أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - احتجاجات أوروبا؛ هل انتهى العقد الاجتماعي؟














المزيد.....

احتجاجات أوروبا؛ هل انتهى العقد الاجتماعي؟


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 16:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست انتفاضات الشارع الأوروبي مجرد فوران عابر للغضب المعيشي، ولا هي ارتداد ميكانيكي ضد غلاء الأسعار؛ بل هي صدع أنطولوجي يفضح الهوة السحيقة بين «إنسان النصوص» الفلسفية و«إنسان الشروط» الفعلية. إننا لسنا بصدد محاكمة أخلاقية تُوزّع فيها اللعنات والفضائل، ولا أمام ميزان ديني يزن الإثم والغفران، ولا هو فعل انتقامي يستجديه التشفي من انكسار النموذج؛ بل نحن في قلب صلب السيرورة التاريخية بما هي عليه: هزّات حتمية تفرضها حركة الوجود، ولحظة فارقة تُجبر الحداثة فيها على استبدال جلدها القديم بعدما ضاق عن اتساع التناقضات.
لكن ماذا بقي من الوعد الأوروبي حين لم يعد الإنسان يجد في المؤسسات ما يكفي من أسباب الثقة، ولا في العمل ما يضمن الكرامة، ولا في الديمقراطية ما يجعله يشعر بأن صوته قادر على تغيير مصيره؟ نحن أمام أزمة سياسات، أم أمام تصدّع في الفكرة التي تأسست عليها الدولة الحديثة: أن يتنازل الفرد عن جزء من حريته للقانون، مقابل أن يحمي القانون حريته وكرامته وأمنه الاجتماعي؟ حين يتحول المجال العام إلى مسرح للمواجهة، فإنه يعري المفارقة الكبرى للسياسة المعاصرة: كيف تحولت الحداثة، التي وُلدت لتحرير الإنسان من أغلال الميتافيزيقا والاستبداد، إلى منظومة إكراه جديدة ترتدي لبوس الضرورة الاقتصادية والكفاءة التقنية؟
إن الشعار التأسيسي للجمهورية — الحرية، المساواة، الإخاء — يواجه اليوم امتحانه الوجودي الأعظم:
* فأي حرية تبقى حين تصبح القدرة على الاختيار رهينة الموقع الطبقي والهشاشة الاجتماعية؟
* وأي مساواة تلك التي تتكافأ فيها الذوات أمام مداد الدستور بينما تتباعد جذريًّا في امتلاك شروط البقاء؟
* وأين يستقر الإخاء في مجتمعات أفرزتها آليات السوق ليتجاور فيها الأفراد كأرقام متناثرة، تفرقهم المصالح وتجمعهم خيبة الأمل؟
لقد أفرطت الحداثة المتأخرة في تكريس العقل الأداتي؛ حيث أُعيدت هندسة الإنسان ليغدو مجرد ترس في عجلة الإنتاج — فالطالب علامة، والمريض كلفة، والعامل مؤشر تنافسية، والمواطن زبون ينبغي تكييف طموحاته مع حدود الميزانية. وحين يغيب السؤال الأخلاقي عن أولويات التوزيع، وتُكبل العدالة الاجتماعية بصرامة الحساب المالي، يفقد الاستقرار السياسي شرعيته الأخلاقية، ليستحيل القانون أداة لإدارة الرعايا بدلاً من أن يكون وثيقة تضامن بين مواطنين أحرار.
وهنا تنكشف الهشاشة الهيكلية لدولة الرفاه المتراجعة؛ فالسوق الذي يقيس القيمة بالعائد المادي لا يبالي بكرامة الذات الفاعلة. وحين يُطلب من الفرد أن يتحمل وحدَه التبعات الهيكلية للأزمات، يُصادر حقّه في الفاعلية السياسية، ويُجرّد من إنسانيته التي ناضلت الفلسفة الإيمانويلية لترسيخها بوصفها «غاية في ذاتها لا وسيلة لشحذ آلات الإنتاج».
من هنا يأتي الاحتجاج ليس بوصفه فوضى تهدد النظام، بل كصرخة معرفية وسياسية تُعيد تسمية التجربة؛ إنه يسحب العجز الفردي من عزلته ليضعه في واجهة الصراع العام. غير أن الشارع ليس معصومًا بحد ذاته؛ فالغضب، مهما بلغت مشروعيته، لا ينتج بدائل ناضجة ما لم يقترن بعقل نقدي متيقظ، يرفض الشعبوية الاستقطابية، ويتحاشى تحويل المظلمة إلى رخصة لإهدار حقوق الآخرين.
وفي هذا المأزق المترامي، تسقط الدولة مرارًا في وهم الحلول السطحية؛ فالمقاربات الأمنية المحضة لا تزيد الطين إلا بلة، إذ تعامل العرض وتتجاهل الجسر، وتؤجج بالبطش لغة القطيعة بدل ردم الهوة. وفي المقابل، فإن التساهل الرخو والتغاضي العبثي لا يزيمان سوى مزيد من التسيب والانفلات، معلنين سقوط هيبة القانون في مستنقع العجز. ما تحتاجه المجتمعات اليوم ليس قبضة حديدية عمياء ولا ليونة مفرطة، بل مقاربة جذرية ونافذة تعانق النصوص بجرأة، وتلامس الواقع المادي بعمق؛ مقاربة تعيد حفر الأسئلة في بنية النظام الاقتصادي والاجتماعي، وتفكك جذور الاستبعاد عوض الاكتفاء برش الإسعافات الأولية على واجهة أزمة تتسع كل يوم.
إن الأزمة اليوم لا تكمن في نقص الموارد أو تعثر تقنيات الإدارة، بل في تراجع الفكر النقدي الذي جرى استبداله بلغة الامتثال الرقمي والحلول التكنوقراطية. لقد باتت المؤسسات مطالبة بالعودة إلى حقيقة أصلها: أن تكون خادمة لإنسانية الإنسان، لا سيدة تُشكل الكائنات وفق مقاييسها الخاصة.

