أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الطاهر كردلاس - اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر كردلاس














المزيد.....

اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر كردلاس


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 15:35
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


"اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى"

لم تكن المدرسة العمومية، في جوهرها التاريخي والابستيمولوجي، مؤسسة لتخريج الكفاءات فحسب، ولا آلة لتزويد السوق بالموارد البشرية، بل كانت فعلاً رمزياً عميقاً، يُعاد فيه إنتاج المجتمع على مستوى القيم، والهوية، واللغة، والوعي.
كانت المدرسة وعداً أخلاقياً، ومساحة لتكوين الذات، ومجالاً لتعلم الحرية والإبداع قبل تعلم المهارات والتقنيات.
غير أن هذا المعنى التأسيسي بدأ يتآكل بصمت، تحت وطأة خطاب إصلاحي يُجيد لغة التحديث، لكنه يجهل سؤال الغاية والهدف الأسمى..
إننا نعيش اليوم لحظة اغتراب تربوي حاد، حيث تُفصل المدرسة عن بعدها الإنساني، وتُدار بمنطق تقني محض، يختزل التعقيد البشري في مؤشرات، ويُفرغ الفعل التعليمي من توتره الخلّاق. لم يعد السؤال الجوهري: أي إنسان نريد؟ بل: أي نظام أنجع لخلق إنسان متكيف مع راسمال السوق؟ وأي منصة أكثر فعالية؟ هكذا انتقلت المدرسة من فضاء للمعنى إلى جهاز للضبط، ومن مشروع ثقافي إلى إجراء إداري قابل للتعميم.
إن أخطر ما في هذا التحول ليس في الأدوات ذاتها، بل في العقل الذي يُشغّلها. عقلٌ أداتيّ، يرى في الزمن التربوي عائقاً، وفي البطء خطأً، وفي التفكير الحر مخاطرة. عقل يُقايض السؤال بالامتثال، والقلق المعرفي بالطمأنينة الزائفة، ويُعيد تشكيل المدرسة على صورة الإدارة: فعالية بلا روح، وانضباط بلا وعي.

في هذا السياق، يُنزَع عن الأستاذ بعده الرمزي، ليُعاد تعريفه باعتباره “مورداً بشرياً”، وتُختزل خبرته في مدى التزامه بالبروتوكول، لا في عمق أثره التربوي والإنساي . أما المتعلم، فيُعاد تشكيله ككائن متكيف، لا كذات ناقدة؛ كمنفذ للمهام، لا كسائل عن المعنى.
وهنا بالضبط تتحقق أخطر صور الاغتراب: حين يتعلم الإنسان كيف ينجح، دون أن يتعلم لماذا يعيش.
بهذا المعنى، لم تعد المدرسة تُنتج الوعي، بل تُدير السلوك؛ لا تُحرر العقل، بل تُهذّبه على مقاس النظام؛ لا تُربّي على الاختلاف، بل على التماثل. إنها مدرسة تُكافئ الإجابة الصحيحة، لكنها تُعاقب السؤال العميق، وتُشجّع السرعة، لكنها تُهمّش التأمل.
ويزداد هذا الاغتراب عمقاً حين يُطلب من المدرسة أن تُحقّق نتائج فورية، دون الاعتراف بأن التربية فعلٌ بطيء، تراكمي وكيفي. فكل استعجال في التعليم هو، في جوهره، عنف رمزي ضد المتعلم وضد المدرّس معاً. عنف يُقاس نجاحه بالأرقام، لكنه يُخفي فشله في بناء المعنى.
إن المدرسة التي تُدار بمنطق الإنجاز السريع، تُنتج أجيالاً قادرة على الأداء، لكنها عاجزة عن الفهم؛ قادرة على التكيف، لكنها فاقدة للبوصلة؛ ناجحة في الاختبارات، هشّة أمام أسئلة الوجود والمجتمع والتاريخ. وهنا يصبح الخطر حضارياً، لا تربوياً فقط.
لسنا، إذن، أمام أزمة إصلاح، بل أمام أزمة تصور للإنسان ذاته. فإما إنسان قابل للقياس والتصنيف، وإما إنسان قلق، ناقد، حر. وكل اختيار تربوي هو، في العمق، اختيار فلسفي وأخلاقي.
إن استعادة المدرسة العمومية لمعناها لا تمر عبر مزيد من التقنيات، بل عبر إعادة الاعتبار للعلاقة التربوية كفعل اعتراف متبادل، وللأستاذ كحامل للذاكرة والضمير، وللقسم كفضاء للإنصات والتفكير لا للتتبع والمراقبة.
في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الأمم بسرعة رقمنتها، بل بعمق إنسانيتها.
ولا تُبنى الأوطان بعقول مبرمجة جيداً، بل بعقول حرة تعرف لماذا تفكر، ولماذا تعترض، ولماذا تحلم.

علَّمونا كيف نُجيدُ العَدّ والحساب
ونسُوا أن يُعلِّمونا كيف نَحيا ونرقى
قاسوا العقولَ بأرقـامٍ مجردة
وضاعَ معنى الذي بالعلمِ قد سَمَقا

بقلم الطاهر كردلاس
المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة
- -لماذا خذل العرب القضية الفلسطينية- بقلم الطاهر كردلاس
- حوار أدبي/ علمي مع البرت اينشتاين بقلم الطاهر كردلاس
- قصيدة حارس الغسق الطاهر كردلاس
- استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط
- قصة فصيرة بعنوان : المتشائل الطاهر كردلاس اكادير المغرب
- قصيدة: وتر في طيفِ جيتارة شعر: الطاهر كردلاس
- -حيرة الإنسان بين الوجود والعدم في قصة حلم رجل مضحك- للكاتب ...
- صفاقة وجود شعر الطاهر كردلاس اكادير المغرب
- التسول المقنَّع بقلم الطاهر كردلاس اكادير المغرب
- شعر ود وقضية


المزيد.....




- من لحظة رعب إلى ابتسامة.. إنقاذ بطولي لطفل علق في -نفق ثلجي- ...
- رأي.. عبدالله بن أحمد آل خليفة يكتب: رسالة سامية في يوم التع ...
- صورة مثيرة للجدل لهاتف نتنياهو.. لماذا يغطي رئيس الوزراء الك ...
- عضو بالبرلمان الأوروبي: التدخل العسكري هو الخيار النهائي لتغ ...
- هل تجري الصين تطهيراً ضد أرفع جنرالاتها؟ ولماذا؟
- إجلاء مئات السكان في نيشيمي بصقلية بعد انهيار أرضي
- الشتاء الأقسى منذ عقد.. هجمات مكثفة تغرق خاركيف في الظلام
- سلطنة عمان: وفاة ثلاثة سياح فرنسيين على الأقل في انقلاب قارب ...
- جنرال ألماني: بلادنا تستعد لصد هجوم روسي محتمل في غضون عامين ...
- أكثر من 20 ألف مريض بغزة ينتظرون السفر للعلاج بالخارج


المزيد.....

- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الطاهر كردلاس - اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر كردلاس