أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطاهر كردلاس - مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب














المزيد.....

مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 00:45
المحور: الادب والفن
    


مقال في العيد السعيد :
بقلم الطاهر كردلاس

"عيدٌ بأيّة حال عدتَ يا عيدُ
لما مضى أم لأمر فيك تجديد؟؟

هكذا تساءل أبو الطيب المتنبي قبل قرون، وكأن صوته لم يكن موجهاً إلى زمانه وحده، بل إلى كل الأزمنة التي يجيء فيها العيد مثقلاً بالهموم، محمّلاً بأسئلة لا تجد جواباً. واليوم يعود السؤال نفسه،
والعالمُ على حافةِ الرماد ، على حافة التفكك والتصدع والانهيار ، لكن على وقع انفجاراتٍ لا على وقع قصائد، وعلى أنين شعوبٍ لا على أنين شاعرٍ مرهف يحس بنض الوجود.
يأتي العيد في زمنٍ يضيق فيه الشرق الأوسط بأنفاسه؛ حروب مشتعلة، صراعات مفتوحة، تحالفات متبدلة، وأوطان تتحول إلى خرائط مؤجلة.
من فلسطين التي لم تعرف طعم العيد منذ عقود، إلى توترات الخليج، إلى نزيف الحروب في أكثر من رقعة، يبدو أن العيد صار يمرّ مثل غيمةٍ ثقيلة، لا تمطر فرحاً بل تترك وراءها رائحة البارود.
لكن أقسى ما في هذا العيد أنه يمرّ على أرضٍ لم تعرف العيد منذ زمن،
يمرّ على فلسطين حيث لا تُسمع تكبيرات العيد كما ينبغي، بل تختلط بأصوات الطائرات وصفارات الإنذار. هناك، لا يخرج الأطفال بملابس جديدة إلى الساحات، بل يخرجون من تحت الركام، يحملون في عيونهم دهشةً أكبر من أعمارهم، كأنهم يسألون العالم: أيُّ عيدٍ هذا الذي يزورنا ونحن نعدّ شهداءنا بدل أن نعدّ ألعابنا؟
في غزة، يصبح العيد امتحاناً للذاكرة لا مناسبة للفرح؛ أمٌّ تبحث عن قبر ابنها لتسلّم عليه بدل أن توقظه لصلاة العيد،
وأبٌ يقف أمام بيتٍ كان بالأمس عامراً، فيهنّئ نفسه لأنه ما زال حيّاً، لا لأنه سعيد.
حتى الخبز هناك له طعم آخر، طعم الحصار، وطعم الانتظار، وطعم الصبر الذي طال أكثر مما يحتمل البشر.
وفي القدس، يمرّ العيد تحت العيون المترصّدة والحواجز الثقيلة،
كأن الفرح يحتاج إلى تصريح مرور،
وكأن التكبير يجب أن يُقال بصوتٍ منخفض كي لا يُتَّهم صاحبه بأنه يحلم أكثر مما ينبغي.
هنا فقط نفهم معنى سؤال أبو الطيب المتنبي حين قال:
"عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ"،
فالعيد في فلسطين لا يعود بحالٍ جديد،
بل يعود ليذكّر بأن الحزن هناك قد صار مقيماً،
وأن الفرح صار زائراً خجولاً،
يأتي سريعاً… ويرحل سريعاً…
ويترك وراءه شعباً يتقن الصبر أكثر مما يتقن الاحتفال.
وليس القلق سياسياً فقط، بل صار اقتصادياً ينهش تفاصيل الحياة اليومية.
أسعار ترتفع بلا رحمة، وأجور تتآكل، وأحلام تتقزم أمام فاتورتي الكهرباء والماء، وثمن الخبز وكلفة العلاج.. ووووو.. العيد الذي كان موعداً للفرح، صار موعداً للحسابات الدقيقة:
كم نشتري؟ كم نؤجل؟ وكم نتظاهر بالفرح كي لا ينكسر الأطفال أمام الحقيقة؟
أما اجتماعياً، فقد تغيّر معنى العيد نفسه.
كانت الأعياد تجمع العائلات حول مائدة واحدة، أما اليوم فالكثيرون يجتمعون حول شاشة، حول هاتف.. يتبادلون التهاني عبر الرسائل القصيرة بدل المصافحة، وعبر الصور بدل اللقاء. كأن العيد لم يعد حدثاً يُعاش، بل إشعاراً يصل إلى الهاتف.
وفي خلفية كل ذلك، يقف الإنسان المعاصر حائراً بين الإيمان بالفرح والخوف من الغد. يريد أن يصدق أن العيد رحمة، لكن الواقع يهمس له بأن العالم صار أكثر قسوة من أن يسمح بفرحٍ كامل.
ومع ذلك، يظل العيد ـ رغم كل شيء ـ لحظة مقاومة صامتة، لأن الإصرار على الفرح في زمن الخراب شكلٌ من أشكال التحدي، والإصرار على تبادل التهاني في زمن الكراهية نوعٌ من الدفاع عن إنسانيتنا الأخيرة.
لذلك يعود السؤال من جديد، لا بصوت شاعرٍ واحد، بل بصوت أمةٍ كاملة:
عيد بأية حال عيدٍ عدتَ يا عيد…
أبعد أن صار الفرح ترفاً، والطمأنينة حلماً، والسلام أمنيةً مؤجلة؟
ومع ذلك…
لعل العيد لا يأتي لأن العالم بخير،
بل يأتي كي يذكّرنا أن الخير يجب أن يبقى ممكناً.

وكل عيد ، وكل عام وأنتم بألف ألف خير..
أكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة
- -لماذا خذل العرب القضية الفلسطينية- بقلم الطاهر كردلاس
- حوار أدبي/ علمي مع البرت اينشتاين بقلم الطاهر كردلاس
- قصيدة حارس الغسق الطاهر كردلاس
- استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط
- قصة فصيرة بعنوان : المتشائل الطاهر كردلاس اكادير المغرب
- قصيدة: وتر في طيفِ جيتارة شعر: الطاهر كردلاس
- -حيرة الإنسان بين الوجود والعدم في قصة حلم رجل مضحك- للكاتب ...


المزيد.....




- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...
- فنلندا أكثر دول العالم سعادة للعام التاسع.. وإسرائيل والإمار ...
- قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد ...
- فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر ...
- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطاهر كردلاس - مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب