أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطاهر كردلاس - قصة حنظلية عنوانها : -محاكمة في زنزانة الوجود- بقلم الطاهر كردلاس.














المزيد.....

قصة حنظلية عنوانها : -محاكمة في زنزانة الوجود- بقلم الطاهر كردلاس.


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 01:55
المحور: الادب والفن
    


قصة حنظلية
عنوانها :
"محاكمة في زنزانة الوجود"
بقلم الطاهر كردلاس.
استيقظ حنظلة على وقع طنين معدني بارد يلتف حول إصبعه الأوسط، في صبيحة رمادية باهتة لا يبدو أن لها أولاً أو آخراً. لم يكن الإحساس مجرد تنميل عابر، بل كان نبضاً غريباً لكائن طفيلي صلب غاص في اللحم والتصق بالعظم، كأنه تشريع أزلي لا يملك أحد إلغاءه. وفي ذات اللحظة، وجد نفسه مقاداً بخطوات ثقيلة ومترددة عبر أروقة مترامية الأطراف، تفوح منها روائح الصدأ، ورطوبة الأقبية القديمة، وعفن الأوراق الصفراء المتراكمة لقرون.
انتهى به المطاف في قاعة محكمة ضخمة ومهيبة، تتوسطها منصة عالية يعلوها القاضي بهيئته الصماء المجهولة، يختفي نصف وجهه خلف ظلال الكتب القانونية المهترئة. وعلى مقربة منه، جلست النيابة العامة بعيون فولاذية متربصة تحصي الأنفاس، بينما وقف محاميه منحني الظهر، مستغرقاً في تقليب أوراق بيضاء خالية تماماً من أي حروف. وفي الخلف، تراصت وجوه الجمهور بلا ملامح في مقاعد خشبية، تحدق في الفراغ ببرود تام كأنها تنتظر الفصل الأخير من مسرحية مكررة.
دون سابق إنذار، صدر أمر قضائي بصمت مطبق بأن يتقدم حنظلة نحو طاولة خشبية متآكلة استقرت عليها سكين مطبخ قديمة وصدئة. شعر بدفعٍ خفي وقاهر ينبعث من طنين الخاتم في إصبعه، محركاً يده بآلية صارمة لا تقبل التردد. وببرود يشبه إجراءات إدارية روتينية، وجد حنظلة نفسه يغرز السكين في صدر كائن غريب وقف أمامه دون حراك.
لم تكن هناك صرخات ألم، بل تفجرت من الجرح فجأة دماء كثيفة ولزجة غزت أرضية القاعة بسرعة مرعبة. تصاعد الدم تدريجياً ليصل إلى الكاحلين ثم الركبتين، بينما علت وجوه الحاضرين في القاعة ابتسامات خاوية وساخرة. وسط هذا الطوفان الأحمر، فقد حنظلة أعصابه وصرخ بأعلى صوته محتجاً أمام النيابة والقاضي: "بأي حق يحدث هذا؟ أنا لم ارتكب ذنباً واحداً! إنني بريء!"
جاءه الرد، ليس من شفاه القاضي، بل من صوت معدني خشن ينبعث من الخاتم نفسه كأنه صوت آلة كاتبة قديمة: "البراءة والذنب مصطلحات لا معنى لها هنا. أنت لم تُحاكم على ما فعلته اليوم، بل لأنك وُلدت وفي إصبَعك هذا الخاتم. الجريمة هي وجودك بذاته، وهذا الدم هو المحبرة التي يُكتب بها قضاؤك الأبدي."
الجنون المطبق أخذ يتسلل إلى عقله، فحاول حنظلة أن يقطع إصبعه الملعون بالسكين ليهرب من هذا الجحيم البيروقراطي، لكن السكين تحطمت وتناثرت شظاياها بمجرد ملامستها لفضة الخاتم الصلبة. ومع تواصل ارتفاع منسوب الدماء ليغمر القاعة بأسرها، جلس حنظلة على حافة المنصة العالية مستسلمًا لحتفه، مدركًا أن دائرته قد أُغلقت للأبد.
