|
|
عبدول...
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 18:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تثيرنا دائما ألعاب السيرك السياسي الأمريكي، وننبهر دوما بألوانه الخاطفة للعيون، وثيابه المزركشة، والأصباغ والمكياج علي وجهه، وننسي دائما النظر الي جوهر الأمور قبل مظهرها.. وما هي حقائق الحياة السياسية الأمريكية... وما الذي يظهر حقيقة وراء ألوانها الخاطفة وأصواتها الصاخبة وثيابها المزركشة... والحياة السياسية الأمريكية مسرح كبير، يظهر عليه كل حين ممثلين جدد، يؤدون أدوار محددة، تساعدهم جيوش من المساعدين، في فنون متعددة.. منها فن الديكور.. وفن الاضاءة.. وفن الالقاء.. وفن التأثير.. الخ..
ومن هنا لا تحتاج الحياة السياسية الأمريكية الي العلماء أو النابغين، فلم نري أبدا - ولا مرة واحدة - ترشح أحد الحائزين علي جائزة نوبل في الاقتصاد أو الطب أو الفيزياء او الكيمياء لمنصب عضو في الكونجرس الأمريكي - مجلس الشيوخ أو مجلس النواب - أو لمنصب حاكم ولاية من الولايات الخمسين، أو لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية...
ربما يقول قائل أن مناصب السياسة تختلف عن مراتب العلم، وأن المهارات التي تحتاجها السياسة ربما لا يلبيها رجل العلم... وهو قول صحيح الي حد ما.. وليس صحيحا علي إطلاقه... فالدولة الحديثة دولة مؤسسات وليست دولة فرد يفهم في كل شئ، ويعرف كل شئ، وبالتالي فرجل العلم ستكون معه مؤسسات تقدم له خلاصة عملها، وتضع أمامه خيارات متعددة.. وأثار وعواقب تلك الخيارات المتعددة... وعليه هو أن يدير نقاشا مع تلك المؤسسات صاحبة العلم والخبرة في مجالها حتي يصل الطرفان الي أسلم قرار... فرجل العلم هنا لا يختلف عن رجل الاقتصاد... الذي يفهم في الاقتصاد فقط وليس في السياسة الخارجية مثلا.. أو في الحروب والأمور العسكرية.. أو في مجال الطب والصحة.. أو في مجال التعليم أو الزراعة... الخ.. ولكن السياسة الأمريكية لا تحبذ وجود رجال علم، أو بمعني أدق لا تريد رجال ذوي همة عالية، وعقل كبير، وذوي أراء مستقلة.... ومن هنا وجدنا رجالا أقل من المتوسط يصلون الي أعلي وأهم منصب في العالم... منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية... فرونالد ريجان كان ممثلا فاشلا في هوليوود... التقطته الدولة الأمريكية العميقة - وخاصة FBI المباحث الفيدرالية الأمريكية - ووقفت وراءه حتي أوصلته الي منصب رئيس أمريكا !! وجورج بوش الأب.. كان ينتمي الي الطبقة الرأسمالية الحاكمة في أمريكا، وصاحب استثمارات في شركات للبترول، ومساهم رئيسي في شركة الفواكه المتحدة - united fruits - التي كان مجال عملها الرئيسي في أمريكا اللاتينية... وطالما نظمت - مع المخابرات الأمريكية - الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية، وخاصة في الخمسينات.. وعند منتصف السبعينات تولي جورج بوش نفسه منصب مدير المخابرات الأمريكية !! وفي أواخر الثمانينات أصبح رئيس الولايات المتحدة !! وبيل كلينتون، كان إبنا مدللا للمؤسسة الأمريكية الحاكمة، وقد أوصلته الي منصب رئيس أمريكا برغم فضائحه الجنسية قبل الرئاسة - وبعدها - وبرغم انه مجهول الأب، بعد أن اعترفت أمه بأنها لا