أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فرست مرعي - براهين وجود الله ومواجهة الإلحاد المعاصر: قراءة عقلية في تراث الغزالي وابن رشد وابن تيمية















المزيد.....

براهين وجود الله ومواجهة الإلحاد المعاصر: قراءة عقلية في تراث الغزالي وابن رشد وابن تيمية


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 14:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يمثل سؤال وجود الله تعالى واحدًا من أقدم الأسئلة التي شغلت العقل الإنساني، وهو في الوقت نفسه من أكثر الأسئلة حضورًا في الفكر الفلسفي المعاصر. فالإلحاد الحديث لم يعد مجرد إنكار بسيط لوجود الخالق، بل أصبح في بعض اتجاهاته مشروعًا فلسفيًا يحاول تفسير الكون والإنسان والعقل والأخلاق من خلال المادة والطبيعة والقوانين الفيزيائية، أو يرى أن فرض وجود إله ليس ضروريًا لتفسير العالم. وفي المقابل، لم يكن الإيمان بالله في التراث الإسلامي مجرد اعتقاد موروث، وإنما نشأت حوله منظومة واسعة من البراهين العقلية، شارك في بنائها علماء الكلام والفلاسفة وأهل النظر.
وقد اختلف هؤلاء في طرائق الاستدلال، بل اختلفوا أحيانًا في تعريف طبيعة البرهان نفسه، لكنهم اشتركوا في قضية أساسية، هي أن الاعتقاد بوجود الله يمكن أن يكون موضوعًا للبحث العقلي، وأن السؤال عن أصل الوجود لا يمكن إلغاؤه بمجرد الاكتفاء بوصف الظواهر الطبيعية.
ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى بعض البراهين الكبرى، وفي مقدمتها برهان الوجود، وبرهان الإمكان والوجوب، وبرهان الحدوث، وبرهان النظام والغائية، ثم مقارنتها ببعض الاعتراضات الإلحادية الحديثة.
برهان الإمكان والوجوب
يقوم برهان الإمكان على التمييز بين الموجود الممكن والموجود الواجب. فالممكن هو الذي لا يقتضي ذاته الوجود ولا العدم؛ أي إن وجوده ليس ضروريًا من ذاته، ولذلك يحتاج إلى سبب يفسر وجوده. أما الواجب فهو الذي لا يمكن تصور عدمه، ولا يحتاج في أصل وجوده إلى علة خارجة عنه.
والعالم الذي نعرفه يبدو من الموجودات الممكنة؛ فهو متغير، مركب، قابل للوجود والعدم، ويمكن تصور عدمه دون تناقض منطقي. فإذا كان وجوده ممكنًا وليس واجبًا بذاته، فإن السؤال عن سبب وجوده يصبح مشروعًا.
وهنا تظهر المشكلة: إذا كان كل موجود ممكن يحتاج إلى موجود آخر يفسر وجوده، فإن سلسلة الموجودات الممكنة لا تقدم تفسيرًا نهائيًا إذا ظلت كلها محتاجة إلى غيرها. ولذلك ينتهي البرهان إلى ضرورة وجود موجود غير محتاج إلى غيره، أي واجب الوجود.
وقد اشتهر هذا المسلك بصورة خاصة عند ابن سينا، الذي بنى جزءًا كبيرًا من فلسفته الإلهية على التمييز بين واجب الوجود وممكن الوجود. وهو يختلف عن برهان الحدوث عند المتكلمين في أن السؤال هنا لا يتعلق بالضرورة ببداية زمنية للكون، وإنما يتعلق بكون الموجود مفتقرًا في وجوده إلى علة.

وهذه نقطة مهمة في الحوار مع الإلحاد المعاصر؛ لأن القول بأن الكون ربما لا تكون له بداية زمنية لا يحسم مسألة الإمكان. فإذا افترضنا كونًا أزليًا من الناحية الزمنية، يبقى السؤال: هل وجود هذا الكون واجب بذاته أم أنه وجود ممكن يحتاج إلى تفسير؟
ومن هنا يختلف سؤال "متى بدأ الكون؟" عن سؤال "لماذا يوجد الكون أصلًا؟".

