أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - -الأسئلة التي تخافها السلطة- بقلم الطاهر كردلاس المغرب














المزيد.....

-الأسئلة التي تخافها السلطة- بقلم الطاهر كردلاس المغرب


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 16:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"الأسئلة التي تخافها السلطة"
بقلم الطاهر كردلاس

ليست أكثر السجون قسوةً تلك التي تُقام من حجرٍ وحديد، بل تلك التي تُبنى من أفكارٍ متحجرة وأسئلةٍ مقتولة. هناك، في الأعماق المعتمة للوعي، حيث تُغلق النوافذ على الريح ويُصادر الضوء عند بوابات اللغة، يبدأ الاستبداد الحقيقي. فلا يُعتقل الجسد، بل يُعتقل العقل؛ ولا تُكسر العظام، بل تُكسر المرايا التي كان الإنسان يرى بها ذاته والعالم.
في تلك المتاهة الصامتة، تتحول الحقيقة إلى طائرٍ مذبوح يرفرف داخل قفصٍ من اليقينيات الجاهزة. لا تُقتل دفعةً واحدة، بل تُخنق ببطء تحت طبقاتٍ من المألوف، وتُحنَّط داخل معابد التكرار، حتى يصبح السؤال جريمةً أخلاقية، والشكُّ عيباً وجودياً، والتفكير الحر نوعاً من الجنون الذي يستوجب العزل. وحينها لا يعود الإنسان يرى الأشياء كما هي، بل كما تريد القوى الخفية أن يراها؛ فيعيش داخل لوحةٍ مرسومة سلفاً، ويظن أن الأفق ينتهي عند حدود الإطار.
إن أخطر أشكال السلطة ليست تلك التي ترفع السوط، بل تلك التي تنجح في زرع حارسٍ داخل كل رأس. حارسٍ لا ينام، يفتش الأحلام قبل أن تُولد، ويخنق الأسئلة قبل أن تعبر الحنجرة، ويجعل الإنسان سجّان نفسه ومخبر روحه. عندها يصبح الخوف جزءاً من بنية الوعي، وتتحول الطاعة إلى غريزة، ويغدو الامتثال فضيلةً تُمنح لها الأوسمة، بينما يُقدَّم النقد بوصفه مرضاً معدياً ينبغي الحجر عليه.
لكن السلطة التي ترتعب من النقد لا تخاف من الكلمات في ذاتها، بل تخاف من الفراغ الذي يختبئ خلف أقنعتها. إنها تعرف، في مكانٍ سري من جسدها الرمزي، أن كثيراً من عظمتها ليس سوى طلاءٍ فوق جدارٍ متشقق، وأن سؤالاً صغيراً قد يكشف هشاشة القصر بأكمله. لذلك تحارب الشك كما يحارب الليلُ الفجر، وتطارد الأسئلة كما تطارد الأشباحُ المرايا؛ لأنها تدرك أن الحقيقة لا تحتاج إلى حرّاس، وأن ما يحتاج إلى الحراسة الدائمة هو الوهم.
ومن هنا تبدأ المغامرة الكبرى للوعي: تلك الرجفة الخافتة التي تجعل الإنسان يسأل نفسه إن كانت يقينياته حقائق أم مجرد عاداتٍ شاخت في الذاكرة. عندها يخرج العقل من كهفه حاملاً مصباح الشك، لا ليهدم العالم، بل ليحرره من أصنامه. فالتفكير ليس رفاهية ذهنية، بل فعل مقاومة ضد كل ما يريد تحويل الإنسان إلى صدى. والوعي ليس مخزناً للموروثات الجامدة، بل نهرٌ هائج يرفض أن يتحول إلى مستنقع.
إن المأساة ليست أن يخطئ الإنسان، فالخطأ أحد الأسماء السرية للمعرفة، بل أن يتخلى عن حقه في الخطأ والتساؤل معاً، وأن يمنح عقله وديعةً للآخرين. حينها يتحول من ذاتٍ تخلق المعنى إلى ظلٍّ يستهلكه، ومن كائنٍ يصنع أسئلته إلى آلةٍ تردد أجوبةً لم يخترها. ويغدو المجتمع غابةً من المرايا المتشابهة التي تعكس الصورة نفسها، بدل أن يكون كوناً من العقول المختلفة والمتجاورة.
الحضارات لا تسقط حين ينتشر الجهل فقط، بل حين يصبح الجهل متيقناً من نفسه، متوجاً على عرش الحقيقة، وحين يُنظر إلى السؤال باعتباره خطراً، وإلى الاختلاف باعتباره جريمة، وإلى النقد باعتباره خيانة. عندها تبدأ الأرواح بالتصحر، وتفقد الكلمات قدرتها على الإنبات، ويتحول التاريخ إلى مقبرةٍ واسعة للأفكار المؤجلة.
لهذا تبقى الكرامة الفكرية المعركة الوجودية الأخيرة للإنسان؛ المعركة التي تدور بين أن يكون ذاتاً أو صدى، ناراً أو رماداً، سؤالاً أو جواباً جاهزاً. فالحرية الحقيقية ليست أن تملك صوتاً فحسب، بل أن تملك وعياً لا يُؤجَّر، وعقلاً لا يُستعار، وروحاً تعرف أن الحقيقة ليست صنماً يُعبد في معبد الخوف، بل أفقٌ هارب كلما اقتربنا منه اتسع أكثر. وبين الأفق والصنم يتحدد مصير الإنسان: إما أن يصنع أسئلته ويواصل السير في غابة المجهول، أو يتحول إلى صدى بعيد يموت بصمتٍ في ظلال الأشجار.
اكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراجع المعارضة في المغرب: -من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السي ...
- الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغر ...
- أزمة التعليم الخصوصي بالمغرب: بين الواجهة والحقيقة بقلم الطا ...
- -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة ...
- التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرور ...
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة


المزيد.....




- بواحدة من أقسى بيئات العالم.. كيف يعيد معماري بريطاني تشكيل ...
- المتحدث باسم خارجية إيران لـCNN: التفاوض مع إدارة ترامب يفتق ...
- مسؤول: إيران قد تحدد مهلة 30 يوماً بشأن إعادة فتح مضيق هرمز ...
- واشنطن تبحث توظيف أصول إيرانية مجمدة لتعويض دول الخليج
- أكثر من مليون شخص يشارك في قداس البابا في مدريد
- مدرجات ملعب اليرموك في غزة تتحول إلى فصول دراسية
- عاجل | ترمب: لا أطالب بأن يكون لبنان جزءا من اتفاق قصير الأج ...
- أطفال زامبيا محاصرون بتلوث التعدين ويطالبون بالعدالة
- سيارات لا تموت.. 5 طرازات كسبت رهان الشارع المصري
- تعلم كيف تستخدم مزايا متصفح كروم -السرية-


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - -الأسئلة التي تخافها السلطة- بقلم الطاهر كردلاس المغرب