أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - الطاهر كردلاس - -من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية- بقلم الطاهر كردلاس














المزيد.....

-من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية- بقلم الطاهر كردلاس


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 17:35
المحور: عالم الرياضة
    


"من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية"
بقلم الطاهر كردلاس

ليست المشكلة في كرة القدم، ولا في الملاعب، ولا في أن يجد شعبٌ في انتصار منتخبِه لحظةً يستعيد فيها شيئًا من كرامته الرمزية. فالمجتمعات تحتاج إلى الفرح كما تحتاج إلى الخبز، وإلى الأسطورة كما تحتاج إلى المؤسسة. لكن المأساة تبدأ حين تتحول الأسطورة إلى سياسة، والفرجة إلى عقيدة، والمشهد إلى بديلٍ عن التاريخ.
فليست الحضارات ما تُشيِّده الأيادي وتبنيه السواعد، بل ما تُخفيه الأولويات والقواعد. فكلُّ حجرٍ يرتفع يحمل في جوفه سؤالًا عن حجرٍ آخر لم يُرفع، وكلُّ مشروعٍ يسطع في المشهد العام يُلقي، في الجهة المقابلة، ظلًّا كثيفًا على ما اختير له أن يبقى خارج الضوء. لذلك لا تُقرأ السياسة في خطاباتها، بل في هندسة الصمت؛ ولا يُفهم الاقتصاد من دفاتر الحساب، بل من الجغرافيا التي تتجه إليها الثروة.
فالأوطان لا تكشف حقيقتها فيما تبنيه، بل فيما تؤجل بناءه، لأن السلطة، في نهاية المطاف، ليست فنَّ تشييد العمران، بل فنَّ توزيع الضوء والغياب..
ثمة أوطانٌ لا تُشيِّد ما تحتاجه، بل تحتاج ما تُشيِّده. هناك يصبح الحجر أكثر مواطنةً من الإنسان، وتتحول الخرائط إلى مرايا للرؤية لا إلى خرائط للحياة. فالأنظمة السياسية لا تعيد ترتيب المجال فحسب، بل تعيد ترتيب الإدراك ذاته، حتى يغدو اللامع حقيقة، ويصبح الضروري هامشًا، ويغدو ما يُرى أكثر واقعيةً مما يُعاش.
الإسمنت ليس مادةً هندسية، بل لغةٌ سياسية. كلُّ جدارٍ يرتفع يخفض سؤالًا، وكلُّ مدرجٍ يتسع يضيق معه فضاءٌ آخر لا تلتقطه الكاميرات. فالميزانية ليست جدولًا للأرقام، بل سيرةٌ أخلاقية للدولة؛ تكشف من يُمنح المستقبل، ومن يُؤجَّل إلى الهامش. وكلُّ درهمٍ يُصبُّ في معبدٍ للفرجة، هو في الوقت نفسه، درهمٌ يُسحب من مدرسة، أو مستشفى، أو مختبر، أو طريقٍ ينقذ قريةً من العزلة.
إن أخطر أشكال الفقر ليس نقص المال، بل وفرة الوهم. فحين تستبدل الدولة اقتصاد الإنتاج باقتصاد الصورة، لا تعود تستثمر في الإنسان، بل في الانطباع. تصبح التنمية هندسةً للانبهار، لا أخلاقًا للعمران؛ وتغدو الواجهة أهم من الأساس، والضوء أسبق من الحقيقة.
هنا لا يعود المشهد بريئًا. فالسلطة التي تعجز عن إنتاج العدالة، تُتقن إنتاج الاحتفال. وحين يضيق الواقع عن حمل الوعود، يُوسَّع المسرح حتى يبتلع الوقائع. عندئذٍ يغدو التصفيق رأسمالًا رمزيًا، ويصبح الانتصار الرياضي عملةً نفسية تُعوِّض عجز الاقتصاد عن إنتاج الكرامة. فلا يعود الجمهور يسكن المدرجات، بل المدرجات هي التي تسكن الجمهور.
كلُّ تصفيقٍ طويل هو، في مكانٍ آخر، صمتٌ أطول.
فالسلطة لا تحتاج إلى قمع الأسئلة دائمًا؛ يكفيها أن ترفع صوت المشهد حتى يبدو السؤال نفسه خارج الإيقاع. إنها لا تُخفي الحقيقة، بل تُغرقها في فائضٍ من الضوء، حيث يصبح اللمعان أكثر إقناعًا من المعنى، ويغدو البريق ستارًا لا مرآة.
ليست الملاعب سوى استعارةٍ كبرى؛ والخلاص بهدفٍ في الدقيقة الأخيرة.
هنا تصدح ابحناجر متناسية الهموم الثقيلة وتؤجلها إلى حين..
هناك يُؤجَّل الألم، لا لأنه زال، بل لأنه وجد قناعًا أكثر بهاءً. فالفرجة ليست نقيض الوجع، بل شكله الأكثر تهذيبًا.
وما قيمة أكبر ملعب إذا كان سريرٌ في مستشفى ما غائبًا؟ وما جدوى أسرع قطار إذا كانت قريةٌ ما بأكملها لا تصلها طريق؟ وما معنى استعادة المواهب الكروية من المنافي، بينما تُدفع العقول العلمية والطبية والهندسية إلى منافٍ أخرى؟ إن الأمم لا تُقاس بعدد المقاعد في المدرجات، بل بعدد العقول التي تنتج المعرفة، وعدد الأجساد التي تجد العلاج، وعدد المواطنين الذين يجدون في أوطانهم سببًا للبقاء لا للهجرة.
ولذلك فإن الرياضة ليست خصمًا للتنمية؛ إنها إحدى ثمارها. فالمجتمعات التي صنعت تاريخها لم تجعل الملعب بديلًا عن الجامعة، ولا الكأس بديلًا عن العدالة، ولا الاحتفال بديلًا عن الإنتاج. لقد بنت الإنسان أولًا، فجاءت البطولات نتيجةً لا مقدمة.
أما حين يتحول الوطن إلى مشروعٍ بصري، لا مشروعٍ إنساني، فإن الإنسان يغدو مجرد تفصيلٍ داخل ديكورٍ هائل. وحين تصبح الفرجة ميتافيزيقا الدولة، لا تعود السياسة إدارةً للمستقبل، بل إدارةً للانطباع، ويصبح الزمن نفسه شاشةً عملاقة يُعرض عليها ما يكفي لإلهاء الذاكرة.
غير أن الإسمنت لا يحفظ الذاكرة... إنه يحفظ النسيان.
ولذلك، فليست القضية أن يكون للوطن ملعبٌ أكبر، بل أن يكون للإنسان فيه مكانٌ أوسع. فالحجر لا يصنع التاريخ، وإنما يترك عليه أثره فقط؛ أما التاريخ الحقيقي فيُكتب حيث تُصان الكرامة، ويُنتج العقل، ويجد الجسد حقَّه في الحياة. وكلُّ سلطةٍ تُراكم المشاهد قبل أن تُراكم العدالة، إنما تبني ذاكرةً قابلةً للانهيار، لأن الإسمنت يستطيع أن يرفع الأبراج، لكنه يعجز عن حمل أمةٍ إذا كان الإنسان هو الحلقة الأضعف في أساساتها.
وحين يصبح الوهج بديلًا عن الحقيقة، لا يعود السؤال: كم يتسع الملعب؟ بل: أيُّ فراغٍ في الروح، وأيُّ خللٍ في ميزان الأولويات، احتاج إلى كل هذا الاتساع؟