برهان الحدوث
أما برهان الحدوث، فقد كان من أشهر البراهين التي اعتمد عليها علماء الكلام، ومن أبرز من دافع عنه الإمام أبو حامد الغزالي.
يقوم البرهان في صورته الكلامية على مقدمات، أهمها أن العالم حادث، وأن كل حادث يحتاج إلى مُحدِث، ومن ثم يحتاج العالم إلى محدث خارج عنه.
وقد ناقش الغزالي هذا الموضوع بصورة واسعة، ولا سيما في كتابه تهافت الفلاسفة، حيث انتقد القول بقدم العالم، وحاول أن يبين أن العالم ليس قائمًا بذاته ولا يمكن أن يكون مستغنيًا عن محدثه.
ويختلف هذا البرهان عن برهان الإمكان في زاوية النظر. فبرهان الحدوث يسأل: هل العالم له بداية أو هو حادث؟ أما برهان الإمكان فيسأل: هل العالم محتاج في وجوده إلى غيره؟
وقد أصبح هذا الفرق مهمًا في الفكر الحديث بعد تطور علم الكونيات ونظريات نشأة الكون. فبعض المدافعين عن الإيمان بالله رأوا في بداية الكون الفيزيائية الحديثة دعمًا لفكرة الحدوث، بينما ينبغي الحذر من مساواة النموذج الكوني المعاصر بالبرهان الكلامي مباشرة. فالفيزياء تصف تاريخ الكون المرصود وحدود النماذج الكونية، بينما يبحث علم الكلام والفلسفة في معنى الحدوث والافتقار والعلة.
ومن هنا لا يصح أن يقال ببساطة إن "الانفجار العظيم أثبت وجود الله"، كما لا يصح القول إن أي نموذج كوني مستقبلي ينفي بداية زمنية سيهدم بالضرورة الإيمان بالله. فالمسألة الفلسفية أعمق من نموذج علمي معين.

برهان الوجود والواجب
هناك أيضًا مسار فلسفي آخر يمكن تسميته بصورة عامة برهان الوجود، وهو ينطلق من مفهوم الموجود الضروري أو من تحليل معنى الوجود ذاته. وهنا تتعدد الصيغ الفلسفية لهذا البرهان، ولا ينبغي اختزالها في صورة واحدة.
وقد جعل ابن سينا مفهوم واجب الوجود محورًا أساسيًا في فلسفته. فواجب الوجود لا يكون وجوده ممكنًا أو محتاجًا إلى علة، لأنه لو احتاج إلى علة لم يكن واجبًا بذاته.
وهذا يقود إلى سؤال مهم: هل يمكن أن يكون الكون نفسه هو واجب الوجود؟

الإجابة تحتاج إلى تحليل طبيعة الكون. فالكون الذي نعرفه يتكون من أشياء متغيرة ومترابطة، وتوجد فيه حالات كان يمكن تصور غيرها، وقوانين وخصائص لا تبدو منطقية بالمعنى الذي يجعل نقيضها مستحيلًا. ولذلك يرى الاتجاه التوحيدي أن جعل الكون واجب الوجود لا يحل المشكلة، بل ينقلها دون تقديم تفسير كافٍ.
أما الملحد فقد يجيب بأن "الكون موجود فحسب"، وأن البحث عن تفسير خارج الكون غير ضروري. وهذه إجابة فلسفية ممكنة من حيث الصياغة، لكنها لا تمثل برهانًا على أن الكون واجب الوجود، وإنما تعني التوقف عند الكون باعتباره حقيقة أولية.
وهنا يظهر الفرق بين رفض السؤال والإجابة عنه.

