|
|
نجيب ساويرس... ونمط من الرأسمالية !!
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 12:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حملت الأنباء منذ أيام خبر زيارة السيد نجيب ساويرس الي دمشق في ٢٥ يونيو الماضي ومقابلته للسيد أبو محمد الجولاني - الذي غير اسمه الي أحمد الشرع - وكان اللقاء كما يبدو من صوره وديا، وكما ظهر من زيارة السيد ساويرس للمسجد الأموي وكلامه المؤيد للسيد الشرع، واعلانه انه سوف يستثمر أمواله في سوريا !!
لقد مثل لي لقاء رجل أعمال يصف نفسه بأنه ليبرالي برئيس سلطة الأمر الواقع ورجل تنظيم القاعدة ثم داعش ثم العودة إلى القاعدة في سوريا مفاجأة مدهشة في بداية الامر... ثم بعد قليل من التفكير زال العجب وتلاشت الدهشة...
ولابد لي أن اعترف انني أجد بعض الغرابة في أمر السيد نجيب ساويرس، وجزء كبير من افعاله لا يمكن تفسيره بظواهر الأمور، بل ببواطنها، فالسيد نجيب ساويرس يختار لاستثماراته - خلافا لأي منطق اقتصادي معروف - الدول المضطربة سياسيا، أو الدول التي لها مشاكل معينة مع الغرب، ويبدو أن المثل السائر بأن رأس المال جبان لا ينطبق علي رؤوس أمواله هو بالذات، التي تتميز بالشجاعة غير المفهومة، واحيانا بالتهور !! والاستثمارات الخارجية الخاصة وفي دول مضطربة سياسيا لابد لها من حامي او راعي، وهو شئ معروف في كل العالم، من أيام شركة الهند الشرقية (البريطانية ) في القرن السابع عشر، التي كانت تحمي استثماراتها وأموالها عبر البحار البوارج والسفن الحربية البريطانية، الي عصر الشركات دولية النشاط (متعددة الجنسية في تسمية أخري ) التي تحمي استثماراتها وأموالها عبر العالم دولها الأم... فرأس المال الأمريكي الخاص الذي يستثمر في اي دولة في العالم تحميه الدولة الأمريكية، وكذلك بالنسبة للاستثمارات البريطانية والفرنسية والروسية، ومن هنا يبرز السؤال البديهي: ومن ياتري يحمي استثمارات السيد نحيب ساويرس حول العالم، وفي مناطق شديدة الخطورة وشديدة الاضطراب سياسيا، أو دول لها مع الغرب خصومة وعداء؟! وما هدفه الحقيقي من ذلك ؟!
يبدو التفسير الاقتصادي البسيط بأن الدافع هو الربح ليس كافيا، فالباحث عن الربح لا يستثمر امواله في كوريا الشمالية، وهي دولة فقيرة، وعلاقتها بالعالم شبه مقطوعة، وهي - فوق ذلك كله - أخر دولة شيوعية في العالم !! ولا يستثمر امواله في العراق، في وقت وصلت فيه الاضطرابات بين السنة والشيعة، والأكراد والعرب في العراق الي حدود الحرب الأهلية، وكانت التفحيرات واعداد القتلي والجرحي هو كل ما تحمله الأنباء الواردة من عاصمة العباسيين... ومن يبحث عن الربح لا يجد في ليبيا المقسمة من عقد كامل، ويحكمها نظامين سياسيين مختلفين أفضل وجهه للاستثمار فيها !!
ونلقي نظرة سريعة علي الدول التي اختار السيد نجيب ساويرس الاستثمار فيها، والمجالات التي اختارها للاستثمار في تلك البلاد وسببها... ١ - كوريا الشمالية.. طبقا لتقارير إعلامية منشورة كانت كوريا الشمالية من أكثر الاستثمارات الخارجية غرابة في مسيرة نجيب ساويرس، إذ دخلها عبر شركة أوراسكوم تيليكوم ابتداءً من عام ٢٠٠٨، عندما كانت الشركات الأجنبية العاملة هناك نادرة للغاية !! وأبرز أنشطته كانت شركة كوريولينك (Koryolink) وهي أهم استثماراته في كوريا الشمالية، وكانت مشروعًا مشتركًا بين أوراسكوم وهيئة الاتصالات الحكومية الكورية الشمالية، وقد امتلكت أوراسكوم ٧٥% من الشركة، بينما امتلك الشريك الحكومي ٢٥%. وحصلت الشركة على ترخيص لتشغيل أول شبكة اتصالات محمولة من الجيل الثالث (3G) في البلاد.. وقد استثمرت أوراسكوم مئات الملايين من الدولارات في إنشاء البنية التحتية لشبكة الهاتف المحمول، وتوسعت الشبكة تدريجيًا لتغطي العاصمة بيونج يانج ومدنًا أخرى، ووصل عدد المشتركين إلى نحو ثلاثة ملايين مشترك خلال سنوات قليلة !!
وقام نجيب ساويرس باستثمارات اخري - بجانب قطاع الاتصالات - في آخر الدول الشيوعية المتبقية في العالم، فقد قامت شركته - أوراسكوم - بمشروع فندق ريوجيونج، وهو الفندق الضخم غير المكتمل الذي يُعد أحد أشهر معالم بيونج يانج، كما شاركت في مشروع مصرفي مشترك... ولكن لسبب ما غير معروف بالضبط ورغم نجاح شبكة الهاتف المحمول المملوكة لنجيب ساويرس تجاريًا، واجهت الشركة صعوبات كبيرة، فلم تتمكن من تحويل أرباحها إلى خارج كوريا الشمالية بسبب القيود الحكومية والعقوبات الدولية.. ثم أنشأت حكومة كوريا الشمالية لاحقًا شركة اتصالات منافسة مملوكة لها، ما أدى إلى تراجع نفوذ كوريولينك، وفي عام ٢٠١٥ و ٢٠١٦ أعلنت أوراسكوم أنها فقدت السيطرة المحاسبية على استثماراتها، واضطرت إلى شطب جزء كبير من قيمة الأصول من دفاترها !!! ولا تزال هذه الاستثمارات تمثل عبئًا ماليًا على الشركة، إذ أشارت تقارير حديثة إلى أن الأموال المحتجزة في كوريا الشمالية وانخفاض قيمة الأصول المرتبطة بـ«كوريولينك» كانا من أسباب الخسائر التي سجلتها الشركة في السنوات الأخيرة... وانتهت واحدة من أعجب استثمارات نجيب ساويرس وأكثرها غرابة...
٢ - العراق.. تتركز استثمارات نجيب ساويرس في العراق بشكل رئيسي في العقارات والتنمية العمرانية، مع اهتمام بقطاعات أخرى مثل السياحة والطاقة. وأبرز هذه الاستثمارات هي مدينة علي الوردي السكنية، وتُعد أكبر مشروع يرتبط باسم ساويرس في العراق، وهي مدينة يجري تطويرها بالشراكة مع الحكومة العراقية قرب بغداد، ويضم المشروع حوالي ٢٠٠ ألف وحدة سكنية، وقدرت تصريحات مسؤولين عراقيين مساهمة استثمارات ساويرس فيه بنحو ملياري دولار... وناقش نجيب ساويرس مع الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية فرصا للاستثمار في الفنادق والمشروعات السياحية، مستفيد من خبرته في هذا المجال. كذلك يعد التصنيع الزراعي من الانشطة التي أبدت المجموعة التابعة لنجيب ساويرس اهتمامًا بالتوسع فيها داخل العراق، إلى جانب العقارات والسياحة...
٣ - الجزائر .. تُعد الجزائر من أهم الأسواق التي عمل فيها نجيب ساويرس، خاصة في قطاع الاتصالات خلال العقد الأول من الألفية. وأبرز استثماراته كانت شركة جيزي (Djezzy) وقد كانت جيزي أكبر استثماراته في الجزائر، وهي شركة للهاتف المحمول أسستها شركة أوراسكوم تيليكوم وبدأت العمل عام ٢٠٠٢ ، وقد حققت نموًا هائلًا، وأصبحت أكبر شركة اتصالات محمولة في الجزائر، وتجاوز عدد مشتركيها ١٦ مليون مشترك في ذروة نشاطها، قُدرت قيمتها آنذاك بما بين ٦ - ٨ مليار دولار، وكانت من أنجح استثمارات أوراسكوم على الإطلاق، ولكن بدءا من عام ٢٠٠٨ نشب خلاف بين أوراسكوم والحكومة الجزائرية بسبب النزاعات ضريبية التي قدرتها، وفرض قيود على تحويل الأرباح إلى خارج الجزائر، وخشية الحكومة الجزائرية من سيطرة أطراف اجنبية علي مرفق في منتهي الأهمية في العصر الحديث، ورغبتها في فرض سيطرتها على قطاع الاتصالات.. وفي عام ٢٠١٤ باعت أوراسكوم معظم أصول شركة جيزي إلى الصندوق الوطني للاستثمار الجزائري (FNI) وشركة VimpelCom (التي أصبحت لاحقًا VEON)، لتنتهي بذلك قصة نجيب ساويرس واستثماراته في الجزائر...
