الطاهر كردلاس
الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 15:44
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
أزمة التعليم الخصوصي بالمغرب: بين الواجهة والحقيقة
بقلم الطاهر كردلاس
يبدو أن الإنسان المعاصر لم يعد يفسد الأشياء فقط، بل يفسد المعاني أيضاً. فما إن كانت المدرسة آخر الحصون التي احتمت بها فكرة الإنسان، حتى تسللت إليها لغة السوق، فأصبحت المعرفة سلعة، والطفولة مشروعاً استثمارياً، والمدرّس رقماً قابلاً للاستبدال. وفي بعض نماذج المدارس الخصوصية بالمغرب، لا تتجلى الأزمة فقط في الرسوم المرتفعة أو هشاشة الشغل، بل في ضرب جوهر التقويم نفسه، حين تُضخَّم النقط أو تُعدَّل إدارياً رغم أنف الأستاذ، فقط للحفاظ على صورة المؤسسة وإرضاء الأسر. هنا لا يُزوَّر رقم في بيان النتائج فحسب، بل يُزوَّر وعي التلميذ بنفسه، ويُزرع فيه وهم الاستحقاق دون جهد حقيقي.
وتبلغ المفارقة حدّاً مأساوياً حين نجد متعلمين في مستويات ثانوية لا يتقنون القراءة السليمة ولا الكتابة الأساسية، ومع ذلك ينتقلون سنة بعد أخرى محمولين على أكتاف المجاملة والتساهل. كيف يمكن لتلميذ أن يبلغ الثانوي وهو عاجز عن أدوات التعلم الأولى؟ إن ذلك ليس فشلاً فردياً، بل فشل منظومة فضّلت إخفاء المرض بدل علاجه، وتجميل النتائج بدل مواجهة الحقيقة.
وفي بعض البيئات، يتحول الفرض من أداة لقياس التعلم إلى مسرحية جماعية: تُكتب الأجوبة على السبورة، أو تُمرَّر للتلاميذ بطرق مباشرة وغير مباشرة، أو تتم مراقبة شكلية لا تمنع الغش بل تنظمه. وفي حالات أخرى، يُطلب من الأستاذ التساهل، أو يُلام لأنه شدد المراقبة، وكأن النزاهة أصبحت خطأً إدارياً. أما في السادس ابتدائي، حين تُكتب الإجابات أمام المتعلمين في لحظة يفترض أن تقيس كفاياتهم، فإن الرسالة التي يتلقونها مبكراً هي أن النجاح لا يحتاج معرفة، بل يحتاج فقط ترتيبات مسبقة.
والنتيجة أن المؤسسة قد تربح زبائن، لكنها تخسر جيلاً. فالأسرة تفرح بنقطة مرتفعة، ثم تصطدم لاحقاً بواقع هشاشة المستوى. والمتعلم يعتاد العبور دون استحقاق، فيصير أول احتكاك جدي بالجامعة أو بسوق العمل صدمة قاسية. أما الأستاذ الجاد، فيعيش اغتراباً مزدوجاً: يُطلب منه التعليم الحقيقي، ثم يُعاقَب ضمناً حين يطالب بالمعايير الحقيقية.
إذا استمر هذا المسار، فلن نكون أمام أزمة تعليم فقط، بل أمام صناعة منظمة للوهم. سنُخرّج أفواجاً تحمل بيانات ممتازة، لكنها عاجزة عن كتابة فقرة سليمة، أو فهم نص بسيط، أو بناء فكرة مستقلة. وعندها لن تسقط المدرسة وحدها، بل ستسقط الثقة الاجتماعية كلها في قيمة الشهادة، وفي معنى الجهد، وفي العدالة التي يفترض أن يحققها التعليم. لأن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال، بل سرقة المستقبل تحت غلاف أنيق اسمه النجاح.
الطاهر كردلاس المغرب
#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