تتذكر مع من كانت بالضبط ليلة حملت بطفلها وليام - اسم الدلع لبيل - فما كان منها حلا للمشكلة سوي أن نسبته لزوجها الثالث روجر كلينتون !!! ولا تختلف قائمة رؤساء أمريكا عن هؤلاء الاشخاص غريبي الأطوار... فجورج بوش الابن كان سكيرا مدمنا للخمور والمخدرات، وباراك أوباما شخص مجهول، ليس له أدني خبرة بالسياسة، أتوا به لتنظيم الربيع العربي في الشرق الأوسط... وجو بايدن رجل محدود المواهب والقدرات، وقد وصل مع تقدمه في السن الي الاصابة بالزهايمر.. وهو ما زال رئيسا لأمريكا !! أما دونالد ترامب فهو لا يحتاج إلى بيان... وأفعاله وأقواله تصدم العالم صباحا ومساء... ولا أحد يفهم كيف وصل رجل هذه صفاته وطبيعته الي منصب رئيس أمريكا، إلا إذا كانت وراءه مجموعات قوة أو مؤسسات نافذة.... وبعد هذه المقدمة الطويلة نصل إلى عبدول... أو عبد الرحمن السيد، الطبيب ذو الأصول المصرية الذي فاز من يومين بترشيح الحزب الديموقراطي في أمريكا.... وقد لاحظت انبهارا سريعا بالشاب العربي المسلم ذي ال ٤١ عاما الذي استطاع الفوز على مرشحة يساندها اللوبي اليهودي في أمريكا... وهو نفس المدخل الذي يدخلون لنا منه... ونحن لا نتعظ أبدا !! وسوف أذكر وجهه نظري في الموضوع مرتبة في النقاط التالية :
١ - أن عبد الرحمن السيد جاء برضا ومساندة الاجهزة الأمريكية، وهو شئ مسلم به في الحياة السياسية الأمريكية، فالنظام السياسي الأمريكي لن يسمح لرجل ليس مضمونا بنسبة مائة في المائة أن يترشح لعضوية الكونجرس أو كحاكم ولاية أو رئيسا للبلاد... إن موافقة الاجهزة - FBI أولا ثم غيرها من أجهزة الأمن الداخلي والخارجي الأمريكية - شرط حاكم لدخول أي شخص الحياة السياسية الأمريكية، ثم يتم فلترته بعد ذلك في المؤسسة الحزبية، وهي أيضا خاضعة بصورة تامة للدولة الأمريكية العميقة المتحالفة مع رأس المال الأمريكي الكبير، وهي من تقرر في النهاية هل ستعطيه الأموال - عشرات الملايين من الدولارات وقد تصل الي مئات الملايين أحيانا - ليكمل السباق أم لا...
٢ - ينقلنا ذلك إلي سؤال مهم: من أنفق علي حملة عبدول.. وكم أنفق.. ولأي سبب ؟! السياسة في أمريكا - وفي غيرها - ليست جهات خيرية، أو مؤسسات إحسان... ولكن هي دوائر مصالح، تختار من بين المعروض أمامها في سوق السياسة من يحقق لها مصالحها ومطالبها... ومن ثم تقرر وقتها هل تعطيه الأموال الضرورية لحملته... التي تشمل الترشح أولا في الانتخابات التمهيدية لحزب من الحزبين... ثم - وهو الأهم - الترشح للانتخابات العامة بعدها... وهي أموال تصل إلي مئات الملايين من الدولارات في حالة انتخابات الكونجرس، والي مليارات في حالة انتخابات الرئاسة... والغريب في حالة عبدول أنه تم ذكر الأموال التي أنفقتها منافسته، فقد ذكر أنها حصلت علي ٥٠ مليون دولار، منها ٣٠ مليون دولار من لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية " إيباك " ... ومرة ثانية يبرز السؤال... إذا كانت مرشحة ايباك انفقت ٥٠ مليون دولار ضد عبدول، فكم أنفق عبدول للفوز علي مرشحة إيباك القوية، وإذا عرفنا ان عبدول طبيب شاب وليس من أصحاب الثروات فلنا أن نتساءل كم أنفقت الجهات التي تساند عبدول، ولماذا أنفقت عليه تلك المبالغ، وما مطالبها منه ؟!!
