|
|
لماذا لم يلجأ الرئيس السيسي الي الأحزاب ؟!
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 09:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في ترتيبه لمستقبل البلاد، وإعطاء مصر والمصريين نخبة مدربة ومتميزة لكي يختار المصريون من بينها من يرونه كفئا لإدارة البلاد لمدة محددة طبقا للدستور اعتمد الرئيس عبد الفتاح السيسي علي الأكاديمية العسكرية وليس علي الأحزاب السياسية في تحقيق ما فكر فيه وأراده...
مع أنه من المفروض أن الأحزاب السياسية هي الحاضنة الطبيعية للكفاءات السياسية، فهي مكان التنشئة والتطور واكتساب مهارات السياسة بحكم طبائع الأمور... فلماذا لم يلجأ الرئيس الي الطبيعي ولجأ الي وسيلة جديدة ؟! ولذلك في رأيي لمجموعة من الأسباب.. يمكن تلخيصها في الآتي:
١ - أن الأحزاب المصرية كفت منذ زمن طويل عن القيام بدور الحاضنة للكفاءات السياسية، أو باعتبارها مكان التنشئة واكتساب المهارات السياسية، ونظرة سريعة علي أوضاع الأحزاب السياسية تدل على انها تحولت الي تجمع لأصدقاء أو معارف، أو تجمع لبعض المتقاعدين، تجمعهم روح الموظفين أكثر من روح السياسة ونشاطها الصاخب..
٢ - أن جزء من أسباب الحكم السابق علي الأحزاب السياسية ليس من صنع يديها، فهي بحق مظلومة في جزء مما وصلت إليه أحوالها، فلم تعط الأحزاب الفرصة للحكم، ولم تساعد هي نفسها لكي تكون جديرة بالحكم في نظر قطاعات كبيرة من الشعب... ولهذا أسباب عميقة الجذور...
٣ - أن الأفكار الكبيرة التي تقوم عليها الأحزاب القوية مضي زمانها، وتحولت الأحزاب مع الزمن الي الاشخاص بدلا من الأفكار، الأشخاص الذين يتمتعون بالمهارات او بما يسمي بالكاريزما أو الجاذبية الشخصية... ولكن مع غياب الأثنين تحدث المشكلة... ففي غيبة الشخصيات القوية - مع غيبة الأفكار الكبيرة - تبهت الاحزاب ويتلاشي تأثيرها...
فقد انتهي زمن أحزاب الاستقلال في أغلب بلدان العالم الثالث، كحزب الوفد في مصر وحزب المؤتمر في الهند والحزب الدستوري في تونس وغيرهم، وفقدت تلك الاحزاب بريقها القديم مع انتهاء القضايا التي كانت مبرر قيامها، وتراجعت جدا الأحزاب الشيوعية، التي رفعت مبدأ المساواة الكاملة بين البشر ونهاية عصر رأس المال ومجئ عصر الطبقة العاملة... وتراجعت معها الأحزاب الاشتراكية - حاملة لواء العدل الاجتماعي وازالة الفوارق بين الطبقات - مع انهيار الاشتراكية في اغلب البلدان التي طبقتها... واصبح شاغل الأحزاب الكبري - حتي في الغرب المتقدم - اليومي والمعاش من شئون الناس وقضاياهم الحياتية المباشرة... فقد انتهى زمن القضايا الكبيرة، وانتهي معه زمان الشخصيات العظيمة، وهو ما أدي إلي تراجع الاهتمام بالسياسة، وتراجعت معه نسب التصويت في الانتخابات بصورة كبيرة...
٤ - لست من أنصار الرأي الذي يقول ان الاحزاب عانت وتعاني من القمع والتضييق عليها من جانب السلطة، وأن ذلك هو سبب ضعفها، فنحن نعيش من ثلاث عقود في عصر الفضائيات العابرة للحدود، والتي لا سيطرة للدولة علي ما يقال فيها، ونعيش في عصر الانفجار المعرفي وعدم قدرة اي سلطة علي التلاعب بعقول شعبها، ونعيش عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي اعطت لكل من هب ودب وسيلة للكلام والتأثير... ان تأثير فرد موهوب علي وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أصبح يفوق تأثير أحزاب عريقة... فأين هو التضييق... وأين هو القمع ؟!
٥ - أن أحزاب المعارضة في مصر اصبحت نوادي لنقد الحكومة والدولة والرئيس، وبرغم أن ذلك حقها، وطبيعة دورها، إلا انه جزء بسيط من عمل الأحزاب الحديثة، والمشكلة ان ما كان من المفروض ان يصبح الجزء الهين والبسيط من عمل الأحزاب تحول الي الجزء الرئيسي - وربما الوحيد - في عملها، ونسيت الاحزاب دورها كتجمع لتجديد النخب السياسية والاقتصادية والفكرية للبلاد، ونسيت دورها كساحات لبلورة الأفكار السياسية المجنحة وانزالها الي ارض الواقع وتحويلها الي إجراءات وسياسات من لحم ودم.. ونسيت دورها في جمع وحشد المؤمنين بفكرة أو الملحتقين وراء مصالح - وليس في ذلك عيب - لتنفيذ تلك الفكرة أو الدفاع عن هذه المصالح...
