الطاهر كردلاس
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 00:37
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
قصة "الكوجيتو: حين يحاكم العقلُ ظِلَّه"
بقلم: الطاهر كردلاس — أكادير المغرب
في البدء، لم يكن ثمة يقين؛ كانت هناك غرفة مغلقة، ونافذة تطل على عالم مشكوك في وجوده، ورجل يحاول أن يتعرّف إلى نفسه في مرآة لا تكفّ عن تغيير ملامحها. كلما مدّ يده نحو حقيقة، انزلقت من بين أصابعه، وكلما ظن أنه أمسك بالخيط الذي يقوده إلى العالم، اكتشف أن الخيط نفسه جزء من المتاهة. هناك، عند تخوم الانهيار المعرفي، حين تواطأت الأشياء على إخفاء وجوهها، وبدت الحواس شهودًا قابلين للارتشاء، شرع "رينيه ديكارت" في استجواب الوجود، قبل أن يكتشف، على نحو يكاد يشبه مفارقات" كافكا"، أنه صار هو نفسه المتهم والشاهد والقاضي في محكمة لا يُعرف من أنشأها، ولا بأي قانون تُصدر أحكامها.
لم يكن الشك، في مشروع" ديكارت" نزوة عقل يائس، ولا لذة هدم يتغذى على أنقاض المعنى؛ كان مشرطًا يُعمله الفكر في جسد المعرفة، بحثًا عن موضع لا تطاله عدوى الوهم. فالعالم الذي ورثه الإنسان عن الأسلاف، وتلقّاه من الكتب والمؤسسات والحواس، لم يعد قادرًا على تقديم شهادة نهائية عن نفسه. كانت الأرض تتحرك تحت أقدام اليقين، والسماء التي اعتقد العقل طويلًا أنه يعرف نظامها بدأت تكشف عن قوانين لا تستأذن الموروث. وفي هذا الاضطراب، لم يعد السؤال: أيُّ الأشياء حقيقة؟ بل: من الذي يمنح الأشياء صفة الحقيقة؟ وأيُّ محكمة داخلية تستطيع أن تفصل بين ما نعرفه وما دُرّبنا على الاعتقاد بأننا نعرفه؟
أغلق "ديكارت" أبواب التصديق واحدًا بعد آخر. وضع الحواس تحت المراقبة، واستدعى الحلم شاهدًا على هشاشة الحدود بين اليقظة والوهم، ثم أطلق في متاهته فرضية المخادع الماكر، ذلك الكائن الافتراضي الذي يستطيع أن ينسج من الخداع عالمًا كاملًا، حتى تصبح البداهة نفسها قناعًا تتخفى خلفه المغالطة. لم يكن المخادع شخصًا يسكن مكانًا معلومًا؛ كان احتمالًا فلسفيًا يتسلل إلى كل يقين، كأن السلطة التي تنتج الحقيقة قد زرعت في عقل الإنسان جهازًا خفيًا يجعل الوهم يبدو معرفة، والخضوع يبدو اقتناعًا، والتكرار يبدو برهانًا.
لكن الشك، وهو يمد سلطانه على الأشياء، اصطدم بباب لم يستطع فتحه أو إغلاقه. كان يستطيع أن يشك في العالم، لكنه لا يستطيع أن "يشك في أنه يشك" دون أن يعيد إنتاج فعل الشك نفسه. كان يستطيع أن يفترض أن كل شيء كذب، لكنه لم يكن قادرًا على محو اللحظة التي يتكشف فيها هذا الكذب المفترض داخل وعيه. هكذا انقلب السجّان على سجنه، وارتدّ الاستجواب إلى صاحبه، وانكشف في قلب العتمة أثرٌ لا يستطيع الظلام ابتلاعه: ثمة تفكير يحدث، وما دام يحدث، فإن وجود "الذات المفكرة" لا يمكن نفيه في تلك اللحظة.
"أنا أفكر، إذن أنا موجود"
ليست العبارة مفتاحًا سحريًا يفتح جميع أبواب الوجود، ولا صكّ ملكية يمنح الذات حق التصرف في الحقيقة؛ إنها شرخ صغير في جدار العدم، يتسلل منه يقين أولي. لم يخرج ديكارت من متاهته حاملًا خريطة العالم، بل عثر على نقطة لا يستطيع التيه أن يمحوها: إنكار الذات، ما دامت تمارس التفكير، فعلٌ يعيد إثباتها. فالعدم لا يستطيع أن يوقّع شهادة غياب الذات بواسطة يدها المفكرة؛ وكل محاولة لمحوها تترك على الورقة أثرًا يدل عليها.
