أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - تراجع المعارضة في المغرب: -من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السياسي- الطاهر كردلاس المغرب















المزيد.....

تراجع المعارضة في المغرب: -من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السياسي- الطاهر كردلاس المغرب


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 22:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تراجع المعارضة في المغرب: "من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السياسي"
الطاهر كردلاس المغرب

في المغرب، لا يبدو تراجع المعارضة مجرد خللٍ ظرفي في توازنات السياسة، بل هو تحوّل عميق في “إبستمولوجيا السلطة” وفي “سيكولوجية الجمهور”، حيث لم تعد السياسة تُفهم كصراع وجودي بين رؤيتين للعالم، بل كإدارة تقنية لمجال شديد التعقيد، تتداخل فيه الدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والعالم الخارجي في شبكة واحدة كثيفة من التأثيرات.
كانت المعارضة في لحظاتها التأسيسية تحمل طابعًا وجوديًا صداميًا؛ لم تكن اختلافًا في الرأي، بل نفيًا رمزيًا للعالم القائم واقتراحًا لعالم بديل. كانت مشحونة بسرديات كبرى عن العدالة والتحرر والكرامة، وتتكلم بلغة تتجاوز الحسابات اليومية إلى أفق تاريخي شامل. في تلك المرحلة، لم تكن المعارضة “وظيفة” داخل النظام، بل “هوية” خارجه، تتغذى من الحلم أكثر مما تتغذى من الواقع.
لكن مع الزمن، ومع إعادة تشكيل الدولة لمجالها السياسي، ومع تفكك السرديات الكبرى، حدث انتقال هادئ من الصراع الوجودي إلى التدبير التقني. لم تعد السياسة ساحة لمواجهة رؤى متناقضة للعالم، بل أصبحت تدبيرًا عقلانيًا للموارد والانتظارات داخل حدود واقعية صارمة. هنا تراجعت المعارضة من موقع “صناعة البديل” إلى موقع “تعليق على التدبير”، وفقدت تدريجيًا جزءًا من كثافتها الرمزية.
في العمق، اشتغل النظام السياسي بمنطق “الاحتواء السائل”: ليس عبر القمع المباشر، بل عبر إعادة تشكيل الحقل السياسي بحيث يتم إدماج جزء من المعارضة داخل منطق التدبير نفسه. هذا ما يمكن فهمه ضمن أفق قريب من تحليل غرامشي للهيمنة، حيث لا تُفرض السلطة بالقوة فقط، بل بإنتاج لغة مشتركة تجعل حتى الخصوم يتحركون داخل نفس القاموس السياسي. وهكذا تتآكل الحدود بين الموالاة والمعارضة، وتصبح الفوارق أكثر هلامية مما تبدو عليه.
لكن هذا التحول لم يكن أحادي الاتجاه، فالمعارضة نفسها دخلت في مسار داخلي من التآكل. لقد عرف الحقل الحزبي المغربي ما يمكن تسميته بـ“الترحال السياسي”، حيث أصبحت النخب تتنقل بين الأحزاب بحثًا عن الموقع الأقرب إلى النفوذ أو القرار، لا إلى المبدأ أو البرنامج. هذا الترحال، المرتبط بمنطق “البحث عن الكعكة” السياسية، أضعف فكرة الالتزام الحزبي، وحوّل جزءًا من السياسة إلى فضاء للمناورة الفردية أكثر منه مشروعًا جماعيًا.
إلى جانب ذلك، تغلغلت مظاهر الريع السياسي والاقتصادي داخل بعض البنى الحزبية، سواء عبر القرب من دوائر القرار أو عبر الاستفادة من شبكات المصالح، مما أضعف صورة المعارضة كقوة أخلاقية مستقلة. وحين يفقد الفاعل السياسي مسافة نقدية عن السلطة، يفقد معها جزءًا من شرعيته الرمزية.
تزامن ذلك مع أزمة أعمق داخل الأحزاب نفسها: شيخوخة القيادات، ضعف التداول الداخلي، غياب الديمقراطية الحقيقية داخل التنظيمات، وتكرار نفس الوجوه السياسية لعقود. تحولت العديد من الأحزاب إلى هياكل مغلقة، تُدار بمنطق الاستمرارية أكثر من منطق التجديد، مما خلق فجوة بين نخب سياسية متقدمة في السن وجمهور شاب يعيش زمنًا مختلفًا كليًا.
كل هذه العناصر مجتمعة — الترحال السياسي، البحث عن الريع، ضعف المصداقية، شيخوخة الزعماء، وانعدام الديمقراطية الداخلية — جعلت المعارضة تفقد جزءًا من رأس مالها الرمزي، أي تلك الثقة التي كانت تجعل خطابها يبدو مختلفًا ومؤثرًا في الوجدان العام.