ختاما أقول إن الفرق بين الحضارة الحقيقية الرمزية والثقافية والإنسانية والاستعراض في البنايات والتشييد والعمران والملاعب وغيرها من البنيات التحتية أن الأولى تترك أثرها في الإنسان، بينما يترك الثاني أثره في الذاكرة البصرية فقط. وما يبقى من الأمم، في نهاية المطاف، ليس ما ارتفع من حجارة، بل ما ارتقى من قيم، ولا ما امتلأت به المدرجات، بل ما امتلأت به العقول. فالتاريخ لا يخلّد من أتقن صناعة المشهد، بل من أتقن صناعة الإنسان.
اكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الأسئلة التي تخافها السلطة- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- تراجع المعارضة في المغرب: -من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السي ...
- الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغر ...
- أزمة التعليم الخصوصي بالمغرب: بين الواجهة والحقيقة بقلم الطا ...
- -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة ...
- التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرور ...
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق


المزيد.....




- تأجيل مباراة المكسيك وإنجلترا في دور الـ16 لمونديال 2026 لمد ...
- صلاح وميسي وجها لوجه.. تاريخ من المواجهات بين قائدي مصر والأ ...
- أميرة النرويج تعانق هالاند بعد الفوز على البرازيل (فيديو)
- فخ الاستحواذ وتبديلات كارثية.. كيف أطاحت تكتيكات أنشيلوتي با ...
- -عندما أريد-.. رونالدو يتحدث عن موعد اعتزاله
- -انتهى الأمر-.. نيمار يعتزل باكيا عقب صدمة توديع البرازيل لم ...
- بعد خروج البرازيل من المونديال.. نيمار يعتزل اللعب الدولي
- بـ8 كلمات.. محمد البرادعي يعلق على فوز النرويج أمام البرازيل ...
- هل ينسحب؟.. بيان عاجل من الاتحاد البلجيكي لكرة القدم بعد تعل ...
- رويترز: ترامب اتصل بإنفانتينو لمراجعة طرد اللاعب الأمريكي با ...


المزيد.....

- مقدمة كتاب تاريخ شعبي لكرة القدم / ميكايل كوريا
- العربي بن مبارك أول من حمل لقب الجوهرة السوداء / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - الطاهر كردلاس - -من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية- بقلم الطاهر كردلاس