برهان النظام والغائية
من أقدم الأدلة التي لفتت النظر إلى وجود الله دليل النظام. فالكون يتميز بانتظام القوانين، وترابط الظواهر، وقابلية الطبيعة للوصف الرياضي، ووجود شروط تسمح بظهور الحياة.
وقد كان هذا المعنى حاضرًا في القرآن بصورة واضحة في دعوة الإنسان إلى النظر في السماوات والأرض، قال تعالى:﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: 3].
وقد استخدم علماء المسلمين صورًا مختلفة من الاستدلال بالنظام، وإن لم يكن الجميع يصوغونه بالطريقة نفسها.
وعند ابن رشد نجد اهتمامًا خاصًا بدليل العناية والاختراع؛ أي إن النظر في انتظام العالم وملاءمة الموجودات لغاياتها يمكن أن يقود إلى معرفة الصانع. وقد رأى أن هذا النوع من الاستدلال أقرب إلى المنهج القرآني من بعض البراهين الفلسفية المجردة.
أما الإلحاد الحديث فقد قدم عدة اعتراضات على دليل النظام، من أهمها نظرية التطور والانتخاب الطبيعي، التي تبين كيف يمكن لآليات طبيعية أن تنتج أشكالًا شديدة التعقيد دون الحاجة إلى افتراض تدخل مباشر في كل تفصيل بيولوجي.
لكن وجود تفسير طبيعي لآلية معينة لا يساوي بالضرورة نفي وجود الله. فهناك فرق بين سؤال: كيف حدث التطور؟ وسؤال: لماذا توجد طبيعة وقوانين وكون يسمح أصلًا بوجود الحياة والتطور؟
ولهذا يمكن للإيمان بالله أن يتوافق مع قبول التطور البيولوجي عند من يرى أن العمليات الطبيعية نفسها جزء من نظام الخلق، بينما يظل الخلاف الحقيقي متعلقًا بالسؤال الفلسفي الأعمق حول أصل القوانين والوجود والغاية.

برهان الفطرة

لا يقتصر الاستدلال الإسلامي على البراهين الفلسفية، بل يستند أيضًا إلى الفطرة الإنسانية. يقول تعالى:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30].
وقال النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة».
والفطرة ليست بديلًا عن البرهان العقلي، وإنما هي استعداد إنساني أولي يجعل سؤال الخالق والمعنى سؤالًا متجذرًا في الوجود البشري.
وقد يعترض الملحد بأن وجود الاعتقاد الديني في مختلف المجتمعات يمكن تفسيره نفسيًا أو اجتماعيًا أو تطوريًا. وهذا صحيح من حيث إمكانية دراسة الوظائف الاجتماعية والنفسية للدين، لكنه لا يثبت أن موضوع الاعتقاد نفسه غير حقيقي.
فإذا فسّر علم النفس لماذا يحب الإنسان الحقيقة، فهذا لا يعني أن الحقيقة غير موجودة. وإذا فسر علم الاجتماع نشأة مؤسسة دينية، فلا يلزم من ذلك أن الله غير موجود.

برهان الأخلاق
من أقوى الأسئلة التي تواجه التصور المادي الخالص سؤال الأخلاق.
إذا كان الإنسان مجرد نتاج للعمليات الفيزيائية والتطور البيولوجي، فهل تكون القيم الأخلاقية مجرد استراتيجيات للبقاء؟ وإذا كانت كذلك، فما الذي يجعل الظلم شرًا بصورة موضوعية؟
يمكن للإلحاد أن يقدم تفسيرًا تطوريًا لنشأة بعض السلوكيات الأخلاقية، مثل التعاون والإيثار، لكن تفسير نشأة الاعتقاد الأخلاقي يختلف عن إثبات موضوعية القيمة الأخلاقية.
فقد يكون من المفيد تطوريًا أن يتعاون الإنسان، لكن هذا لا يجيب وحده عن السؤال: لماذا يجب عليه أن يكون عادلًا حتى عندما لا تحقق العدالة له منفعة؟
أما التصور الإسلامي فيربط الأخلاق بالله وبالمسؤولية والجزاء، ويجعل الخير والشر جزءًا من منظومة تتجاوز أهواء الأفراد والمجتمعات.

مشكلة الشر
تظل مشكلة الشر والألم من أقوى الاعتراضات الإلحادية المعاصرة. فإذا كان الله قادرًا ورحيمًا، فلماذا يسمح بوجود المرض والكوارث والقتل والظلم؟
لا يمكن الاستهانة بالسؤال، لكنه لا يؤدي منطقيًا إلى إثبات عدم وجود الله. فالقول إن وجود الشر يتناقض مع وجود الله يتطلب إثبات أن وجود الله يمنع منطقيًا كل شر ممكن، وأن الإنسان قادر على معرفة جميع الحكم والغايات المرتبطة بالأحداث، وهذان افتراضان يحتاجان إلى برهان.