هنا تكمن المفارقة التي تمنح الكوجيتو قوته: الذات لا تثبت وجودها لأنها رأت صورتها في المرآة، بل لأن المرآة، حتى حين تتحطم، تترك فعل التحطم حاضرًا في الوعي. لا تحتاج، في هذه اللحظة، إلى شاهد من خارجها؛ فالشهادة كامنة في الفعل الذي يصدر عنها. غير أن هذا اليقين، على صلابته، يظل ضيق الحدود. إنه يثبت أن الذات موجودة وهي تفكر، لكنه لا يكشف وحده ماهية العالم، ولا يضمن أن الصور التي تسكن الوعي تقابل أشياء حقيقية خارجه، ولا يمنح الإنسان معرفة نهائية بنفسه. إن بابًا واحدًا فُتح، لكن الممرات التي خلفه لا تزال غارقة في الظلال.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا تستنفده العبارة: من تكون هذه الأنا التي وجدت نفسها في فعل التفكير؟ أهي جوهر شفاف يعرف ذاته كما تعرف العين الضوء؟ أم أنها اسمٌ مؤقت لكائن تتنازعه الرغبة والذاكرة واللغة والخوف، ويظن أنه يقف في مركز العالم بينما تتشكل ملامحه في أماكن لم يخترها؟ لقد جعل ديكارت الذات نقطة انطلاق لليقين، لكنه ترك للفلسفة اللاحقة مهمة التنقيب في الأقبية التي لا يبلغها الوعي، وفي القوى التي تجعل الأنا تقول «أنا» قبل أن تعرف ما الذي يتكلم من خلالها.
إذا كان "الكوجيتو" قد منح الذات لحظة استقلال عن سلطة الحواس والموروث، فإن تاريخ الفلسفة سيكشف أن هذه الذات ليست جزيرة معزولة عن قارات خفية. عند "كانط"، لا تقف الذات خارج التجربة لتتأملها من مكان مطلق؛ إنها تشارك في تنظيم ما يمكن أن يظهر لها. وعند "هيغل"، لا ينضج الوعي في عزلة مرآته، بل يدخل في صراع مع الآخر، ويكتشف أن اعترافه بنفسه يمر عبر اعتراف لا يملكه وحده. أما "نيتشه" فيزعزع صورة الذات بوصفها سيدًا شفافًا على أفعاله، كاشفًا ما يتخفى وراء ادعاءاتها من قوى ودوافع وتأويلات.
ثم يأتي :فوكو" ليغيّر موضع السؤال: ليس المهم فقط كيف تثبت الذات وجودها، بل كيف صارت ذاتًا قابلة للتعريف والتصنيف والمراقبة، وكيف تعلمت أن تتحدث عن نفسها باللغة التي صاغتها المؤسسات المحيطة بها. فالمستشفى والسجن والمدرسة والعيادة ليست، في تحليله، أبنية صامتة فحسب؛ إنها فضاءات تتشابك فيها المعرفة والسلطة، وتُنتج داخلها معايير الطبيعي والمنحرف، والعاقل والمختل، والمطيع والمتمرد. لا يعني ذلك أن يقين "الكوجيتو" يُمحى بهذه التحليلات، بل إن السؤال ينتقل من إثبات وجود الذات إلى مساءلة الشروط التي تصنع صورتها عن نفسها، والأنظمة التي تحدد ما يجوز لها أن تقوله عن حقيقتها.
هنا يغدو "الكوجيتو"، في قراءة فوكوية، أقل شبهًا بعرش تتربع عليه الذات، وأكثر شبهًا بباب يقود إلى غرفة التحقيق. فالذات التي نجحت في الإفلات من خداع الحواس قد تظل أسيرة تصنيفات لا تراها، وقد تتكلم بلسان سلطة تظن أنها تعارضها، وقد تدافع عن حريتها بالمفاهيم التي صاغت حدود حريتها. ليست السلطة دائمًا يدًا خشنة تمسك بالعنق؛ قد تكون نحوًا خفيًا يحدد ما يمكن التفكير فيه، ومعجمًا يرسم حدود الممكن، ونظامًا من الحقائق المقبولة يجعل بعض الأسئلة قابلة للقول، فيما يدفع أسئلة أخرى إلى الصمت.
وفي هذا المنعطف يطلّ "كافكا" من خلف باب لا يحمل رقمًا. إن إنسانه لا يعرف دائمًا التهمة الموجهة إليه، لكنه يعيش تحت ثقلها؛ يطلب تفسيرًا من مؤسسة لا تكف عن إحالة السؤال إلى جهة أخرى، ويبحث عن مخرج في ممرات تتضاعف كلما اقترب من نهايتها. وإذا كان ديكارت قد أدخل العقل إلى محكمة الشك كي ينقذه من أحكام الوهم، فإن عالم كافكا يكشف كيف يمكن للمحكمة أن تتحول إلى بنية للوجود، وكيف قد تصبح الذات محاصرة داخل إجراءات لا تعرف أصلها ولا نهايتها. هناك، لا يعود السؤال مقتصرًا على: هل أنا موجود؟ بل يمتد إلى: بأي لغة يُسمح لي أن أشرح وجودي؟ ومن يملك حق تعريفه؟ وهل أكون بريئًا لأنني أعرف نفسي، أم متهمًا لأنني لم أتعلم بعدُ لغة المحكمة؟
غير أن الكوجيتو لا ينتمي إلى كافكا، كما أن فوكو لم يكتب حاشية على ديكارت؛ إنما تلتقي هذه العوالم في فضاء السؤال عن الذات والحقيقة والسلطة. ديكارت يبحث عن يقين لا تستطيع الشكوك هدمه، وكافكا يصوّر ذاتًا تتآكل داخل نظام لا يمنحها يقينًا بشأن مصيرها، وفوكو يفحص المؤسسات والخطابات التي تنتج أنماطًا من الذوات وتمنح بعض الحقائق شرعيتها. وبينهم تتشكل مفارقة الإنسان الحديث: لقد أراد أن يكون سيد معرفته، فإذا به يكتشف أن السيادة نفسها تحتاج إلى مساءلة، وأن المرء قد يكون حرًا في التفكير، لكنه ليس حرًا بالضرورة من كل ما صاغ لغته وحدود تصوره عن العالم.
