثار التاريخية علي الأرض المصرية، وربما أعظم شواهد التاريخ في العالم كله.. وهو الوحيد الذي غني للجندول، وهي المراكب الصغيرة التي تعبر الممرات المائية والبحيرات الصغيرة في مدينة فينيسيا - أو البندقية كما سماها العرب - في إيطاليا، وهو المصري الوحيد الذي غني لنهر دجلة في العراق في قصيدته " يا شراعا وراء دجلة يسري" ، ومثلما غني لأنهار العراق غني قصيدته الجميلة "النهر الخالد" لنهر النيل، بل غني لنهر الراين في ألمانيا قصيدته المفقودة خمرة الراين...
وغني لحوادث ضرب الفرنسيين لمدينة دمشق قصيدة شوقي الشهيرة :
سلام من صبا بردي أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق ُ
وغني لفلسطين قصيدة علي محمود طه المؤثرة :
أخي جاوز الظالمون المدي فحق الجهاد وحق الفدا
وغني لوحدة الشرق وعظمة تاريخه، والأمل في حاضره قصيدته الخالدة دعاء الشرق...
هو تاريخ كامل من الفن المصري في أبهي عصوره...

ونرجع إلي الكرنك...
وهي أغنية تعبر عن روح القومية المصرية، وبها يصل المصري في الاعتزاز بتاريخه وعظمة جدوده الي ذراه، مثلما عبرت قصيدتي الجندول وكليوباترا عن روح البحر المتوسط في الثقافة المصرية، ومثلما عبرت يا شراعا وقصيدة فلسطين وقصيدة سوريا عن الروح العربية في الثقافة المصرية...

وقد كتب الشاعر أحمد فتحي قصيدة الكرنك وهو بين اطلال المعبد العظيم، وغناها عبد الوهاب عام ١٩٤١ في ذروة الحرب العالمية الثانية، وكانت دائما ما تذاع من الإذاعة المصرية وقتها..

وقد استمعت الي الكرنك مرات بلا حصر، وبطبيعة الحال أحببت سماعها دوما بين أحضان معبد الكرنك وبهو أعمدته العظيم، وكان أخر مرة زرت فيها مدينة الأقصر وذهبت الي معبد الكرنك في الشتاء قبل الماضي - شتاء ٢٠٢٥ - وكانت معي أسرتي، فلم تتركني لارا ولينا استمع الي قصيدة الكرنك في معبدها، كما كنت افعل من قبل...
وهي قصيدة ناعمة في كلماتها وفي لحنها، لا تهتم بالكرنك وأثاره بصورة مباشرة بقدر اختيار أحمد فتحي لمعبد الكرنك إطارا لأفكاره عن الحياة والناس والتاريخ...
يبدأ عبد الوهاب غناءه بصورة شاعرية أقرب الي الحلم منها إلي اليقظة، حيث يبدأ الشاعر قصيدته في صورة حلم تراءى له أثناء السهر، فينقله الخيال إلى عصور مصر القديمة، فالماضي والحاضر يلتقيان، حيث تجعل آثار الكرنك المهيبة التاريخ حيًا أمامه..

حلمٌ لاح لعين الساهرِ
وتهادي في خيال عابرِ
وهفا بين سكون الخاطرِ
يصل الماضي بيمن الحاضرِ

ويستمر الشاعر في مناجاة نفسه، محاولا فض غموض المعبد الكبير والوصول إلى سره :

طاف بالدنيا شعاع من خيالي حائر ٌ
يسألُ عن سر الليالي
ياله من سرها الباقي ويالي
لوعة الشادي ووهم الشاعر ِ

ويستمر أحمد فتحي شاعر الكرنك في حديثه مع نفسه، مصورا أجواء الوجود من حوله بخيال فيه من الشاعرية ما لا يستطيعه الا شاعر متمكن، ويستمر معه محمد عبد الوهاب في لحنه الجميل..

حين ألقي الليل للنور وشاحه
وشكي الطلُ الي الرمل جراحه
يا تُري هل سمع الفجر نواحه
بين أنغام النسيم العاطر ِ

وهنا يغير محمد عبد الوهاب من ايقاعه اللحني - وان كان من نفس المقام - ويحس الإنسان انه ينادي علي شئ غامض، ويشعر بوقع الاقدام تتجه نحو المعبد، بعد ان قدم أحمد فتحي لها بصورة الدنيا التي أشرق صبحها علي يوم جديد...

صحت الدنيا علي صبح رطيب ِ
وهفا المعبد للحن القريب ِ
مرهفا ينساب من نبع الغيوب
ويناجيه بفن ساحر ِ

ويأخذنا عبد الوهاب الي داخل المعبد، حيث الملوك الذين عاشوا في ظل الكرنك، ففي هذا المكان حكم ملوك عظام، حاولوا تحدي الزمن وتركوا آثارهم الخالدة.. ومستمتعين برؤية الفلك ونجومه، ومفكرين فيمن بقي ومن ذهب:

هاهنا الوادي وكم من ملك ٍ
صارع الدهر بظل الكرنك ِ
وادعاً يرقب مسري الفلك ِ
وهو يستحيي جلال الغابر ِ

وهنا نصل الي الجزء الشهير من القصيدة، الذي ينادي فيه عبد الوهاب أطلال وبقايا معبد الكرنك، وقد هزم الدهور وتتابعت عليه آلاف الليالي والأيام وهو باق في مكانه يتحدي الزمان.. ومستقطرا حكمة الزمن، فلا القوي يبقي علي حاله، ولا السنين تتوقف عن الجريان، ومعها تحصد أعمار البشر...

أين يا أطلال جند الغالب ِ
أين آمون وصوت الراهب ِ

وهو سؤال فلسفي عن زوال القوة والسلطان مهما عظما، وتبدل الأحوال بالبشر..
ويستمر محمد عبد الوهاب واحمد فتحي لحنا وكلمات وصورا بديعة الي أخر قصيدتهما الجميلة..
وتُعد الكرنك من أجمل القصائد التي مزجت بين الوطنية والتأمل الفلسفي في التاريخ والزمن، فجعلت من آثار الكرنك رمزًا لعظمة حضارة مصر، ودرسًا في أن القوة تزول مهما كان جبروتها، بينما تبقى أثار الرجال بعد زوالهم خير الحاكمين...
لقد كان عبد الوهاب مغامرا عند تلحينه وغناءه هذه القصيدة، فلم يكن مضمونا اقبال الناس عليها، ولم يكن سهلا ان تقبل شركات الاسطوانات تسجيل اغنية عن معبد من معابد قدماء المصريين، اغنية ليس فيها حب ولوعة وفراق مما تعود عليه الجمهور المصري من طول ما قدم له هذا اللون فقط من الغناء، ولكن الجمهور المصري خالف التوقعات، ونجحت الاغنية نجاحا كبيرا بمجرد اذاعتها، واصبحت من كلاسيكيات الغناء المصري والعربي...
وهو ما ينبهنا الي ان الناس - او جزءا كبيرا منهم - تطلب الجودة وتطلب الرقي في الفن، وان اقبال الناس علي المبتذل من الفنون ليس صحيحا الا بقدر ان ذلك فقط هو ما يقدم للناس أحيانا بدون بديل او منافس كما يحدث حاليا...

وللأسف نفتقد في أدبنا المصري هذه الروح الملحمية، وباستثناء أحمد شوقي في قصيدته " كبار الحوادث في وادي النيل " لا نجد شاعرا مصريا يذهب الي عصر قدماء المصريين مستلمها وقائعه، وحتي شوقي - وهو أهم وأكبر شاعر مصري حديث استلهم الحضارة المصرية القديمة في شعره وتحدث باستفاضة عنها - كانت قصائده عن الوقائع العثمانية مساوية تقريبا لقصائده عن حضارة قدماء المصريين...
ليس لدينا هوميروس يكتب الإلياذة والأوديسا المصريتين، وحتي نجيب محفوظ الذي بدأ قصصه بقدماء المصريين - رادوبيس وعبث الأقدار وكفاح طيبة- سرعان ما ترك التاريخ الي الواقعية ثم الي الرمزية في أدبه...

والأدب كما يقال دائما مرآة الشعوب، وتاريخنا الفرعوني جزء أصيل من شخصيتنا الوطنية، ونسيانه فقدان لعصر كان فيه المصريون سادة الدنيا، علما وقوة وأثارا، والأمم تعيش بالماضي وزهوه وعنفوانه كما تعيش بالحاضر وتقلباته، ومن الصحة النفسية والعقلية للأمم ان تجد في ماضيها عونا لحاضرها ومستقبلها، فبدون ذاكرة يعيش الإنسان - وتعيش الأمم - في فراغ، وتترك نفسها لأي معتد وأي غاصب يريد السيطرة عليها، ولأي مدع وأي مهرج يريد أن يتلاعب بعقلها، وعقل الأمم وذاكرتها إذا فُقدت فقدت معها حاضرها ومستقبلها...



#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الإمبراطورية الأمريكية(4) كيف ولماذا تنهار الإمبراطوريات ...
- عن الإمبراطورية الأمريكية(3) كيف تتصرف دول العالم إزاء الامب ...
- عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكي ...
- داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
- عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا ...
- كده برضه يا قمر...
- مصر.... وليست تركيا !!
- هل الوطنية والقومية فاشية ؟!!
- هل أمريكا تريد تغيير النظام في إيران أم تريد تغيير سلوكه ؟
- كلام فارغ...
- العسكريين والمدنيين في أمريكا...
- لماذا يوجه كل اللوم لإيران ؟! ولماذا تعفي أمريكا وإسرائيل من ...
- المنزلق الخطير...
- اختراق إيران....
- مصر... ودول الخليج العربية !!
- كيف تلاعب البريطانيون والامريكان بإيران طوال قرن من الزمان ؟ ...
- حوار مع صديق ... لماذا أقف مع إيران في هذه الحرب... وضد أمري ...
- صوت مختلف من ايران...
- الفساد في إيران...
- مشكلات الاقتصاد الايراني..


المزيد.....




- موسكو.. اليوم الأخير من معرض -أيام الثقافة السودانية-
- مهرجان -التقاليد والحداثة- يفتتح أبوابه في موسكو بمشاركة دول ...
- بوتين يمنح جائزة الدولة الروسية لصاحب -تاريخ السعودية- و-مصر ...
- -دوستويفسكي يمكن اعتباره كاتبا مصريا-.. مكانة راسخة للأدب ال ...
- موسكو تعود إلى الماضي.. رحلة عبر الزمن في مهرجان -الأزمنة وا ...
- المغرب.. استعراض فيلم وثائقي عن التراث الثقافي الروسي
- معجم الطيوب والعطور.. رحلة في ذاكرة الروائح والبخور عبر التا ...
- مهرجان -سافر!-.. منصة تجمع الفنون الشعبية والطهي وصناع المحت ...
- هل فاتك أحدها؟.. أفضل أفلام الرسوم المتحركة التي تألقت منذ ب ...
- راقصة مصرية تكشف لـRT تفاصيل خطيرة عن اتهامها لـ-نخنوخ- وفنا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد فاروق عباس - الكرنك...