والتصور الإسلامي لا ينكر حقيقة الألم، بل يضع الحياة ضمن منظومة الابتلاء والمسؤولية والآخرة. قال تعالى:﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
ومن ثم فإن وجود الألم لا يعني بالضرورة غياب الحكمة، وإن كان الإنسان لا يستطيع في كل حالة فردية أن يعرف الحكمة التفصيلية وراء وقوعها.

ابن تيمية ونقد بعض البراهين الفلسفية
يمثل ابن تيمية اتجاهًا مهمًا في هذه القضية؛ فقد انتقد عددًا من الصياغات الفلسفية والكلامية المجردة، لكنه لم يكن رافضًا للاستدلال العقلي من حيث الأصل. بل أكد أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح.
وكان اهتمامه كبيرًا بضرورة بناء المعرفة على الفطرة والواقع والمشاهدة، وانتقد بعض التصورات التي تجعل الوصول إلى معرفة الله متوقفًا على مقدمات فلسفية معقدة.
وهذه الفكرة مهمة في الحوار المعاصر؛ لأن الإيمان بالله لا ينبغي أن يكون مقصورًا على النخبة الفلسفية. فمعرفة الله يمكن أن تتساند فيها الفطرة والعقل والنظر في الكون والوحي، بينما تأتي البراهين الفلسفية لتزيد قوة النظر والتأمل.

الغزالي وابن رشد وابن تيمية: اختلاف المناهج واتفاق المقصد
عند مقارنة هؤلاء العلماء الثلاثة نجد اختلافًا واضحًا في المنهج.
فالغزالي استخدم العقل والمنطق في نقد الفلسفة من داخل أدواتها، وخصوصًا في قضايا الإلهيات والقدم والسببية.
وابن رشد حاول الدفاع عن مشروعية البرهان الفلسفي، ورأى أن النظر العقلي الصحيح لا يمكن أن يتناقض مع الوحي الصحيح، واستفاد من أدلة العناية والاختراع.
أما ابن تيمية فانتقد كثيرًا من المصطلحات والمقدمات الفلسفية، وأكد أهمية الفطرة والعقل الصريح والنص الشرعي.
ومع ذلك، لا ينبغي تصويرهم وكأنهم أصحاب مشروع واحد؛ فبينهم اختلافات عميقة في تصور طبيعة السببية، والقدم والحدوث، والصفات، وحدود الفلسفة، وطريقة الاستدلال. وهذه الاختلافات نفسها تكشف ثراء التراث الإسلامي في التعامل مع الأسئلة العقلية.

الإلحاد العلمي وحدود العلم
من أبرز صور الإلحاد المعاصر ما يمكن تسميته العلموية؛ أي الاعتقاد بأن ما لا يمكن إثباته بالتجربة العلمية لا يمكن أن يكون معرفة حقيقية.

لكن هذه القضية تحمل مفارقة؛ لأن العبارة نفسها ليست نتيجة تجربة علمية. فلا يمكن للمختبر أن يثبت بالتجربة أن "كل معرفة صحيحة يجب أن تكون تجريبية". هذه قضية فلسفية وليست علمية.
والعلم عظيم في مجاله، لكنه لا يجيب وحده عن جميع الأسئلة المتعلقة بالقيمة والمعنى والغاية والميتافيزيقا.
ومن هنا لا يوجد تعارض ضروري بين العلم والإيمان بالله. التعارض ينشأ عندما يتحول أحدهما إلى مجال لا يملكه: عندما يتحول الدين إلى بديل عن العلم التجريبي في تفسير الظواهر الطبيعية، أو عندما تتحول العلوم الطبيعية إلى فلسفة شاملة تنكر ما يتجاوز أدواتها.

