|
|
عن الإمبراطورية الأمريكية(4) كيف ولماذا تنهار الإمبراطوريات ؟
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 18:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن الزمن الذي استغرقه قديما مرور الامبراطوريات بمرحلة النشوء والارتقاء ثم الاضمحلال والنهاية كان طويلا، وأحيانا طويلا للغاية، فقد استغرق اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها قرونا، واستغرق تداعي الامبراطورية العثمانية وانهيارها قرنين من الزمان ظهرت خلالهما بوضوح علامات الضعف والنهاية، ولكن مع تسارع ايقاع الزمن بشدة في القرن ونصف الماضي تقلص الفارق بين نشوء الامبراطوريات وفناءها إلي بضعة عقود، وأحيانا بضع سنين، فعلامات ضعف الامبراطورية البريطانية لم تظهر إلا مع بدايات القرن العشرين، عندما تفوقت عليها اقتصاديا ألمانيا، وتفوقت عليها كذلك الولايات المتحدة بحجم مواردها الهائل، ولكن انهيار الإمبراطورية البريطانية لم يأتي إلا مع منتصف القرن العشرين، وبعد بضعة عقود فقط من ظهور أولي علامات الضعف، والامبراطورية السوفيتية وصلت إلي ذروة قوتها الاقتصادية والعسكرية في خمسينات وستينات القرن العشرين، وبدأت علامات الضعف تظهر مع السبعينات، ثم انهارت الامبراطورية السوفيتية في نهاية الثمانينات... أي أن سرعة التفاعلات في الأبنية الداخلية والخارجية للامبراطوريات قد ازداد بشدة وجلب معها دورة حياة أقصر لتلك الامبراطوريات، وأغلب الظن أن الامبراطورية الأمريكية لن تكون استثناء من ذلك... فالامبراطورية الأمريكية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، أي أن لها اليوم ثمانية عقود، والفارق كبير بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية عند نشوء الامبراطورية ووضعها اليوم، ففي فجر ظهور الامبراطورية الأمريكية في منتصف الأربعينات من القرن العشرين كانت الولايات المتحدة هي الدولة النووية الوحيدة في العالم، واليوم - في نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين - هناك ثمانية دول نووية، وأكثر من عشرين دولة في أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية لديها الموارد المالية والقدرة التكنولوجية لصنع القنبلة النووية بسهولة، والسلاح الأمريكي المتفوق - وهو مازال متفوقا - يواجه تحديات خطيرة من دول متعددة، والقوة الاقتصادية الأمريكية التي كانت تنتج ما يقارب من نصف الإنتاج العالمي في أواخر الأربعينات من القرن الماضي تواضع انتاجها الي ربع الإنتاج العالمي الاسمي اليوم، وقوي أخري تسابقها وتكاد تسبقها...
وكثيرا ما تكون إمبراطورية ما ذات قوة عسكرية عظمي في زمانها ولكنها ذات قدرات وقوة اقتصادية متواضعة، كالامبراطورية العثمانية والامبراطورية الروسية والامبراطورية الإسبانية، ويعيش بعضها مع ذلك قرونا عديدة كامبراطورية كبيرة ومترامية الأطراف.. ولكن ربما كان ذلك جائزا وممكنا بالنسبة الي الامبراطوريات القديمة قبل القرن العشرين، فمن ضمن أهم المتغيرات التي اتي بها القرن العشرين أن القوة الاقتصادية تقف الي جنب القوة العسكرية كشرط لبقاء الامبراطوريات وهيمنتها، فالامبراطورية البريطانية انهارت بسبب تراجعها الاقتصادي الكبير برغم أنها خرجت منتصرة في حربين عالميتين، وكان تواجدها العسكري - كدولة محتلة لبلدان عديدة حول العالم أو ذات نفوذ قوي في بلاد أخري - يغطي اغلب بحار ومحيطات العالم ، ولكن الاقتصاد كان مقتل الامبراطورية البريطانية وسبب اضمحلالها ونهايتها.. وينطبق الأمر ذاته علي الامبراطورية السوفيتية، التي كانت تتحكم في مساحة تزيد عن ٢٢ مليون كيلو متر مربع كرقعة جغرافية متصلة، بالإضافة الي هيمنتها عسكريا وسياسيا علي أوربا الشرقية، ونفوذها القوي علي بلدان متعددة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، ومرة ثانية كان اقتصاد الامبراطورية دون قوتها العسكرية ونفوذها السياسي بكثير...