٦ - ربما يعود السبب الرئيسي للضغف الشديد للأحزاب المصرية الي انها - ببساطة - لا تعبر عن أحد... واقصد أنها لا تعبر عن فئة اجتماعية معينة، فقد عرف العالم احزاب تعبر عن الرأسماليين ورجال الاعمال، وعرف احزابا أخري تعبر عن مصالح العمال أو الطبقة العاملة، واحزابا ثالثة تعبر عن الطبقة الوسطي... ولا يستطيع حزب في مصر أن يقول أنه يمثل مصالح الطبقة الرأسمالية أو مصالح رجال الاعمال.. مع أن ذلك طبيعي ومفهوم . ولا يستطيع حزب في مصر أن يقول انه يعبر عن مصالح الطبقة العاملة المصرية.. ولا حتي الاحزاب الاشتراكية أو الأحزاب الماركسية.. كالحزب الشيوعي المصري أو الاشتراكيين الثوريين.. ولا يستطيع حزب في مصر أن يدعي أنه يمثل مصالح الطبقة الوسطي في مصر.. الحرفيين ومتوسطي رجال الأعمال واصحاب المهن والمثقفين.... وازيد من ذلك أن تعريف الطبقة العاملة والطبقة الوسطي يحتاج الي نقاش واسع في مصر.. وهذا غير عشرات الملايين من العمالة غير الرسمية، أو ما يسمي باقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الرسمي، الذين لم يدرس أحوالهم أحد، ولم يعبر عنهم - سياسيا - حزب من الاحزاب... أن الأحزاب بطبيعة تكوينها هي تعبير سياسي عن فئات اجتماعية، تتنافس فيما بينها سلميا لحيازة السلطة والتصرف - في ضوء الفسحة الزمنية الممنوحة لها - بما يحقق للفئات والطبقات التي أوصلتها الي الحكم مصالحها..
٧ - أن ذلك يختلف جدا عن فكرة الأحزاب الدينية التي عرفتها مصر في العقد السابق.. وأساس وجود الأحزاب الدينية يضرب فكرة الديموقراطية من أساسها... فالديموقراطية أساسها المساواة... والاحزاب الدينية تنادي بعلو دين علي أديان أخري.. والديموقراطية أساسها تساوي المراكز القانونية للمتنافسين علي السلطة، والاحزاب الدينية تري السلطة حقا طبيعيا لها بحكم انها - كما تقول - من ستطبق رسالة السماء إلي الأرض. والديموقراطية أساسها نسبية الامور، وبالتالي من الممكن فشل سياسة معينة بحكم انها بشرية الطابع والاحزاب الدينية لا تري انها فشلت ولو ادي عملها الي كوارث، فهي تري ان رسالتها ربانية وليست بشرية، وبالتالي فمن المستحيل ان تعترف بخطأ... ولنا في حركة حماس - وهي حزب الاخوان المسلمين في فلسطين - دليل حديث، فبرغم كل ما أدي إليه عمل حماس من رجوع قضية فلسطين عقودا الي الوراء لم يعترف حزب الاخوان المسلمين في فلسطين بخطأ واحد ارتكبه !!!
٨ - ان جزء مهما من أسباب تراجع دور الاحزاب في مصر هو فهمها لمعني وجود الحزب السياسي وطبيعته.. أو بمعني أدق عدم فهمها لذلك... أغلب الأحزاب في مصر - ومعها للأسف جزء كبير من الشعب - تفهم الحزب السياسي بأنه حزب الخدمات !! اي الحزب الذي يقدم الخدمات لأنصاره أو للمصوتين المحتملين له، فهو يقيم معارض السلع، وينشأ شوادر يبيع فيها الخضر والفاكهة واللحوم بأسعار أقل من سعر السوق، وينظم أحيانا رحلات الحج والعمرة، ويتدخل اعضاءه أحيانا لتقديم خدمات شخصية لأنصارهم... كنقل الأبناء من مدرسة لأخري، أو البحث عن عمل لزوجة أحد الأنصار أو لأخته أو لواحد من أقاربه... ولا تعرف الأحزاب في الدول الكبري مثل تلك الأمور، ربما تعرف مثلها بعض الاحزاب في دول العالم الثالث، ولكن تأتي دائما علي هامش عملها، وليس اعتباره هو الجزء الرئيسي من عملها... أن الدور الرئيسي للأحزاب السياسية هو كونها المعبر والممثل لمصالح الفئات والطبقات الاجتماعية في بلد ما، ويكون التنافس بين الأحزاب في الوصول إلى السلطة هو في حقيقته تنافس بين الفئات والطبقات الاجتماعية، التي تعد الأحزاب السياسية طليعتها...
٩ - نأتي اخيرا لنقطة شائكة.. ولا يتكلم فيها وعنها أحد.. وهي قضية تمويل الأحزاب السياسية ومرشحيها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية... وهي قضية في منتهي الخطورة، وبسببها تلجأ الأحزاب الي جلب الأموال بطرق غير بريئة، مثل ترتيب المرشحين علي قوائمها للبرلمان طبقا لقدراتهم المالية، بغض النظر عن كفاءتهم أو مقدار علمهم وخبرتهم، وتتحق الكارثة عندما يتدخل المال الأجنبي لشراء ولاء الأحزاب السياسية ومرشحيها للبرلمان وحتي المرشحين لإنتخابات الرئاسة، وهي قضية شديدة الخطورة تحول الديموقراطية الي عبث، وتضع الدول ومستقبلها في مهب الريح... وقصص شراء الولايات المتحدة ولاء نواب البرلمانات ومرشحي الرئاسة حول العالم تملأ مجلدات....
لكل ذلك لم يفكر أحد - ومنهم الرئيس السيسي - في الاحزاب المصرية لترتيب مستقبل البلاد... مع انها - نظريا - هي بيوت الخبرة، وهي جامعة الكفاءات السياسية في البلاد... أو هكذا يجب أن يكون...
ترك عبد الفتاح السيسي كل ذلك وراءه، فليس بإمكانه الانتظار حتي تنضج الفئات والطبقات الاجتماعية في مصر وتصنع احزابها الحقيقية المعبرة عنها، وليس بمقدوره - حتي وهو رئيس الجمهورية - أن يساعدها في ذلك، فتلك الأمور لا تصنع بقرار، بل تجئ بصورة طبيعية مع مجري التطور العام في البلاد.. وليس بمقدوره ان يصنع شيئا للأحزاب القائمة الآن.. وهي في احسن احوالها مجرد أحزاب أفراد وأشخاص... لا يأخذها أحد مأخذ الجد.. وليس في امكانه ان يقنع الأحزاب الدينية ان وجودها في حد ذاته يناقض فكرة الديموقراطية كما عرفها ويعرفها ويمارسها العالم من حولنا... لذا ذهب الي هدفه مباشرة... محاولة خلق وتكوين نخبة جديدة .. وطنية وكفؤة ومخلصة.. تستطيع حمل البلد في ظروف شديدة الخطورة...
ولا أعرف هل سينجح في ذلك أم لا.. ومن كل قلبي اتمنى له ولمصر معه النجاح...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رئيس جديد لمصر بعد ثلاث سنوات....
-
حدث في مثل هذا اليوم...
-
أحمد الشرع وإسرائيل... وفصل جديد من مسرح اللامعقول !!
-
عبدول...
-
تعديل الدستور المصري !!
-
رحلة إلى الإسكندرية...
-
مظاهرات تونس... والرئيس المدني المنتخب !!
-
من فعلها... ولماذا ؟!
-
نجيب ساويرس... ونمط من الرأسمالية !!
-
الأوكتاجون... والعاصمة الادارية الجديدة... والسبب الحقيقي لب
...
-
30 يونيو 2013... ضربة البداية.. وصافرة النهاية !!
-
يوميات قاهرية...
-
الكرنك...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(4) كيف ولماذا تنهار الإمبراطوريات
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(3) كيف تتصرف دول العالم إزاء الامب
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكي
...
-
داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا
...
-
كده برضه يا قمر...
-
مصر.... وليست تركيا !!
المزيد.....
-
تحليل: مؤشرات التجديد النصفي تبشّر الديمقراطيين.. لكن الحديث
...
-
بعد ضربات في الجنوب.. سوريا تعلن إغلاق المعبر الحدودي مع الأ
...
-
فيديو انتخابي لنتنياهو: -ترامب يريد فوزي.. وأعداء إسرائيل ير
...
-
السبت الأسود: يوم وقفت البشرية على حافة الهاوية النووية
-
الدفاع الروسية: توجيه ضربات ليلية للبنية التحتية في كييف وخا
...
-
افتتاح مراكز الاقتراع في جميع أنحاء إسرائيل
-
كيف يمكن أن تُهزم كييف ولا تنتصر روسيا؟
-
خبير عسكري يتحدّث عن الأضرار التي لحقت بالجيش الأوكراني من ق
...
-
ابن عم نتنياهو يتخلى عنه.. -لن أصوت لليكود-
-
أربعة قتلى وعدد من المصابين إثر عاصفة قوية تضرب أنطاليا التر
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|