أما :أدونيس" في أفقه الشعري، فيمنح هذا الصراع ظلًا آخر: الذات ليست حجرًا مكتمل الشكل، بل عبورٌ دائم نحو ما لم يتسمَّ بعد. اللغة ليست وعاءً شفافًا للمعنى؛ إنها أيضًا حجابُه ومختبر تحوّله. وكلما ظن الفكر أنه استقر في تعريف نهائي، انشقّ التعريف عن هاوية جديدة. من هذه الزاوية، لا تبدو «الأنا» حقيقة مغلقة، بل سؤالًا يتجدد كلما حاول أن يضع لنفسه حدًّا. فأن أفكر لا يعني أنني امتلكت نفسي؛ قد يعني أنني بدأت أكتشف المسافة بين ما أعتقد أنني عليه، وما صرت إليه دون أن أشعر، وما لا يزال في داخلي غريبًا عني.
ولعل الكوجيتو، إذا انتزعناه من تمثاله المدرسي، لا يعلّمنا تمجيد العقل بقدر ما يعلّمنا الارتياب في ادعاءاته حين تتحول إلى سلطة. إنه لا يطالبنا بأن نشك في كل شيء إلى الأبد، بل بأن نميز بين الشك الذي يفتح المعرفة والشك الذي يحوّلها إلى عقم. فالعقل الذي يهدم كل جسر قبل العبور يظل واقفًا على الضفة، كما أن العقل الذي يعبر دون أن يفحص الجسر يظل معرضًا للسقوط. وبين العمى الذي يصنعه اليقين المغلق والشلل الذي يصنعه الشك المطلق، تتحدد مسؤولية التفكير: أن يراجع أسسه دون أن يتخلى عن إمكان المعرفة، وأن يعترف بحدوده دون أن يجعل الحدود قدرًا أبديًا.
وفي زمن تتولى فيه الخوارزميات ترتيب المرئي، وتعيد المنصات صوغ الرغبات، وتُقاس الأفكار أحيانًا بسرعة انتشارها لا بصلابة حججها، يعود الكوجيتو من بعيد، لا كعبارة تُعلّق على جدار العقل، بل كإنذار من أن تتحول الذات إلى صدى لما يُعرض عليها. قد أظن أنني أفكر لأنني أكرر، وأنني أختار لأن الخيارات وُضعت أمامي مسبقًا، وأنني أعرف لأن الشاشات تمنحني وفرة من المعلومات. لكن الوفرة ليست معرفة، والتعرض المستمر للأفكار لا يعني امتلاكها، والقدرة على التعبير لا تضمن استقلال الفكر.
إن السؤال الديكارتي، بعد أن يعبر زمنه، يطرق بابنا بصيغة أكثر قلقًا: هل ما زلت أفكر، أم أن شيئًا آخر يفكر من خلالي، بينما أوقّع باسمي على النتائج؟
هكذا يظل "الكوجيتو" واقفًا بين مرآة ومقصلة، بين رغبة العقل في تأسيس الحقيقة وخوفه من أن يكون قد ورث أدوات خداعه. لقد أنقذ الذات من محوها المنطقي، لكنه لم يحررها مرة واحدة وإلى الأبد من أوهامها، ولم يمنحها مفاتيح جميع الأقفال. كان يقينًا أوليًا، لا نهاية الطريق؛ ومضةً في دهليز، لا شمسًا تستنفد الظلام. وربما كانت عظمته في أنه لم يجعل السؤال زائدًا عن الحاجة، بل جعل السؤال نفسه شرطًا للوجود الواعي.
"أنا أفكر، إذن أنا موجود"؛ لكنني، ما دمت أفكر، لستُ بريئًا من أوهامي، ولا سيدًا مطلقًا على حقيقتي. إنني ذلك الكائن الذي يكتشف وجوده في لحظة الشك، ثم يمضي عمره محاولًا أن يعرف من الذي يسكن هذه الأنا، ومن الذي يكتب محضرها، وأيُّ بابٍ في المتاهة يقود إلى الحرية.
بقلم الطاهر كردلاس أكادير المغرب
#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