والأن وقد توسعنا في مناقشة موضوع الامبراطورية، نأتي الي السؤال المهم... لماذا ومتي تضعف الإمبراطوريات، وما هو تطبيق ذلك في حالة الامبراطورية الأمريكية ؟! يعتري الإمبراطوريات الضعف المؤدي الي الاضمحلال عندما تتعرض لهزائم عسكرية قاسية، أو ثورات وتوترات داخلية، أو وهن وضعف قد يستمر عقودا، وإذا اخذنا الولايات المتحدة كحالة للدراسة فإن عوامل ضعف الامبراطورية الأمريكية يمكن تلخيصها في الاتي: ١ - الولايات المتحدة أكبر دولة مدينة في العالم : تختلف التقديرات لحجم الدين الفيدرالي الأمريكي طبقا لطريقة الحساب والبنود الداخلة فيه، ولكنه إجمالا يتراوح ما بين ٣٧ - ٣٩ تريليون دولار، وهو رقم يفوق ديون أي دولة أخرى في العالم وبفارق كبير. ويرجع ذلك إلي اعتماد الحكومة الامريكية منذ عقود على الاقتراض لتمويل الإنفاق العسكري والاجتماعي والفوائد وغيرها ( مقابل نحو ٩ تريليون دولار ديون اليابان، وأكثر من ٥ تريليون ديون الصين، ونحو ٣ تريليون ديون بريطانيا). ٢ - أن إنتاج أمريكا من السلع والخدمات المتداولة انخفض كثيرا.. ويُقدر الناتج المحلي الأمريكي في عام ٢٠٢٥ بحوالي ٣٠ - ٣١ تريليون دولار، بنسبة ٢٦% من الانتاج العالمي بالأسعار الاسمية ( ١٥% فقط من الانتاج العالمي طبقا لتعادل القوة الشرائية، في حين بلغ الناتج المحلي الأمريكي عام ١٩٦٠ حوالي ٤٠% من الانتاج العالمي).. وفي عام ١٩٥٠ كان الإنتاج الصناعي يشكل حوالي ٢٧% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وكانت أمريكا "مصنع العالم" بلا منازع، أما في الوقت الحالي فقد انخفضت مساهمة القطاع الصناعي لتصل إلى حوالي ١٠ - ١١% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، نتيجة التحول نحو اقتصاد الخدمات والاعتماد على سلاسل التوريد العالمية والأتمتة.. وفي عام ١٩٥٠ كان نحو ٣١% من إجمالي العمالة غير الزراعية في أمريكا يعملون في قطاع التصنيع (حوالي ١٣ مليون عامل).. أما اليوم فقد تراجعت هذه النسبة إلى أقل من ٩% .. والقطاعات الرئيسية القائدة للاقتصاد الأمريكي اليوم يأتي علي قمتها قطاع الصناعات العسكرية والدفاعية، وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وقطاع الطاقة، وبعض الأنشطة الخدمية كالأعلام والترفيه، والسياحة والتجارة والنقل.. وتأتي نسب مساهمة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي كالأتي: قطاع الخدمات: من ٧٦% إلى ٨٠%. قطاع الصناعة: من ١٨% إلى ٢٠%. قطاع الزراعة: من ١% إلى ٢%. ٣ - اعتماد الولايات المتحدة علي الدولار في هيمنتها الاقتصادية عالميا فخ اكثر منه فرصة، فشراء الولايات المتحدة سلع وخدمات العالم بأوراقها الخضراء ترك أمريكا بلا انتاج أو تفوق حقيقي في أغلب قطاعات الصناعة التقليدية.... ٤ - ضعف عوامل اللحُمة الداخلية في الولايات المتحدة... فأمريكا مجموعة من الشعوب المهاجرة، جمعها حلم الثراء في القارة الجديدة، وهذه الشعوب المهاجرة التي وجدت في أمريكا مستقرا لها أديانها ومذاهبها وارتباطها بأوطانها الأم، وهذه الشعوب لم تهاجر الي الولايات المتحدة جماعة، بل أفراد وعلي مدي زمني واسع، ولكن بمرور الوقت أصبح لكل مجموعة بشرية في امريكا هويتها المختلفة عن الاخرين... ٥ - الانخفاض الشديد في معدلات الادخار، والعجز الكبير في الميزان التجاري الأمريكي، ومعدل الادخار في أمريكا يتراوح من ٣ - ٥% مقابل نحو ٣٠% في الصين، ويرجع ذلك إلي أن الاقتصاد الأمريكي قائم بدرجة كبيرة على الاستهلاك، وذلك لسهولة الاقتراض وتوافر بطاقات الائتمان، والثقافة الاستهلاكية القوية.. ٦ - ارتفاع معدلات الجريمة... وأنواع الجرائم الأكثر لفتًا للانتباه متنوعة، وأشهرها: أ - الجرائم العنيفة وتشمل: القتل، والاغتصاب، والسطو المسلح، والاعتداءات العنيفة.. ومعدلات القتل في أمريكا هي الأعلى من معظم دول أوروبا الغربية واليابان، ويرجع ذلك الي انتشار السلاح الفردي في أيدي كتل كبيرة من الشعب الأمريكي، بالإضافة إلى الفوارق الاجتماعية الهائلة، وتجارة وتعاطي المخدرات، وانتشار العصابات المنظمة وعصابات الشوارع في بعض المناطق.. ب - جرائم الممتلكات وتشمل: السرقة، واقتحام المنازل، وسرقة السيارات.. وهناك بعض المدن الكبيرة شهدت تاريخيًا معدلات مرتفعة للسرقات بأنواعها مثل شيكاغو وبالتيمور وديترويت... ونتيجة لذلك تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية أكبر عدد من السجناء في العالم، سواء من حيث العدد الإجمالي، أو نسبة السجناء مقارنة بعدد السكان...
٧ - الافراط في التوسع... طبقا لإدوارد جيبون في مؤلفه الشهير "اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها" فإن إفراط الإمبراطوريات في توسيع رقعتها وفي أخذ مسئوليات والتزامات لا نهاية لها حفظا لبقاء الامبراطورية وصعودها هو أعظم خطر يواجه تلك الإمبراطوريات، فقيام إمبراطورية ما بمسئوليات ومهام عسكرية واقتصادية وأمنية وسياسية في مناطق وحيز جغرافي متسع يضعها أمام مئات المشكلات الصغيرة والكبيرة، ويستنفد طاقتها، ويعطي فرصا لا تعوض لمنافسيها لإرباكها بمزيد من التورط، وإعطاء هؤلاء المنافسين الوقت اللازم لاستكمال أسباب قوتهم، التي هي في النهاية خصم صريح من قوة ونفوذ الامبراطورية..
( وما بين الاسباب الداخلية والخارجية لاضمحلال الإمبراطوريات وسقوطها تكاد الصين تكون الامبراطورية الوحيدة التي كان الخطر الحقيقي عليها يأتي من الداخل أكثر من الخارج، وكان يتمثل في انحطاط القوة التي تحكم في المركز، وتفسخ وحدة الاقاليم الصينية وابتعادها عن سيطرة المركز، كما تراجعت التجارة الداخلية وتراجع التعامل النقدي بين أجزاء الامبراطورية، والنتيجة ان انقسمت الامبراطورية الصينية الي دولتين، واحدة في جنوب الصين والآخري في شمالها... ) وربما - في رأيي - تشبه الولايات المتحدة الصين في تلك النقطة، ففي ضوء المعطيات المتاحة أمامنا اليوم يتمثل الخطر الحقيقي علي تماسك الامبراطورية الأمريكية وبقاءها من الداخل أكثر من الخطر الخارجي...