في موازاة ذلك، تغير مركز القرار نفسه، ولم تعد السياسة محصورة داخل المؤسسات التقليدية فقط، بل أصبحت موزعة بين الدولة، والتقنوقراط، وشبكات الخبراء، والمؤسسات المالية، مما جعل المعارضة أحيانًا تواجه بنية قرار معقدة لا يمكن اختزالها في حكومة أو برلمان. هذا التشتت جعل فعل المعارضة يبدو أحيانًا كأنه نقد لظلّ غير مكتمل الملامح.
أما على مستوى الجمهور، فقد حدث تحول عميق: من جمهور مؤطر حزبيًا إلى جمهور رقمي سريع التفاعل. الجمهور اليوم يصنع احتجاجه في لحظة، عبر الشاشات والمنصات، في شكل موجات غضب سريعة، لكنها غالبًا غير قابلة للتراكم أو التحول إلى مشروع سياسي طويل الأمد. لقد انتقلنا من المعارضة المنظمة إلى المعارضة الذرية: احتجاجات متناثرة، بلا قيادة، بلا برنامج، وبلا ذاكرة مؤسساتية.
وهكذا، لم يعد النقد السياسي فعلًا منظّمًا بقدر ما أصبح انفعالًا اجتماعيًا متشظيًا، يتبدد بسرعة في الفضاء الرقمي، تاركًا خلفه شعورًا عامًا بالغضب أكثر من كونه تغييرًا فعليًا في ميزان القوى.
ومع ذلك، فإن هذا التراجع لا يعني موت المعارضة، بل إعادة تشكيلها. فالمعارضة لم تختفِ، لكنها فقدت مركزها القديم، وتوزعت بين اليومي، والرقمي، والهامشي. أصبحت تعيش في تفاصيل الحياة أكثر مما تعيش في مؤسساتها، في الشارع أكثر مما تعيش في الخطاب، وفي الانفعال أكثر مما تعيش في التنظيم.
في المدن التي أُنهكت من كثرة التصفيق، لم تمت المعارضة، لكنها فقدت شكلها الكلاسيكي. كانت يومًا قوة تصنع الحلم، فأصبحت سؤالًا مفتوحًا عن معنى السياسة نفسها. وكان النظام، في عمقه، لا يحتاج دائمًا إلى سحقها، بقدر ما يحتاج إلى إعادة تشكيلها داخل بنيته، حتى تصبح جزءًا من الاستقرار لا نقيضًا له.
في الخاتمة، يمكن القول إن تراجع المعارضة في المغرب ليس انهيارًا بسيطًا، بل نتيجة تداخل ثلاث ديناميات كبرى: إعادة تشكيل الدولة لمنطق التدبير، تفكك البنية الداخلية للأحزاب بفعل الترحال والريع والشيخوخة وضعف الديمقراطية الداخلية، وتحول الجمهور إلى كائن رقمي سريع التفاعل. وبين هذه التحولات، لم تختفِ المعارضة، بل تغيرت طبيعتها: من مشروع تاريخي متماسك إلى طيف متشظٍ يبحث عن شكل جديد للمعنى السياسي في عالم لم يعد يعترف باليقينيات القديمة.
إن "نهضة ونهوض" المعارضة لا يمكن أن تنفصل عن إعادة الاعتبار لفكرة “المعنى” في السياسة. فالمجتمعات لا تتحرك فقط بالأرقام والخطابات التقنية، بل بالأمل، وبالإحساس بأن التغيير ممكن ومفهوم ومشترك. لذلك فإن المعارضة البديلة الجديدة، إذا أرادت أن تخرج من سباتها، عليها أن تستعيد قدرتها على تخيّل المستقبل، لا فقط نقد الحاضر.
إن البديل الحقيقي ليس معارضة صاخبة أكثر، بل معارضة أعمق: أقل ضجيجًا وأكثر فهماً، أقل انفعالًا وأكثر بناءً، أقل ارتباطًا بالمقاعد وأكثر ارتباطًا بالمجتمع. عندها فقط يمكن للسياسة أن تستعيد معناها، وللمعارضة أن تعود رئةً يتنفس بها المجال العام بدل أن تكون مجرد ظلّ داخل لعبة مغلقة.
بقلم الطاهر كردلاس
اكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغر ...
- أزمة التعليم الخصوصي بالمغرب: بين الواجهة والحقيقة بقلم الطا ...
- -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة ...
- التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرور ...
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة
- -لماذا خذل العرب القضية الفلسطينية- بقلم الطاهر كردلاس


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - تراجع المعارضة في المغرب: -من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السياسي- الطاهر كردلاس المغرب