أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الطاهر كردلاس - -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة بثقافة الأداء والنجاعة- بقلم الطاهر كردلاس














المزيد.....

-اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة بثقافة الأداء والنجاعة- بقلم الطاهر كردلاس


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 23:27
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


"اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة بثقافة الأداء والنجاعة"
بقلم الطاهر كردلاس

لم يعد الزمن الذي نعيش فيه يسمح للأشياء بأن تنمو على مهلها. كل شيء يُدفع نحو التسريع، نحو الاكتمال القسري، نحو أن يكون قبل أوانه. وفي قلب هذا التسارع، لم يعد الإنسان يتعلم ليعرف، بل ليواكب، ليُصنَّف، ليُثبت أهليته داخل منظومة لا تعترف إلا بمن ينجز. هكذا، يتحول التعليم من أفق مفتوح على المعنى، إلى مسار ضيق تُرسم حدوده سلفًا، ويُطلب من الجميع السير فيه دون تردد.
في هذا الأفق، لم تعد الطفولة مرحلة اكتشاف، بل صارت مرحلة إعداد. الطفل لا يُترك ليختبر العالم، بل يُوجَّه نحوه وفق خرائط جاهزة. يُقال له ماذا يتعلم، وكيف، ومتى، ولماذا، حتى قبل أن تتشكل لديه الرغبة في السؤال. إننا لا نمنحه فرصة أن يخطئ، بل نُسرع في تصحيح مساره، وكأن الخطأ عيب، لا لحظة ضرورية في بناء الذات.
المدرسة، التي كانت يومًا فضاءً للدهشة، أصبحت جهازًا دقيقًا لإنتاج الانضباط. جدول حصص محكم، برامج متراكمة، تقييمات متتالية… كل ذلك يصنع إيقاعًا لا يترك للطفل فسحة لالتقاط أنفاسه. وما إن يغادر هذا الفضاء حتى يجد نفسه داخل نسخة أخرى منه: بيتٌ يراقب، يقارن، ويُذكّر دائمًا بأن القادم أكثر صعوبة، وأن عليه أن يكون مستعدًا باستمرار.
لكن ما لا يُقال صراحة هو أن هذا النظام، في سعيه لصناعة "الأفضل"، يُنتج في العمق كائنًا هشًا. طفلًا يعرف كيف ينجح، لكنه لا يعرف لماذا ينجح. يحفظ الأجوبة، لكنه يفقد القدرة على التساؤل. يملأ وقته، لكنه يفرغ من ذاته. لأن ما يُسلب منه ليس الوقت فقط، بل إمكانية أن يكون خارج كل هذه التحديدات.
إن أخطر ما نفقده هنا هو تلك المساحات غير المبرمجة: لحظات الشرود، اللعب غير الموجَّه، الصمت الذي لا يُطلب منه شيء. هناك، في تلك الهوامش، تتشكل الذات الحقيقية. هناك يتعلم الطفل أن يختار، أن يرفض، أن يخلق عالمه الخاص. أما حين يُملأ كل فراغ، فإننا لا نربي إنسانًا، بل نُدرب وظيفة.
وهكذا، يتشكل نوع جديد من الاغتراب: اغتراب لا يشعر به الفرد فورًا، لأنه مغطى بنجاحات متتالية، لكنه يتسلل تدريجيًا ليُفرغ الإنجاز من معناه. يكبر الطفل وهو يحمل سجلًا حافلًا، لكنه عاجز عن الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا أريد أنا؟
إن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة تعليم، بل أزمة تصور للإنسان. هل نريده كائنًا قادرًا على التكيف فقط، أم كائنًا قادرًا على الفهم؟ هل نُعدّه لسوق يتغير، أم لحياة تتطلب وعيًا ومعنى؟ لأن الفرق بين الاثنين ليس تربويًا فحسب، بل وجودي.
في النهاية، قد ننجح في تكوين جيلٍ بارع في الأداء، سريع في الإنجاز، لكنه قلق، هش، ومعلّق دائمًا بين ما يحققه وما يُطلب منه. وقد نختار، بدل ذلك، أن نعيد الاعتبار لما لا يُقاس: للبطء، للخطأ، للعب، وللصمت. هناك فقط، حيث لا يُطلب من الإنسان أن يكون شيئًا محددًا، يمكنه أن يبدأ… في أن يكون نفسه.
اكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرور ...
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة
- -لماذا خذل العرب القضية الفلسطينية- بقلم الطاهر كردلاس
- حوار أدبي/ علمي مع البرت اينشتاين بقلم الطاهر كردلاس
- قصيدة حارس الغسق الطاهر كردلاس
- استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط


المزيد.....




- البرهان يرحب بانضمام أحد مؤسسي الدعم السريع للقوات السودانية ...
- إسرائيل تحْيي مستوطنة بعد إخلائها وحماس تحذّر من التمدد الاس ...
- باكستان تقرع الأجراس وإيران وأمريكا تنتظرهما ساعات عصيبة
- صنداي تايمز: هل يصبح السلاح النووي بوليصة تأمين للأنظمة المغ ...
- -الشانغل- الهجين.. الولد الشقي الذي صنع الفكاهة والاندماج بك ...
- ترمب يعلن مهاجمة سفينة شحن إيرانية بخليج عُمان وطهران تتوعد ...
- أوكرانيا تقترح مظلة صاروخية أوروبية وتدعو لقمة بين زيلينسكي ...
- نائب رئيس -المؤتمر السوداني-: لا حسم عسكريا للصراع ولا بديل ...
- قبيل جولة المفاوضات.. هذه أبرز مطالب واشنطن وطهران
- جائزة مولاي الحسن للألعاب الرياضية الجامعية.. الدورة ال15 ره ...


المزيد.....

- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الطاهر كردلاس - -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة بثقافة الأداء والنجاعة- بقلم الطاهر كردلاس