٤ - سوريا.. كانت لنجيب ساويرس استثمارات في سوريا في عهد الرئيس بشار الأسد وايضا - وكما هو متوقع - في قطاع الاتصالات، وقد كانت سوريا وقتها منغلقة اقتصاديا، وعلي خلاف مع الولايات المتحدة وعداء مع إسرائيل، وبرغم ذلك - وربما من أجل ذلك - دخل نجيب ساويرس الي سوريا من باب قطاع الاتصالات.. لكن خلاف مع الحكومة السورية وقتها اوقف استثمارات نجيب ساويرس من التوسع في سوريا، ومن ناحيته لم يذكر نجيب ساويرس الدولة السورية بشئ وانحي ساويرس باللوم علي رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري السابق بشار الأسد... وبعد زيارته الأخيرة لسوريا أعلن نجيب ساويرس عزمه علي المشاركة في إعادة الأعمار في سوريا، وأن قطاع التطوير العقاري والإسكان وقطاع السياحة والفنادق هو المجال المتوقع لدخول نجيب ساويرس السوق السورية من خلاله...
مما سبق يمكن ان نستخلص النمط السائد لطبيعة حركة نجيب ساويرس والاماكن والمجالات التي يختارها لاستثمار أمواله فيها... ١ - أن جزء هاما من البلدان التي استثمر نجيب ساويرس أمواله فيها علي مسافة ما - ان لم تكن علي عداء صريح - مع الولايات المتحدة، ومع الغرب عموما، وكوريا الشمالية والجزائر وسوريا بشار الأسد مثال على ذلك.. ٢ - أن جزءا ثانيا من البلدان التي يبحث نجيب ساويرس عن استثمار وتنمية أمواله فيها هي دول عالية المخاطر اقتصاديا بسبب عدم استقرار النظام السياسي فيها، وشبه الحروب الأهلية الباردة والساخنة التي تعيشها تلك البلدان.. والعراق وسوريا وليبيا مثال علي ذلك.. ٣ - أن نجيب ساويرس يختار قطاع الاتصالات تحديدا في الدول التي تبتعد مسافة عن الولايات المتحدة والغرب أو علي درجة من العداء معها مثل كوريا الشمالية والجزائر وسوريا بشار الأسد... ومعروف أن قطاع الاتصالات تحديدا مجال شديد الحساسية سياسيا، ومن تابع ماذا فعل قطاع الاتصالات الإيراني - وهو مملوك بالكامل للدولة - أثناء الحرب الاخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل - حيث تم اصطياد أغلب رؤوس النظام الكبيرة بما فيها المرشد الاعلي ووزير الدفاع ورئيس المخابرات - يستطيع تخمين مقدار أهمية مرفق الاتصالات في الدول الحديثة.. في حين يختار مجالات إعادة الإعمار في الدول التي قامت الولايات المتحدة بتغيير النظام فيها ووضعت مكانه أنظمة تابعة أو قريبة منها... العراق بعد صدام حسين وسوريا بعد بشار الأسد وليبيا بعد معمر القذافي مثال على ذلك... ولكن ما هو تفسير ذلك ؟! لننتظر قليلا.... أن الحركة السياسية لنجيب ساويرس تضعه دوما علي تماس مع مناطق غريبة، ومن امثلتها :
أ- العلاقة المفترضة بين نجيب ساويرس وحمدان دقلو - حميدتي - قائد قوات الدعم السريع في السودان، فقد نشر ساويرس تغريدات اعتبر فيها أن الجيش السوداني يتحمل مسؤولية تصعيد الصراع، ورأى أن قوات الدعم السريع كانت أقرب إلى الالتزام بالاتفاق الإطاري، وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعًا، وفسرها البعض على أنها تعبير عن تأييد سياسي أو انحياز لحميدتي، بينما نفى آخرون أن تكون دليلًا على وجود علاقة مالية أو تنظيمية.. ونجيب ساويرس مستثمر كبير في قطاع الذهب بأفريقيا عموما ومنها السودان، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء مهمة من تجارة الذهب في السودان، وبرغم عدم وجود أدلة منشورة تثبت أن شركات ساويرس اشترت ذهبًا من قوات الدعم السريع أو دخلت معها في شراكات، لكن سبب تكرار هذا الاتهام يعود إلى عدة عوامل : - منها استثمارات نجيب ساويرس في قطاع الذهب بالسودان، فلشركات مرتبطة به تاريخ من الاستثمار في التعدين والذهب في السودان، كما أعلنت مجموعة "لامانشا" اهتمامها بتوسيع نشاطها هناك.. - ومنها سيطرة حميدتي على جزء كبير من قطاع الذهب منذ عام ٢٠١٧، فقوات الدعم السريع تسيطر على عدد من مناجم الذهب المهمة في دارفور ومناطق أخرى، وهو ما وثقته تقارير صحفية وتحقيقات دولية.. وقد نفى نجيب ساويرس هذه الاتهامات بشكل صريح، ففي أبريل ٢٠٢٣، عندما سُئل عن وجود علاقة اقتصادية مع حميدتي، رد بأنها "أي كلام"، رافضًا صحة تلك الأقوال...
ب - من ضمن أهم نطاق التماس الغريبة لنجيب ساويرس انتقاده لبعض اوجه النشاط الاقتصادى للجيش المصري، وفي تصريحات تكررت في أكثر من مناسبة، وأبرزها: - في نوفمبر ٢٠٢١ انتقد توسع الشركات التابعة للدولة والجيش في النشاط الاقتصادي، وقال إن ذلك يخلق منافسة غير متكافئة مع القطاع الخاص، لأن بعض هذه الشركات تتمتع بمزايا لا تتوافر للشركات الخاصة، وهو ما قد يثبط المستثمرين... - وفي مايو ٢٠٢٥ - في لقاء بجامعة هارفارد - كرر الفكرة بصورة أوضح، وقال إن الجيش ينبغي أن يركز على الصناعات العسكرية والتسليح، بدلاً من التوسع في أنشطة مدنية، مثل إنتاج الأغذية والسلع الاستهلاكية، وضرب أمثلة مثل "البسكويت والجمبري". كما قارن ذلك بالتجربة التركية التي ركز فيها الجيش على تطوير الصناعات الدفاعية... ونجيب ساويرس دائم النقد لمناخ الاستثمار في مصر، ولديه حساسية شديدة من اي تدخل حكومي.. سواء من القوات المسلحة أو غيرها من وزارات الحكومة المصرية... وهو ما يثير بعض الاسئلة المنطقية : فكيف يتأقلم نجيب ساويرس مع نظام ماركسي في كوريا الشمالية ويعجبه مناخ الاستثمار فيها لدرجة وضع مليارات من أمواله في المجهول، ويثير حساسيته دخول الجيش المصري في بعض الانشطة الاقتصادية المعروف بدقة سبب دخوله فيها ؟! وكيف لا يجد نجيب ساويرس - وهو الليبرالي من زاوية سياسية - تناقضا بين خلفيته السياسية - ولا أريد أن أقول والدينية - مع استثمار أمواله في دولة يحكمها منتسبين لخليط عجيب من تنظيمات إسلامية متطرفة بدءا من القاعدة الي الإخوان المسلمين الي داعش ؟!!
ج - ترك نجيب ساويرس الاقتصاد في مصر بعد ٢٠١١ واتجه الي الإعلام والسياسة، فأسس قناة تلفزيونية سياسية، وأسس حزبا سياسيا، هو حزب المصريين الأحرار، وقد عرف الحزب نفسه انه حزب علماني وليبرالي يقتفي خطي الحركة الليبرالية المصرية وتراثها العريق، وهو ما سبب له مشكلة مع حزب الوفد، الذي يعد نفسه الوريث الطبيعي لتراث الليبرالية المصرية... وكان ذلك نوع من إعادة تجربة سلفيو برلسكوني في إيطاليا، وهو ملياردير ايطالي لم يعرف عنه اهتماما بالسياسة من قبل، وفجأة ألف حزبا سياسيا - فورزا إيطاليا أو إلي الأمام يا إيطاليا - وقبلها كان صاحب إمبراطورية إعلامية كبيرة في إيطاليا، ومع الفراغ السياسي في إيطاليا بعد قضايا الفساد الكبري في بداية التسعينات والتي أدت إلى انهيار معظم الأحزاب السياسية الايطالية وجد بيرلسكوني أن فرصته قد حانت...
ولاعتبارات يمكن تخمينها بسهولة لم يكن نجيب ساويرس رئيسا للحزب الذي انشأه، مثل بيرلسكوني في إيطاليا، بل اكتفي بكونه ممول الحزب والقوة الدافعة وراءه، ولكن المسيرة السياسية لساويرس تجمدت بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ، وفقد حماسه ومن ثم تبخر حزبه السياسي...
ومن زاوية أخري تقدر صافي ثروة أفراد عائلة ساويرس بنحو ١٦–١٧ مليار دولار وفق أحدث تقديرات فوربس، وتمتلك أوراسكوم للإنشاء أصولًا بمليارات الدولارات، وقد بلغت أصولها نحو ٣.٥ مليار دولار في أحدث البيانات المتاحة، بينما تتجاوز إيراداتها السنوية ٤ مليارات دولار، وقد قدرت ثروة آل ساويرس بنحو ٣٥.٧ مليار دولار عام ٢٠٠٨ طبقا لتصنيف مجلة فوربس الأمريكية لقائمة كبار أثرياء العالم...
والجانب الاقتصادي هو ما يهمنا الآن وليس الجانب السياسي لنجيب ساويرس، برغم ان الفصل بينهما يبعدنا عن أي فهم قريب من الحقيقة لتلك الشخصية الخلافية... ومن زاوية ثانية فسوف نبحث عن التفسير الاقتصادي لطبيعة حركة نجيب ساويرس، لأن التفسير السياسي يمكن ان يأخذنا الي مناطق مجهولة او مناطق خطرة... أحد التفسيرات يمكن ان نجدها- الي حد ما - في الادبيات الاقتصادية الخاصة بمدرسة التبعية، وهي واحدة من المدارس الاقتصادية الحديثة التي تهتم بالتنمية الاقتصادية في الدول النامية، بجانب المدرسة القومية في الاقتصاد والمدرسة اليسارية، فهناك ما يعرف بالطبقة الكمبرادورية، ومصطلح كمبرادور (Comprador) هو مصطلح اقتصادي وسياسي يعود أصله إلى الكلمة البرتغالية comprador التي تعني "المشتري"... وفي الاستخدام الحديث يُقصد بالبرجوازية الكمبرادورية طبقة من رجال الأعمال أو التجار أو الرأسماليين في دولة نامية ترتبط مصالحها بالشركات أو القوى الأجنبية أكثر من ارتباطها بالاقتصاد الوطني، فهي تعمل وسيطًا بين رأس المال الأجنبي والسوق المحلية، وتجني أرباحها من تسهيل دخول المنتجات أو الاستثمارات الأجنبية، دون أن تسهم بالضرورة في بناء صناعة وطنية قوية... وعادة ما يُستخدم المصطلح على سبيل النقد، للإشارة إلى أن هذه الفئة تعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج، وتحقق مصالحها من خلال التعاون مع الشركات أو الدول الأجنبية، وقد تضع مصالحها الخاصة أو مصالح القوى الخارجية فوق المصلحة الاقتصادية الوطنية...
ولكن تفسير الطبقة الكمبرادورية ليس كافيا لفهم ظاهرة نجيب ساويرس، فهو ليس مجرد رجل أعمال أو رأسمالي طفيلي يتحرك في المسافة بين مصالح الرأسماليات الكبري في الغرب ومناطق نفوذها في العالم الثالث، فنجيب ساويرس ليس مجرد رجل أعمال مصري محلي، بل هو رجل أعمال دولي تتحرك رؤوس أمواله عبر الدول والقارات ... ربما نجد تفسيرا أكثر اقترابا في فهم هذه الظاهرة في حقيقة أن المصالح الكبري في الغرب تترك هامش حركة يتسع احيانا الي حدود كبيرة لطبقة من رجال الأعمال من دول العالم الثالث تنوب عنها في دخول مناطق لا تريد دخولها، إما لارتفاع مخاطر الاستثمار فيها او لأن وجود من ينوب عنها يرفع عنها مشاكل لا لزوم لها...
فهو نمط من الرأسمالية موجود بكثافة في دول العالم الثالث، وتعطي ظروف دوله السياسية والاقتصادية لهذه الفئات الوسيطة المجال لممارسة أدوارها الاقتصادية والسياسية...
