أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغرب














المزيد.....

الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغرب


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 18:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأول من ماي: "حين يصير الزمن ساحة صراع"

الأول من ماي ليس مجرد تاريخ عابر في الروزنامة، ولا عطلة موسمية تُرفع فيها الرايات ثم تُطوى في اليوم التالي، بل هو ذاكرة إنسانية كثيفة يطل منها التاريخ بوجهه العاري: صراع طويل بين العمل ورأس المال، بين اليد التي تبني والعقل الذي يخطط، بين من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملك سوى جهده ووقته. لقد وُلد هذا اليوم من رحم المعاناة حين خرج العمال في شيكاغو سنة 1886 مطالبين بثماني ساعات عمل بدل الاستنزاف الوحشي الذي فرضته المصانع الحديثة، فتحول منذ ذلك الحين إلى رمز عالمي للكرامة الاجتماعية وحق الإنسان في ألا يتحول إلى آلة.
العمل، في جوهره الفلسفي، ليس أجرًا مقابل تعب، بل هو الطريقة التي ينحت بها الإنسان وجوده داخل المادة والزمن. إنه الجسر الذي يعبر به الكائن من الطبيعة الخام إلى العالم الإنساني. رأى كارل ماركس أن العمل فعل خلاق يحقق به الإنسان ذاته، لكنه داخل النظام الرأسمالي ينقلب إلى اغتراب؛ إذ يصبح العامل غريبًا عن نتاجه، ويغدو ما يصنعه ملكًا لغيره، بينما يتحول هو إلى ترس صغير داخل آلة ضخمة. أما جورج فيلهلم فريدريش هيغل فاعتبر العمل أداة تشكل الوعي وتحرر الإنسان من خضوعه للطبيعة. في حين ميزت حنّة أرندت بين الكدح الذي يستهلكنا من أجل البقاء، والعمل الذي يبني عالمًا مستقرًا، والفعل السياسي الذي يمنحنا الحرية. ومأساة العصر الحديث، في نظرها، أنه اختزل هذه الأبعاد كلها في كدح لا ينتهي.
سياسيًا، الأول من ماي شهادة ميلاد للحقوق المنتزعة لا الممنوحة. لا شيء جاء طواعية: لا يوم الراحة، ولا الضمان الاجتماعي، ولا الحد الأدنى للأجور، ولا حق الإضراب. كل سطر في قانون الشغل كُتب بعرق عامل، أو بصرخة مضرب، أو بدم سقط في ساحة الاحتجاج. فالرأسمالية لا تشتري عضلات العامل فقط، بل تشتري ساعات عمره مقسمة بدقة. ولذلك كانت المطالبة بثماني ساعات عمل إعلانًا عميقًا: للإنسان حق في وقت لا يكون فيه سلعة، وحق في حياة لا تُقاس كلها بالإنتاج.
غير أن صورة العامل تغيرت ولم ينته الاستغلال، بل بدّل قناعه. كان العامل بالأمس يواجه رب عمل يملك المصنع، أما اليوم فيواجه خوارزمية صامتة تراقب الأداء، تحدد الدخل، وتستبدل الإنسان بتقييم رقمي أو نجمة واحدة. صار العامل موظفًا رقميًا، وسائق تطبيقات، وعامل توصيل، ومستخدمًا هشًا داخل اقتصاد المنصات. تحولت السلطة من مراقب مباشر إلى كود غير مرئي، ومن قهر خشن إلى استنزاف ناعم يُقدَّم في صورة حرية فردية. في الماضي كان العمال يتحدثون بلغة "نحن"، أما اليوم فكثيرًا ما يُدفعون إلى لغة "أنا"، فتتفتت الروابط ويضعف التضامن.
وفي العالم العربي، كثيرًا ما يتحول عيد العمال إلى طقس خطابي تتكرر فيه الكلمات نفسها، بينما يعيش العامل بين ضعف الأجور، وغلاء المعيشة، وهشاشة الحماية الاجتماعية. يصبح الأول من ماي مرآة تكشف الفجوة بين النصوص القانونية والواقع المعيش، بين الوعود الرسمية وخبز آخر الشهر.
لكن السؤال الأعمق يقترب بخطى سريعة: ماذا لو سرقت الآلة العمل نفسه؟ ماذا لو صار الذكاء الاصطناعي قادرًا على الإنتاج والتخطيط والبناء أكثر من الإنسان؟ لمن ستذهب الثروة؟ وكيف سيعرف الإنسان نفسه إذا لم تعد المهنة هويته؟ هنا ينتقل النقاش من الحق في العمل إلى الحق في الدخل، ومن مطلب الأجر العادل إلى مطلب إعادة توزيع الثروة والمعنى معًا. وقد يصبح الأول من ماي مستقبلًا عيدًا لتحرير الإنسان من عبودية العمل، لا مجرد عيد للعمل.
إن الأول من ماي، في النهاية، ليس احتفالًا مهنيًا فحسب، بل سؤال ميتافيزيقي يتجدد كل عام: هل الإنسان غاية، أم مجرد كلفة إنتاج يجب تقليصها؟ فإذا كان التاريخ قد صنعته سواعد العمال، فإن مستقبل التاريخ سيتحدد بقدرتنا على جعل الاقتصاد في خدمة الإنسان لا الإنسان في خدمة الاقتصاد. وعندما يصبح العمل طريقًا للكرامة لا أداة للاستنزاف، والثروة وسيلة للعدالة لا سلاحًا للهيمنة، آنذاك فقط يمكن القول إن الإنسان انتصر على الآلة التي صنعها، وعلى الجشع الذي صنعته نفسه.

اكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة التعليم الخصوصي بالمغرب: بين الواجهة والحقيقة بقلم الطا ...
- -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة ...
- التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرور ...
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة
- -لماذا خذل العرب القضية الفلسطينية- بقلم الطاهر كردلاس
- حوار أدبي/ علمي مع البرت اينشتاين بقلم الطاهر كردلاس


المزيد.....




- مع زيارة ترمب هكذا أصبحت الصين ترى الجيش الأمريكي
- إسرائيل تتجه لانتخابات مبكرة.. الائتلاف الحاكم والمعارضة يتس ...
- من المواكب إلى الطعام.. ماذا نعرف عن تأمين زيارة ترمب إلى ال ...
- ائتلاف نتانياهو يبادر بمقترح لحل الكنيست ويدفع إسرائيل نحو ا ...
- -فيرون- لديه الإجابة عن سبب فشل المفاوضات بين أمريكا وإيران ...
- بعد فقدان أميركيين.. المغرب يعلن العثور على -الجثة الثانية- ...
- روبيو يكشف أهداف ترامب من رحلة بكين.. وإيران في صدارتها
- -نحتفظ بحق الرد-.. طهران تطالب الكويت بالإفراج عن 4 إيرانيين ...
- إيران: الحصار يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطنين
- غيرت موقفها للمرة الأولى.. موركوفسكي تقود منعطفا جمهوريا بال ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغرب