|
|
حدث في مثل هذا اليوم...
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 00:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حاولت الولايات المتحدة وبريطانيا تغيير شاه ايران بنظام يقوده المتعصبين من رجال الدين الشيعة منذ عام ١٩٧٥ ... ولكن الخطوات التنفيذية لذلك المسعي لم تظهر إلا بدايات عام ١٩٧٨ ... كان شاه ايران - وهو حليف للولايات المتحدة - قد بدء مؤخرا في صنع متاعب لها ولحلفائها، وخاصة في ملف البترول وأسعاره، وقد كان محمد رضا بهلوي هو القوة الدافعة وراء مسعي أوبك المتكرر لزيادة الأسعار... عام ١٩٧٠ ثم عام ١٩٧١ ثم عام ١٩٧٥ ... وذلك بعد الزيادة الكبيرة بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ ... وكان شاه ايران قد ألغي اتفاقه مع الكونسورتيوم الغربي الذي يستحوذ علي البترول الايراني في يناير ١٩٧٣ وبموجب الاتفاق الجديد الذي عقد في يوليو ١٩٧٣ أصبحت شركة النفط الوطنية الإيرانية هي المالكة والمشغلة والمديرة للمنطقة النفطية ولمناطق البترول الإيراني، بينما تحولت شركات الكونسورتيوم الي مجرد مشتري طويل الأجل للبترول الايراني.... وهو ما أغضب الولايات المتحدة وبريطانيا بشدة علي شاه ايران... واتخذتا قرارا بتغيير نظام الحكم في إيران.... ولمدة سنتين - من عام ١٩٧٥ الي ١٩٧٧ - كان يجري تهيئة التربة الإيرانية لزرع بذور الغضب والتمرد لدي مكونات الشعب الإيراني كافة. وكان لكل طائفة سياسة خاصة بها، وخطاب اعلامي يتوجه لها بالذات، محاولا التأثير عليها ودفعها للثورة.. فالخطاب الدعائي الموجه لفلاحين إيران يختلف عن الخطاب الدعائي الموجه لعمال إيران... والخطاب المعد لطلاب الجامعات في إيران يختلف عن الخطاب المعد لأصحاب رؤوس الأموال... وكذلك كانت الدعاية الموجهه لرجال الدين والمتدينين من الشعب الإيراني تختلف عن الدعاية الموجهه الي العلمانيين الايرانيين... كان الخطاب الموجه للرجل الأمي يختلف عن الخطاب الموجه لطبقة المثقفين...
وبعد أن استكمل الجزء الدعائي وقته بدء العمل الفعلي علي الأرض... مظاهرات من طلاب الجامعات... اضرابات من تجار البازار... سخط وسط بيئة الأعمال والاقتصاد... دعاية مكثفة من رجال الدين ضد الشاه في الحوزات الدينية وعلي منابر المساجد.. وفوق كل ذلك أشرطة الكاسيت للإمام الخوميني الموجود خارج إيران، والتي كانت المخابرات البريطانية علي وجه الخصوص والمخابرات الأمريكية بعدها تقوم بتسريبها بمئات الألاف الي داخل إيران، بعيدا عن رقابة جهاز المخابرات الإيراني القوي.. لتجد طريقها بعد ذلك إلي كل قري وأرياف ومدن إيران...