إن الحضارات لا تنهار حين تفرغ خفائنها من الثروة، بل حين تُفرغ قيمها العظمى من مضمونها الحي وتتحول إلى مجرد شعارات بلاغة احتفالية. إن الحرية التي لا تمنح الإنسان قدرة فعلية على العيش الكريم تظل وهمًا مجردًا، والمساواة التي تقف عند حدود النصوص وتتغافل عن تفاوت الأسباب تظل صنيعة شكليّة، والإخاء الذي يعجز عن حماية الضعيف من لامبالاة البنية السياسية يفقد روحه التأسيسية.
إن الرهان الحقيقي الذي يواجه أوروبا والحداثة اليوم لا يكمن في فرض التهدئة بالأجهزة والقوة، ولا في استعادة السكون الظاهري للشارع؛ بل في رد الاعتبار للكائن البشري باعتباره الجوهر والغايـة التي لأجلها تُصاغ الميزانيات وتُشرّع القوانين. وإذا لم تستطع الحداثة مراجعة عقلها الأداتي واستعادة روحها الأخلاقية، فإن الشارع سيبقى النص المفتوح الذي يكتب فيه المقهورون بأصواتهم وحضورهم ما عجزت لغة السلطة عن استيعابه: أن الإنسان أسمى من كل حساب، وأبقى من كل نظام.



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة حنظلية عنوانها : -محاكمة في زنزانة الوجود- بقلم الطاهر ك ...
- -من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية- بقلم الطاهر كردلاس
- -الأسئلة التي تخافها السلطة- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- تراجع المعارضة في المغرب: -من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السي ...
- الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغر ...
- أزمة التعليم الخصوصي بالمغرب: بين الواجهة والحقيقة بقلم الطا ...
- -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة ...
- التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرور ...
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-


المزيد.....




- العلماء يتوقعون حدوث عاصفة نيزكية فوق الأرض عام 2099
- خدمة ستارلينك ليست لقتل المدنيين
- البنتاغون يجهز القواعد العسكرية الأمريكية للعمل ذاتيا لفترات ...
- -علينا أن نكمل المهمة التي بدأناها-.. ترامب يطالب الإسرائيلي ...
- لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية رابعة في البرازيل
- ترامب يتراجع عن تصريحاته ويشيد بـ-صمود- الشعب الليبي بعد أزم ...
- دميترييف يؤكد أن ماسك يريد السلام وزيلينسكي يريد الحرب والما ...
- مغنية راب كولومبية تدوس على علم إسرائيل وتمسح حذاءها به خلال ...
- -وول ستريت جورنال-: صواريخ حوثية تقتل 75 على الأقل في معسكر ...
- صربيا: فوتشيتش يقر بهزيمته في الانتخابات البرلمانية الحاسمة ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - احتجاجات أوروبا؛ هل انتهى العقد الاجتماعي؟