٣ - أن هناك شواهد لا تخطئها العين أن عبد الرحمن السيد - عبدول - يتحرك في الأفق الذي يجمع الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة.. ومن هذه الشواهد أن عبدول وقع أواخر عام ٢٠١٢ علي عريضة قدمها الإخوان المسلمين في أمريكا لدعم الإعلان الدستوري الذي أعلنه محمد مرسي وقتها، وحاز علي رفض كل طوائف الشعب المصري باستثناء تيارات الإسلام السياسي... وقد حوت تلك العريضة علي دعوة للإخوان المسلمين الحاكمين لمصر وقتها الي تطهير الإعلام والشرطة المصرية... ومن بين الشواهد مقال له في صحيفة هافنجتون بوست عام ٢٠١١ يتضمن تطمينات للغرب أن مصر ليست إيران، وأن وصول الإخوان المسلمين المتوقع للحكم في مصر لن يحولها الي نظام ولاية الفقيه... ومن بين الشواهد علاقة عبد الرحمن السيد - أو عبدول كما يكتب هو أسمه علي وسائل التواصل الاجتماعي - بمجلس العلاقات الأمريكية الاسلامية - كير CAIR - وهو موطن النفوذ الأهم للإخوان المسلمين في أمريكا... ومن بين الشواهد ما ذكرته أصوات إعلامية في أمريكا أن والد زوجته شغل مناصب قيادية في منظمات تابعة للإخوان المسلمين في الولايات المتحدة !!
وسياسة الحزبين الأمريكيين الكبيرين الخارجية متقاربة، مع بعض الاختلافات البسيطة في الأسلوب وليس في الجوهر... ولكن الحزب الديموقراطي في أمريكا هو الأكثر تبنيا لفكرة استخدام أدوات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وهو أيضا الذي يتبني فكرة استخدام اليساريين - أو من يقولون عن أنفسهم ذلك - في الشرق الأوسط وغيره من مناطق العالم...
٤ - ذكرت بعض الآراء أن عبد الرحمن السيد ينتمي إلى الجناح اليساري في الحزب الديموقراطي... وهو غير صحيح، فعبد الرحمن السيد ينتمي إلى الإطار الذي يجمع الإخوان المسلمين في أمريكا... وليس لليسار الأمريكي... ولكن هي فرصة لشرح معني اليسار في أمريكا... اليسار الأمريكي لا يمت بأية صله لليسار القديم الذي نشأ في أوربا متأثرا بأفكار كارل ماركس وفريدريك أنجلز، وفلاديمير لينين بعدهما... بل هو يسار بأراء ونكهة العولمة الأمريكية، ومصنوع تحت عين وبيد المخابرات الأمريكية، ولا يحمل من اليسار القديم إلا الاسم...وبدلا من الاهتمام بطبقة البروليتاريا ونقد الرأسمالية وتوسعها العالمي، ومناهضة الاستعمار والامبريالية، ودعم كفاح الشعوب... يهتم يسار العولمة الأمريكية بقضايا مثل شئون المرأة - الإجهاض وعمل المرأة - وقضايا البيئة وتغير المناخ، وقضايا الجنس، وخاصة شئون المثليين جنسيا، وقضايا الرعاية الصحية، وقضايا الهجرة، وقضايا الأقليات... الخ..
