أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الطاهر كردلاس - التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرورة- بقلم الطاهر كردلاس














المزيد.....

التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرورة- بقلم الطاهر كردلاس


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 17:14
المحور: قضايا ثقافية
    


"التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرورة"
بقلم الطاهر كردلاس

لقد اطلعتُ بشكلٍ غير يسير على الفلسفة الإسلامية، من علم الكلام إلى الفلسفة إلى التصوف، في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ، وتعرّفتُ في خطوطها الكبرى على روّادها واتجاهاتها وفرقها وفلاسفتها، كما وقفتُ على مفاهيم ومصطلحات التفسير والتأويل، وما بينهما من اختلافٍ وائتلاف، حتى بدا لي أنّ هذا الثنائي ليس مجرد تمييزٍ اصطلاحي، بل هو مفتاحٌ لفهم بنية العقل الإسلامي ذاته، وكيفية اشتغاله داخل التاريخ.
فالتفسير، في صورته الكلاسيكية، ينطلق من افتراضٍ جوهري مفاده أن المعنى مُعطى سلفًا في النص، وأن وظيفة القارئ لا تتجاوز الكشف والبيان. لذلك ارتبط بضبط اللغة، واستحضار السياق، والاحتكام إلى الرواية، فكان بمثابة حارسٍ للدلالة، يسعى إلى تثبيتها وصونها من الانفلات. وقد مثّل هذا النزوع إلى الثبات تياراتٌ تقليدية، مثل الحنابلة وبعض اتجاهات أهل السنة والجماعة، حيث يُنظر إلى الحقيقة بوصفها معطى مكتملًا في النص، لا يُحتاج فيه إلا إلى حسن الفهم، لا إلى إعادة الإنتاج.
غير أن هذا الثبات الظاهر يخفي في عمقه مفارقة دقيقة: فالتفسير ذاته لم يكن واحدًا، بل تعدد بتعدد العصور والمناهج، مما يكشف أن كل تفسير يحمل في داخله بذرة تأويل، ولو ادّعى الانغلاق على الظاهر.
أما التأويل، فقد نشأ من وعيٍ بأن ظاهر النص ليس نهاية المعنى، بل بدايته. إنه حركة انتقال من الحرف إلى الدلالة، ومن الدلالة إلى الأفق، حيث يصبح النص فضاءً مفتوحًا على إمكانات متعددة. وقد تجلّى هذا المنحى في مدارس مختلفة: عند المعتزلة في صيغته العقلية الجريئة، وعند الأشاعرة في محاولته التوفيقية، وعند الفلاسفة مثل ابن رشد في بعده البرهاني، وعند المتصوفة مثل ابن عربي في أفقه الذوقي الإشاري.
بهذا المعنى، لم يكن التأويل مجرد قراءة بديلة، بل كان فعلًا إنتاجيًا للمعنى، يجعل القارئ شريكًا في بنائه، ويُدخل النص في صيرورة التاريخ. وهنا يتجاوز التأويل حدود المعرفة إلى مجال السلطة، إذ يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الحقيقة والشرعية معًا. فليس غريبًا أن تميل السلطة إلى تثبيت التفسير، لأنه يضمن استقرار المعنى، بينما تخشى التأويل لأنه يفتح باب الاختلاف، ويهدد احتكار الحقيقة.
ومن هنا، يمكن القول إن الحضارة الإسلامية لم تكن مجرد حضارة نص، بل حضارة تأويل بامتياز؛ لا لأنها تخلّت عن التفسير، بل لأنها عاشت على التوتر الخلاق بينهما. فقد أنتج هذا التوتر علومًا متعددة، من الفقه إلى الكلام إلى الفلسفة والتصوف، وجعل من النص مركزًا ديناميكيًا تُبنى حوله رؤى متباينة للعالم.
إن التفسير يمثل نزعة إلى الثبات، إلى الأصل، إلى اليقين، بينما يمثل التأويل نزعة إلى الصيرورة، إلى الأفق، إلى الاحتمال. غير أن الحقيقة لا تستقر في أحدهما دون الآخر، بل تولد في المسافة التي تفصل بينهما وتجمعهما في آنٍ واحد. فالتفسير، إذا انفرد، حوّل النص إلى أثرٍ جامد، والتأويل، إذا انفلت، جعله عرضةً للفوضى.
ولعل الرؤية الأعمق هي التي تدرك أن النص لا يُحفظ إلا بالتفسير، ولا يحيا إلا بالتأويل؛ وأن الحضارة التي تُحسن الموازنة بينهما هي وحدها القادرة على الاستمرار.
وهكذا، لا يكون السؤال: أيهما أصدق، التفسير أم التأويل؟ بل: كيف يمكن للعقل أن يسكن هذا التوتر دون أن يفقد توازنه؟ لأن في هذا التوتر ذاته، لا يُفهم النص فقط، بل يُعاد تشكيل العالم.
ومن هذا المنظور، تصبح الحضارة الإسلامية نموذجًا حيًا لفهم العلاقة بين الثابت والمتغير، بين اليقين والاحتمال، وبين النص والزمان. وهنا يكمن سرّ استمرارها وعمقها: في قدرتها على أن تجعل النص موئلًا للمعنى، وفضاءً للحوار، وميدانًا لصيرورة الفكر، حيث يتلاقى العقل والروح، والتاريخ والحياة، ليولد من كل قراءة جديدة عالمًا يُعيد إنتاج ذاته.
فالحضارة الحقيقية ليست مجرد إرث يُحفظ، بل فعلٌ مستمر من الفهم، التأويل، والإبداع، تجعل من الماضي نورًا للمستقبل، ومن النص نافذةً على الأبدية..
أكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة
- -لماذا خذل العرب القضية الفلسطينية- بقلم الطاهر كردلاس
- حوار أدبي/ علمي مع البرت اينشتاين بقلم الطاهر كردلاس
- قصيدة حارس الغسق الطاهر كردلاس
- استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط
- قصة فصيرة بعنوان : المتشائل الطاهر كردلاس اكادير المغرب


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لدبابات إسرائيلية-.. ما حقيقته ...
- زيلينسكي: خبراء أوكرانيون شاركوا في إسقاط مسيّرات إيرانية بع ...
- تقييمات استخباراتية إسرائيلية: القيادة الإيرانية الجديدة أكث ...
- في مواجهة -سياسة العزل- الغربية.. الصين تشيد بـ-النجاحات- ال ...
- عاصفة في الإعلام الأميركي: ميغين كيلي تتهم نتنياهو بالتلاعب ...
- تمرد أم حماية؟ ميلانيا ترامب تهدد مروجي -أكاذيب إبستين-
- بعد فقدان الوزن.. كيف نعيد شباب الوجه ونحد من الترهل؟
- اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران: هل تنجح إيران في جعل لبنان - ...
- إسطنبول.. لائحة اتهام لـ35 إسرائيليا بقضية الاعتداء على -أسط ...
- دروس حرب إيران تصل إلى كوريا الشمالية


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الطاهر كردلاس - التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرورة- بقلم الطاهر كردلاس