وهناك متغير شديد الاهمية، له دوره الحاسم في صراع الامبراطورية الأمريكية ومستقبلها، وهو الحركات والمشاعر القومية، وهي ما قوضت أغلب الإمبراطوريات في القرن العشرين، كالامبراطورية العثمانية، والنمساوية المجرية، والبريطانية، والفرنسية، والسوفيتية، وربما من هنا الحرب الشعواء التي تشنها الامبراطورية الأمريكية علي فكرة الدولة القومية منذ عقود، ونعتها بالفاشية أحيانا وبالشوفينية أحيانا أخري، وقد سارت تلك السياسة المنظمة في عدة اتجاهات: ١ - تصعيد الحركات والمشاعر الدينية كبديل عن الفكرة القومية ومنافس لها... ٢ - تصعيد أفكار العولمة، وأن العالم أصبح قرية واحدة صغيرة، يعيش أهلها بلا حدود بينهم ولا اختلافات، وكان الهدف الأساسي هو المشاعر القومية لدي مختلف الأمم، وتصعيد فكرة الإنسانية كبديل عن الشعور الوطني والقومي الذي تم وصفه بالفاشي، واستجاب كثيرون - للأسف - من نخب الدول القومية لتلك الدعايات الفجة واقتنعوا بها، وبعضهم صارت مهمة حياته إقناع الآخرين بها !! ٣ - خلق كيانات سياسية واقتصادية وصحية ورياضية واجتماعية فوق قومية أو عابرة للقومية، كالأمم المتحدة ومجلس الامن في السياسة، ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الاقتصاد، وهيئات ووكالات الامم المتحدة في مختلف الشؤون، كمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، والمنظمات الدولية التي تنظم مختلف الشئون كمنظمة الصحة العالمية، والاتحاد الدولي لكرة القدم واتحاداته القارية الذي أصبح يتحكم بصورة شبه كاملة في كافة شئون اللعبة الأكثر جماهيرية في العالم، كل ذلك نزع من الدولة الوطنية والقومية سيطرتها علي مجالها العام وترك فاعلين دوليين - الولايات المتحدة بصورة صريحة باعتبارها القوة القائدة للنظام الدولي - التحكم في الدولة القومية والحد من سيادتها... والصورة الأخطر من تلك الاستراتيجية هي السياسة شديدة الخبث التي تقوم بها الولايات المتحدة والتي تتمثل في ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية وأمنية هائلة علي دول معينة حتي استسلام تلك الدول وانهيارها أمام تلك الضغوط الغلابة، ثم اطلاق الولايات المتحدة نفسها علي تلك الدول وصف الدول الفاشلة !! وحينها تذهب دعاية الولايات المتحدة - علي لسان ساستها وكتابها وصحفييها - بأن اسبابا داخلية فقط هي ما جعلت تلك الدول دولا فاشلة تعجز عن القيام بوظائفها؛ ودون كلمة واحدة عما اقترفته يداها من سياسات - ترقي الي درجة الجرائم - في وصول تلك الدول إلي تلك الحالة !! كل تلك صورا مختلفة لحرب لا هوادة فيها ولا رحمة تشنها الولايات المتحدة علي فكرة ومبدأ الدولة القومية، وعلي المشاعر القومية والوطنية في أي بلد، وفي ذهن خبراءها وقادتها أن قوة المشاعر القومية هي ما سببت انهيار امبراطوريات القرن العشرين، وأن الامبراطورية الأمريكية لن تسمح لهذه المشاعر وتلك الافكار بتكرار ما فعلته مع غيرها، وسوف تحاربها بكل السبل... وحتي النهاية... لقد كان من المستحيل علي الجزائريين تحمل التكلفة الرهيبة في صراعهم مع الامبراطورية الفرنسية دون نظرتهم الي دورهم كجنود في حرب وطنية، وكان من المستحيل أيضا علي الفيتناميين تحمل التكاليف القاسية لحربهم مع الولايات المتحدة دون مشاعر قومية، ونظرتهم الي أنفسهم كحركة تحرر وطني من استعمار يريد فرض كلمته علبهم... والعالم الثالث كله تخلص من عصر الاستعمار وثقله تحت رايات الوطنية والتحرر الوطني، وأنشأ دولا قومية أصبحت ذات سيادة علي أرضها، واضطرت الامبراطوريات القديمة معها الي التراجع تحت ثقل ضربات الوطنية الناهضة في عشرات البلاد التي كانت تابعة لهذه الامبراطورية أو تلك...
وهناك سؤال أخر يرتبط بتلك المناقشة وهو : هل تجدي وتنفع حرب العصابات والحرب غير المتكافئة في حالة الامبراطورية الأمريكية ؟! لقد تنبهت الإمبراطورية الأمريكية لتلك النقطة جيدا، لذا حرصت ألا يكون تواجدها علي البر الآسيوي أو الافريقي أو اللاتيني طويلا أو مؤثرا، ومن هنا نفهم تركيز الولايات المتحدة الشديد علي بناء حاملات الطائرات التي تجوب محيطات وبحار العالم، ومن هنا نفهم أيضا تركيز الولايات المتحدة علي بناء قواعد عسكرية في الدول الصديقة والتابعة لها بديلا عن سياسة الاحتلال الشامل التي كانت السياسة المعتمدة في الإمبراطوريات القديمة كلها، وكل ذلك سببه خوف الولايات المتحدة من إمساكها من نقطة ضعفها، فالامبراطورية الأمريكية دولة مهاجرين، ولم يأت هؤلاء المهاجرون من أوطانهم الاصلية للتضحية بأرواحهم ودمائهم علي الأرض الأمريكية وفي سبيلها، ولكنهم أتوا لملاقاة حظ أو للبحث عن فرصة للغني أو للصعود الاجتماعي، ومن يأتي الي بلد ما بهذه الروح ليس مستعدا لمشقات الحياة أو لدفع تكاليف، فهو في النهاية باحث عن الحظ السعيد، وأي حرب مكلفة وطويلة تخوضها الامبراطورية الأمريكية سوف تواجه من الشعب الأمريكي بأسئلة من نوع : كيف... ولماذا.. وبأي ثمن... وهل لا توجد سياسات بديلة بعيدا عن الحرب... وما هي النهاية ؟!! لذا دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الأولى في سنتها الثالثة وقبل عام واحد من نهايتها... ودخلت الحرب العالمية الثانية في سنتها الثالثة أيضا وتحملت أقل التكاليف البشرية فيها، وحاربت في كوريا في بداية الخمسينات لثلاث سنوات فقط، كانت أغلبها غارات جوية من السماء وليست قتالا علي الأرض، في الصحاري أو المدن، وكذلك الأمر في حرب فيتنام في الستينات، كانت الحرب جوية في أغلبها، وفي حرب العراق عام ١٩٩١ - حرب تحرير الكويت - استمرت الحرب ٤٣ يوما فقط، وتركت الحرب البرية للدول الاخري المشاركة في الحرب، وفي حرب أمريكا الثانية مع العراق عام ٢٠٠٣ بدأت الحرب في ٢٠ مارس وانتهت في ٩ أبريل - أقل من ثلاثة أسابيع - وبرغم احتلال الولايات المتحدة للعراق بعدها الا أن الوجود العسكري الرئيسي كان للشركات العسكرية الخاصة، ومثالها الأشهر كان شركة بلاك ووتر... أي أن الولايات المتحدة قامت بخصخصة الحرب، حيث تركت الجزء المكلف بشريا فيها للقطاع الخاص !!! لكل ذلك لم تنفع حروب التحرير الشعبية او حرب العصابات مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تختبئ بعيدا في قلب البحار والمحيطات في حاملات طائراتها، وغواصاتها... أو في داخل قواعد عسكرية محصنة داخل بلدان تابعة لها، وحتي عندما تضطرها الظروف للقتال، فتحرص ان يكون الجزء الرئيسي من مجهودها الحربي بواسطة قوتها الجوية المتفوقة، او باستخدام مرتزقة في صورة شركات عسكرية خاصة ترفع عنها عبء القتال وتكاليفه البشرية...
يأخذنا ذلك الي السؤال التالي... هل الإصلاحات المطلوبة يمكن ان تطيل من عمر الامبراطورية.. وهل يصح ذلك في حالة الامبراطورية الأمريكية ؟! طبقا لنظرية الدورات يمكن ان تطيل الاصلاحات الضرورية في الهيكل الاقتصادي والعسكري والسياسي من عمر الامبراطورية، ونظرية الدورات مؤداها باختصار ان الامبراطوريات لا تمر على خط مستقيم يبدأ بالنشوء ثم النمو والوصول الي اقصي درجات القوة ثم الاضمحلال والسقوط، ولكن كل مرحلة من تلك المرحل تتخللها دورات هبوط وارتفاع... وبالتالي فالفهم العميق لمشاكل الامبراطورية الأمريكية ومحاولة اصلاحها من الممكن - طبقا لتلك النظرة - ان تزيد في عمر الامبراطورية، عن طريق زيادة الفترات التي تستغرقها دورات الارتفاع والهبوط في كل مرحلة من مراحل حياة الامبراطورية، ودونالد ترامب والقوي التي جاءت به الي قيادة الامبراطورية الأمريكية تري أن إعادة بناء القوة الاقتصادية في الداخل الأمريكي والتخفف من الثقل الهائل للالتزامات العسكرية الأمريكية حول العالم سوف يطيل من عمر الامبراطورية الأمريكية، وخصوصا إذا واكب تلك الإصلاحات سياسات تعمل علي تعطيل القوي المنافسة للامبراطورية الأمريكية واشغالها بالحروب وبالضغوط الاقتصادية المتنوعة...