وهناك من يري أن الولايات المتحدة دولة كبيرة، وفيها أطراف لها مصالح متباينة... نعم هي دولة رأسمالية صرف، ولكن التنافس بين أجنحة الرأسمالية فيها هو ما يعطي شئ من النشاط علي السياسة، وشئ من الحيوية في المجتمع.. وهي في النهاية - بغض النظر عن أي شئ - علامة علي الديموقراطية... وربما أن ذلك - من تلك الزاوية - صحيحا، ولكن يبقي برغم ذلك عدة اعتبارات مهمة : فليس هناك إذن حرية اختيار حقيقية أمام الشعب، فهو يختار بين حزبين كلاهما يمثل طبقة واحدة، حتي لو اختلفت أجنحتها، فهو - في النهاية - اختيار بين أحمد والحاج أحمد... وربما - للغرابة - تشبه الديموقراطية الأمريكية الديموقراطية الايرانية من بعض الزوايا... فهناك مرشد أعلي يتحكم في مؤسسات التقدم للمناصب العامة - البرلمان ورئاسة الدولة والجيش والحكومة - وبعد أن يطمئن أن كل المرشحين رجاله، أو رجال نظامه، فلا ضير ولا خوف بعدئذ من إجراء مباراة ديموقراطية نزيهة بينهم... والدولة الأمريكية العميقة متحالفة مع رأس المال الأمريكي الكبير هي المرشد الأعلى هنا... الذي يسيطر علي مؤسسات التقدم للمناصب العامة - الحزبين الكبيرين في أمريكا - وبعد الفلترة بالاستبعاد لمن ليس علي هوي المؤسسة الحاكمة تجري انتخابات نزيهة بين أشخاص لا خوف من أي منهم....
هذا هو جوهر الديموقراطية كما تمارس في أمريكا... والذي يحجبه مظهرها اللامع عن أعين الكثيرين... وهذا هو جوهر الديموقراطية الأمريكية بعيدا عن الألوان الزاهية... والأصوات الصاخبة... وأدوات التجميل والمكياج....
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تعديل الدستور المصري !!
-
رحلة إلى الإسكندرية...
-
مظاهرات تونس... والرئيس المدني المنتخب !!
-
من فعلها... ولماذا ؟!
-
نجيب ساويرس... ونمط من الرأسمالية !!
-
الأوكتاجون... والعاصمة الادارية الجديدة... والسبب الحقيقي لب
...
-
30 يونيو 2013... ضربة البداية.. وصافرة النهاية !!
-
يوميات قاهرية...
-
الكرنك...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(4) كيف ولماذا تنهار الإمبراطوريات
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(3) كيف تتصرف دول العالم إزاء الامب
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكي
...
-
داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا
...
-
كده برضه يا قمر...
-
مصر.... وليست تركيا !!
-
هل الوطنية والقومية فاشية ؟!!
-
هل أمريكا تريد تغيير النظام في إيران أم تريد تغيير سلوكه ؟
-
كلام فارغ...
-
العسكريين والمدنيين في أمريكا...
المزيد.....
-
دخلت حيز التنفيذ.. ما مكاسب اتفاقية التجارة الجديدة بين الأر
...
-
أول تعليق إيراني على توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعود
...
-
تايوان تختبر جاهزية الطوارئ عبر مناورة إنذار جوي
-
خبراء: تحالف باكستان مع السعودية وتركيا فرصة جيدة محفوفة بال
...
-
رغم الهدوء الحذر بعد وقف الضربات.. تراجع حركة الملاحة عبر مض
...
-
اتفاق دفاع مشترك بين السعودية وتركيا وباكستان: -تحالف ضد إير
...
-
مجلس الشيوخ الأرجنتيني يقر قانون الملكية الخاصة المثير للجدل
...
-
فرصة نادرة للعلماء.. الإقامة في قاع المحيط مقابل مشروع بحثي
...
-
واشنطن بوست: مخاوف دفاعية تدفع دولا أوروبية لرفض تزويد كييف
...
-
قنابل -فاب-500- الروسية تستهدف نقاط التحكم بالمسيرات الأوكرا
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|