ولكن المحاكمة لم تنتهِ عند حدود القاعة؛ بل جرجروه فوراً في أصفاد وسلاسل معدنية ثقيلة، تخط خطوطاً قاسية على أرضية الممر البيروقراطي البارد، بينما كان الخاتم اللعين يواصل طنينه المعدني الرتيب. لم تكن السلاسل تقيد جسده فحسب، بل كانت توثق روحه في سجلات إدانة أزلية، حتى ألقوا به بلا رحمة في زنزانة معتمة ورطبة تنبعث من جدرانها رائحة اليأس المزمن.
لم يكد باب السجن الحديدي الغليظ يغلق بضجيجه المرعب خلفه، حتى استقبله السجناء بموجة من العنف الأعمى. لم يكن عداؤهم ناتجاً عن بغضاء شخصية، بل عن رعب حقيقي؛ فقد شعر أولئك المجرمون المخضرمون، بطستهم الفطرية، أن حنظلة يحمل في إصبعه خطراً كونياً مبهمًا يهدد بانهيار الزنزانة على رءوسهم. تدافعوا عليه بلكمات وركلات وحشية، ومزقوا ثيابه البالية، مطردين إياه إلى أظلم زوايا المكان وهم يصيحون بكلمات مبهمة تتوسل طرده.
تكوم حنظلة في عتمة الزاوية، ينزف بصمت بينما كان الخاتم يضيق أكثر فأكثر على عظامه المحطمة. أدرك حينها الحقيقة المرعبة بكامل عبثيتها: لم يكن مجرد متهم في محكمة صماء، بل كان وباءً متنقلاً يُدين كل من يقترب منه. وفي ظل غياب أي بصيص عدل، وتحت وطأة العزلة القاتلة، ونظرات السجناء المرعوبة من برائته، لم يجد فراراً من هذا الجحيم الإداري سوى انتزاع حياته بنفسه، ملقياً بجسده المنهك نحو نهايته الحتمية، ليختم بدمه صك اتهام مزور لم يصنعه، ظلاً مظلوماً في عالم يخلو تماماً من أي رحمة.
الطاهر كردلاس أكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية- بقلم الطاهر كردلاس
- -الأسئلة التي تخافها السلطة- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- تراجع المعارضة في المغرب: -من صوت الشعب إلى سؤال المعنى السي ...
- الأول من ماي: -حين يصير الزمن ساحة صراع- الطاهر كردلاس المغر ...
- أزمة التعليم الخصوصي بالمغرب: بين الواجهة والحقيقة بقلم الطا ...
- -اغتراب الطفولة في المنظومة التعليمية: حين تُستبدل الكينونة ...
- التفسير والتأويل في الحضارة الإسلامية: جدلية الثبات والصيرور ...
- -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...


المزيد.....




- شريك رئيسي بفعالية -تايم 100 آرت-.. مؤسسة قطر تعيد إرث مقبول ...
- لمواجهة طوفان -نازا-.. الجيش الإسرائيلي يدافع عن روايته بفيل ...
- وزير الثقافة: اجتماع حلف مكة يؤسس لمحور إقليمي جديد واستعادة ...
- نجل الفنان الراحل نضال سيجري يعلن قبوله في المعهد العالي للف ...
- بعد أزمة النجوم.. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى الع ...
- اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي
- فيلم -كلايفيس-.. وحش بلا وجه يحتل غوثام وينتظر باتمان
- حماس تهاجم بيان غوتيريش وتتهمه بتبني الرواية الإسرائيلية في ...
- بطرسبورغ تحتفي بذكرى ميلاد شاعرها الأسطوري ليرمونتوف
- ملكة قازان وبرجها الغامض.. قصة سيومبيكي بين الحقيقة والأسطور ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطاهر كردلاس - قصة حنظلية عنوانها : -محاكمة في زنزانة الوجود- بقلم الطاهر كردلاس.