ولكن كل ذلك لم يؤد الي خلخلة نظام الشاه القوي... خصوصا وان المظاهرات والاضطرابات والاعتصامات والدعاية السوداء أصابها الإجهاد مع التكرار... وهنا كان لابد من حادث قوي... مؤثر... مصبوغ بالدم... ليعيد تحفيز الشعب الإيراني وشحنه بالثورة... وهو ما حدث في مثل هذا اليوم... ١٩ أغسطس ١٩٧٨ ... وهو حادث سينما ركس في عبادان... حيث تم حرق السينما على روادها البالغ عددهم ستّمائة شخص، وأعلن معارضو النظام عن ضلوع جهاز المخابرات الإيرانية في الحادث بهدف قتل بعض المجاهدين الموجودين في السينما !!!! وصدق الكذبة المفضوحة كثيرون في إيران... وقال معارضو الشاه أن ملابسات الحادث تؤكد ضلوع الحكومة نفسها في هذا الأمر، حيث أكد شهود العيان أن أبواب السينما كانت مغلقة من الخارج بعد اشتعال النيران، وأن المواد المشتعلة كانت موزعة بإتقان، كما أن سيارات الإطفاء قد تأخرت عن الوصول بعد الإبلاغ عن الحادث بساعتين، وتباطأ قسم الشرطة – الذي يقع على بعد ثلاثمائة ياردة من مكان الحادث – في إرسال المحققين... ولم يتوقف أحد ويسأل: كيف يقوم الشاه واجهزته بفعل دموي يؤدي الي ثورة الناس ضده بعد أن هدأت الامور ؟! ثم كيف يذهب من يقولون عن أنفسهم أنهم مجاهدون الي السينمات ؟! أليست المساجد هي مكان المجاهدين الطبيعي وليس السينمات؟! أليست السينما في نظرهم دار لهو ؟! بينما وجهت الحكومة أصابع الاتهام إلى ما أسمتهم بالإسلاميين المتعصبين... وبعد الحادث، تهيأ المجال أكثر من ذي قبل للثورة، ولم يجد الشاه حلاً للأزمة سوى إقالته لحكومة أموزكار وتعيين جعفر شريف إمامي رئيساً للوزراء... وهو ما فشل في تهدئة الشعب الإيراني.... وأغلب الظن أن من فعل حادث سينما ركس ورتب لها لم يكن الشاه وأجهزته - وإلا يكون كمن يحاول أن يقتل نفسه - ولا حتي المجاهدين الذين ذهبوا الي السينما !! اغلب الظن أن جهازا خارجيا تابعا لدولة أو دول كبري لها مصالحها في ازاحة محمد رضا بهلوي والاتيان بالخوميني حاكما لإيران !!! من المؤكد أن ذلك الجهاز التابع لدولة خارجية له رجاله في إيران.. وهم من قاموا بفعلها....
وللتذكرة فقد حدث شئ مشابه جدا عندنا في مصر لما حدث في سينما ركس في مدينة عبادان في ايران... وهو حادث استاد بورسعيد الذي وقع يوم ١ فبراير ٢٠١٢ عقب مباراة كرة قدم في الدوري المصري بين النادي المصري البورسعيدي والنادي الأهلي في استاد بورسعيد.. كان جمهور الأهلي محاصرًا في المدرجات، وحدثت حالات تدافع واختناق وسقوط من المدرجات واعتداءات بالأسلحة البيضاء. وأسفر الحادث عن وفاة ٧٢ من مشجعي الأهلي، وإصابة مئات آخرين... وقالت محكمة جنايات بورسعيد أن مجموعة من المتهمين من جماهير المصري خططوا للاعتداء على جماهير الأهلي، وأشارت في حيثياتها إلى إعداد أسلحة بيضاء وأدوات للاعتداء، وإلى توزيع مجموعات داخل الاستاد بهدف محاصرة جمهور الأهلي.. واستغل الحادث بأكبر وسائل الدعاية للقول ان الجيش المصري هو من قتل مشجعي النادي الأهلي... ولكن كيف ولماذا يقتل الجيش مشجعي مباراة كرة قدم ؟! لم يجب أحد... وكان الهدف الأول واضحا من اللحظة الاولي، وهو صنع حالة عداء بين الجيش ومجموعات شديدة التعصب من جماهير كرة القدم، وهم روابط الأولتراس وجرهم الي ساحات التظاهر والشغب للانتقام لمقتل أصدقائهم وزملائهم... وكان الهدف - ثانيا - هو صنع حالة جفاء بين الجيش وجماهير أكبر نادي رياضي في مصر...
كانت انتخابات الرئاسة علي الأبواب.. وكان مطلوبا تشويه الجيش - وهو أخر مؤسسة مازلت تحتفظ بقوتها وتماسكها في مصر - في نظر المصريين، تمهيدا لصنع فراغ تستطيع جماعات وتنظيمات شتي ملئه... الغريب انه في حالة مصر سبقت حادثة استاد بورسعيد حادثة أخري لا تقل غرابة... وهي حادثة ماسبيرو ... حيث كان الهدف صنع حالة من العداء بين الجيش المصري وبين مسيحيي مصر... وهي كتلة كبيرة يفترض بصورة طبيعية تأييدها للجيش...
كان الهدف في الحالتين واحدا... حادث سينما عبادان في إيران.. وحادث استاد بورسعيد في مصر... وكان الطرف الحقيقي وراء الحادث في الغالب واحدا... جهاز مخابرات خارجي له مصلحة قوية في خلخلة مجتمعات معينة... ولم يكن المقصود رئيسا أو ملكا أو شخصا بالذات... الشاه محمد رضا بهلوي في حالة إيران... والمشير محمد حسين طنطاوي في مصر... بل كان المقصود أكبر من ذلك... كان المقصود " دولة " يراد رسم حياتها ومستقبلها كما يريده لها الآخرون... وطبقا لمصالحهم هم وليس لمصالحها هي...
وكان - أخيرا - المستفيد واحدا في الحالتين.. وهم تيارات الإسلام السياسي بنوعيها.. الشيعي والسني... الخوميني ومن معه من أنصار نظرية ولايه الفقيه في ايران... وتنظيم الإخوان المسلمين في مصر... وكلاهما - الخوميني والاخوان - تولي السلطة بعد تلك الحوادث البشعة... ولكن كان من حسن حظ الشعب المصري أن استطاع التخلص من تنظيم الإخوان المسلمين بعد سنة واحدة من حكمهم... وكان من سوء حظ الشعب الإيراني أنه لم يتمكن - بعد ٤٧ عاما - من زحزحة ملالي إيران - وملة أي شيخ - من السلطة حتي اليوم... ومازال الطرف الخارجي يمارس أفعاله تلك حتي اليوم.. والي الغد.. وما بعده.. وهو طرف خارجي مجهول... ولكنه شبه معلوم... وهو - مثلا - الذي نظم ضرب السفن الراسية في ميناء دمياط من أسبوعين... وغرضه دخول مصر الحرب في الخليج.. وهو نفس الطرف الذي اغتال اللواء فوزي المنصوري مدير المخابرات العسكرية في شرق ليبيا منذ أيام.. وفي نفس الوقت الذي ضرب فيه مصافي البترول ومحطات الكهرباء في غرب ليبيا، لتشتعل ليبيا من جديد بعد هدوء، ولتتوقف مساعي توحيد ليبيا تحت قيادة واحدة، والتي تقودها مصر، وتحاول فيها جمع عبد الحميد الدبيبة حاكم غرب ليبيا مع صدام حفتر الحاكم الفعلي لشرق ليبيا.... طرف يدبر الحروب في الخفاء... ويغذي الانقسامات... ويصنع الفتن... وهو طرف يستغل مقدرات الدول كما يشاء... ويتلاعب بمصائر الشعوب حسب هواه....
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أحمد الشرع وإسرائيل... وفصل جديد من مسرح اللامعقول !!
-
عبدول...
-
تعديل الدستور المصري !!
-
رحلة إلى الإسكندرية...
-
مظاهرات تونس... والرئيس المدني المنتخب !!
-
من فعلها... ولماذا ؟!
-
نجيب ساويرس... ونمط من الرأسمالية !!
-
الأوكتاجون... والعاصمة الادارية الجديدة... والسبب الحقيقي لب
...
-
30 يونيو 2013... ضربة البداية.. وصافرة النهاية !!
-
يوميات قاهرية...
-
الكرنك...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(4) كيف ولماذا تنهار الإمبراطوريات
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(3) كيف تتصرف دول العالم إزاء الامب
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكي
...
-
داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا
...
-
كده برضه يا قمر...
-
مصر.... وليست تركيا !!
-
هل الوطنية والقومية فاشية ؟!!
-
هل أمريكا تريد تغيير النظام في إيران أم تريد تغيير سلوكه ؟
المزيد.....
-
فيصل بن فرحان يؤكد ضرورة خلو مضيقي هرمز وباب المندب من أي ته
...
-
تحقيقات بتورط مكتب زيلينسكي بالفساد
-
طهران: لن نفرط في مضيق هرمز
-
عُمان بين فكي واشنطن وطهران.. معركة النفوذ حول هرمز تستعر
-
وزير الخارجية القطري يبحث مع نظيره السعودي المستجدات الإقليم
...
-
سويسرا توسع نطاق العقوبات المفروضة على روسيا
-
فرنسا: تصريحات بن غفير عن غزة غير إنسانية
-
فيديوهات مرعبة لأم مع طفليها.. أشعلت النار وسكبت الشمع الساخ
...
-
معرض أمريكي يتحول إلى حلبة مصارعة جماعية (فيديوهات)
-
مشاهد صادمة.. الشرطة الأمريكية تقتحم مقطورة لإنقاذ طفلتين بع
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|