وفي النهاية... إن الإمبراطورية الأمريكية منتج بشري، وهي ككل شئ بشري تسري عليه قوانين الحياة... من الميلاد ثم النضوج ثم الشيخوخة ثم الوفاة، وبكل تأكيد فقد تعدت الامبراطورية الأمريكية مرحلة الميلاد والنضج، وهي الآن في أواخر مرحلة النضوج والعنفوان، وتقترب حثيثا من مرحلة شيخوختها... واذا سُألت... كيف ستكون نهاية الامبراطورية الأمريكية فإن ردي أن أغلب الظن أن يأتي ذلك لأسباب داخلية... ان عوامل الضعف والتفكك في الداخل الأمريكي ليست هينة، وما يحفظ تماسك الدولة الأمريكية في الداخل هو مزيج من الغني مع فنون الدعاية واسعة الحيلة، وضبط أمني ناعم لكل تفاصيل الحياة الأمريكية، وفي حالة اختلاف وتشاحن المكونات الرئيسية للائتلاف الرأسمالي الحاكم للولايات المتحدة، يمكن أن نجد أعراقا وقوميات يرتفع صوتها، وولايات تطالب بالانفصال، وجيش أمريكي ممزق ولا يجمعه رابط... ان البشر يظلون في النهاية بشرا... مهما بلغ بهم الغني أو بلغ بهم العلم أو بلغت بهم القوة... وقوانين الحياة تسري علي الجميع... بغض النظر عن علمه أو غناه أو قوته...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(3) كيف تتصرف دول العالم إزاء الامب
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكي
...
-
داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا
...
-
كده برضه يا قمر...
-
مصر.... وليست تركيا !!
-
هل الوطنية والقومية فاشية ؟!!
-
هل أمريكا تريد تغيير النظام في إيران أم تريد تغيير سلوكه ؟
-
كلام فارغ...
-
العسكريين والمدنيين في أمريكا...
-
لماذا يوجه كل اللوم لإيران ؟! ولماذا تعفي أمريكا وإسرائيل من
...
-
المنزلق الخطير...
-
اختراق إيران....
-
مصر... ودول الخليج العربية !!
-
كيف تلاعب البريطانيون والامريكان بإيران طوال قرن من الزمان ؟
...
-
حوار مع صديق ... لماذا أقف مع إيران في هذه الحرب... وضد أمري
...
-
صوت مختلف من ايران...
-
الفساد في إيران...
-
مشكلات الاقتصاد الايراني..
-
حديث الارقام... ما أهم مؤشرات الاقتصاد الإيراني ؟
المزيد.....
-
مذيعة CNN لأحمديان: أين أحمدي نجاد وما حقيقة -خطته-؟ شاهد كي
...
-
مسؤول عسكري إسرائيلي لـCNN: عمليات برية شمال -الخط الأصفر- ف
...
-
مرسوم ملكي لإدارة الأوقاف يشعل مواقع التواصل في البحرين
-
في مواجهة الازدحام والحر الشديد.. السعودية تستخدم الطائرات ا
...
-
إسرائيل توسع عمليتها البرية إلى ما بعد -الخط الأصفر- بجنوب ل
...
-
مكة المكرمة: أكثر من 1,5 مليون شخص يؤدون الركن الأعظم للحج و
...
-
الخطوط المغربية تلغي 12 خطا جويا بسبب تداعيات الحرب في الشرق
...
-
بينها الخطوط المغربية... ما هي شركات الطيران التي ألغت رحلات
...
-
نتنياهو: قررنا تعميق العمليات العسكرية في لبنان
-
مسيّرة تحصد أرواح 14 شخصا بينهم نساء ببلدة الطينة السودانية
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|