وهو نمط من الرأسمالية افرزته مع صعودها لتتسيد الكوكب كله، حيث تجد لها وكلاء في دول العالم النامي ينوبون عنها فى أداء بعض الأدوار الاقتصادية والمالية والسياسية، حيث المنافع متبادلة بين الطرفين...
وهو نمط من الرأسمالية لا يبدو انه يحمل مبادئ يتمسك بها ويلزم نفسه بواجباتها، فنراه مرة يطالب بدرجة أعلي من التحرر الاقتصادي في بلد ما - كمصر مثلا - ومع ذلك يستثمر أمواله في بلد شيوعي منغلق تماما علي نفسه، وليس له أي تعامل تقريبا مع العالم الخارجي !! ونراه يطالب بالليبرالية الاقتصادية والسياسية في بلد معين، ومع ذلك يذهب لاستثمار أمواله في بلد تحكمه الفاشية الدينية !! ويعيب علي بلد ما تدخل جيشها في بعض الأمور الاقتصادية، وبرغم ذلك يذهب بنفسه ليستثمر امواله في بلد مقسم الي قسمين، يحكم العسكريين جزءا منه ويحكم التيار الديني الجزء الأخر !!
ولكن المشكلة ان التطور الاقتصادي والسياسي لبلدان العالم النامي يجد مشاكل كبيرة مع هذا النمط من الرأسمالية، فهو نمط من الرأسمالية غير قادر بطبيعة تكوينه وارتباطاته علي خلق نوع من التنمية تتناسب مع ظروف بلدان العالم النامي واحتياجاته الفعلية والضرورية، وهو من ناحية أخري نمط من الرأسمالية غير قادر - بطبيعة تكوينه وارتباطاته أيضا - علي صنع درجة من التوازن الاجتماعي يجد تعبيره في صيغة مقبولة للديموقرطية وتداول السلطة، وبرغم الوجود المستمر لهذا النمط من الرأسمالية في أغلب بلدان العالم النامي - بل وغيره كروسيا في التسعينات - منذ عقود لكن يمكن القول باطمئنان ان دوره في دفع درجة التطور الاقتصادي والسياسي في بلدانه أقل كثيرا من المطلوب، وعلي المدي الطويل فربما نكتشف يوما ما أن ضرره أكثر من نفعه....
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأوكتاجون... والعاصمة الادارية الجديدة... والسبب الحقيقي لب
...
-
30 يونيو 2013... ضربة البداية.. وصافرة النهاية !!
-
يوميات قاهرية...
-
الكرنك...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(4) كيف ولماذا تنهار الإمبراطوريات
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(3) كيف تتصرف دول العالم إزاء الامب
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكي
...
-
داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا
...
-
كده برضه يا قمر...
-
مصر.... وليست تركيا !!
-
هل الوطنية والقومية فاشية ؟!!
-
هل أمريكا تريد تغيير النظام في إيران أم تريد تغيير سلوكه ؟
-
كلام فارغ...
-
العسكريين والمدنيين في أمريكا...
-
لماذا يوجه كل اللوم لإيران ؟! ولماذا تعفي أمريكا وإسرائيل من
...
-
المنزلق الخطير...
-
اختراق إيران....
-
مصر... ودول الخليج العربية !!
-
كيف تلاعب البريطانيون والامريكان بإيران طوال قرن من الزمان ؟
...
المزيد.....
-
شملت -طنب الكبرى-.. الجيش الأمريكي يعلن اكتمال موجة الضربات
...
-
ضربات أميركية جديدة وردّ إيراني يطال دولًا في المنطقة.. طهرا
...
-
كيف تُحول السعادة من شعور عابر إلى دائم؟
-
الجيش الإيراني: فتح مضيق هرمز يستوجب وقف القتال واحترام طهرا
...
-
-الأخبار- اللبنانية: إسرائيل تدرس توسيع عملياتها في لبنان
-
بيروت: قرار إنهاء الوجود العسكري لـ-حزب الله- نابع من إرادة
...
-
الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال مسؤول القنص في -حماس- وسط قطاع
...
-
غارات إسرائيلية وقصف مدفعي يستهدف بلدات جنوب لبنان وتفجيرات
...
-
RT تكشف عن جرائم استخبارات زيلينسكي
-
واشنطن تعلن موافقتها على بيع أسلحة للسعودية بقيمة تقارب مليا
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|