وفي الختام فإن قضية وجود الله ليست قضية يمكن حسمها بشعار أو مقطع قصير أو حجة واحدة. إنها سؤال فلسفي ووجودي واسع تتداخل فيه قضايا أصل الكون، والإمكان والوجوب، والسببية، والنظام، والوعي، والأخلاق، والفطرة، والوحي.
وقد قدم التراث الإسلامي نماذج متعددة للتعامل مع هذه القضية؛ من برهان الحدوث عند علماء الكلام، إلى برهان الإمكان والوجوب عند ابن سينا، إلى أدلة العناية والاختراع عند ابن رشد، إلى تأكيد ابن تيمية على الفطرة والعقل الصريح، وإلى الجمع الذي نجده عند الغزالي بين البرهان والنظر في النفس والكون والوحي.
وفي مواجهة الإلحاد المعاصر، لا ينبغي الاكتفاء بالقول إن العلماء المسلمين سبقوا الفلاسفة الغربيين، ولا أن كل ما يقوله الملحدون باطل، بل المطلوب هو إعادة بناء الحوار على أساس السؤال والبرهان. فبعض الحجج الإلحادية يثير أسئلة حقيقية تستحق الإجابة، وبعضها يقوم على انتقال غير مبرر من حقيقة علمية إلى نتيجة فلسفية.
والنتيجة الأهم أن تفسير الظاهرة ليس هو بالضرورة تفسير أصل وجودها؛ فمعرفة قوانين الطبيعة لا تجيب وحدها عن سؤال لماذا توجد الطبيعة، ومعرفة آليات الوعي لا تحسم وحدها سؤال حقيقة الوعي، ومعرفة الأساس التطوري لبعض السلوكيات لا تجعل القيمة الأخلاقية مجرد وهم.
إن الإيمان بالله في التصور الإسلامي لا يقوم على إلغاء العقل، بل على استعماله في موضعه الصحيح، والاستفادة من الفطرة، والنظر في الكون والإنسان، ثم الاستماع إلى الوحي. ولذلك فإن أقوى مواجهة للإلحاد ليست في مهاجمة الملحد، وإنما في إعادة بناء السؤال عن الوجود نفسه: هل العالم مكتفٍ بذاته، أم محتاج؟ وهل المادة تفسير نهائي أم تحتاج إلى تفسير؟ وهل العقل مجرد نتاج أعمى للعمليات الطبيعية، أم أنه قادر على إدراك الحقيقة؟ وهل الأخلاق مجرد منفعة تطورية، أم لها أساس موضوعي؟ وهل الكون بلا غاية، أم أن وجود الإنسان يفتح سؤال المعنى والمصير؟
وعندما تُطرح هذه الأسئلة بهدوء، يتبين أن القضية أكبر من مجرد صراع بين الدين والعلم؛ إنها بحث في طبيعة الواقع نفسه، وفي أفضل تفسير ممكن لوجود الكون والإنسان والعقل والقيمة والمعنى. ومن هنا يبقى الإيمان بالله، في المنظور الإسلامي، ليس هروبًا من السؤال العقلي، بل إجابة فلسفية ووجودية متكاملة عنه، تستند إلى اجتماع الفطرة والعقل والكون والوحي في بناء رؤية واحدة للوجود.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلاح الفصائل العراقية بين الدولة والمحور: قراءة في مواقف الإ ...
- الرد على الإلحاد وصوره في ضوء القرآن والسنة والفقه الإسلامي
- تحولات الخطاب الإلحادي المعاصر: نقد المرجعية الدينية وتعدد م ...
- مؤسسات الإلحاد المعاصر ودورها في تعزيز المشروع اللاديني
- الكتاب خلف القضبان: سجن الموصل سنة 1984م وشهادة على الرقابة ...
- الدولة والقبيلة في الشرق الأوسط: صراع السلطة بين الإدارة الم ...
- ديوالي آغا الدوسكي: الزعامة العشائرية والدور الاجتماعي والسي ...
- عام الفيل بين الرواية الإسلامية والقراءات الاستشراقية الحديث ...
- من اللاهوت إلى الاحتجاج السياسي: الكلدان والسريان والآشوريون ...
- من العمادية إلى روما: قصة بطرس جيسي... أول كردي مسلم توثّق ا ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- الإرساليات البروتستانتية والنشاط التبشيري في كردستان العراق ...
- الجامع الكبير في دهوك: أئمةٌ صنعوا الوعي وشجاعةٌ حفظت هوية ا ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(3)


المزيد.....




- ماء مغلي لإثبات الصداقة.. التحدي يعود في مصر رغم تحذيرات الأ ...
- دعا الى الاستثمار في مستقبل الشباب المسيحي كجزء من بنية الاق ...
- على بعد خطوات منه.. 35 قرارا إسرائيليا تفصل فلسطينيا عن المس ...
- الكنيسة الأرثوذكسية الصربية تحذر من تهميش الوجود المسيحي في ...
- مجزرة في حي الرمال تودي بحياة أكاديمية وسيدتين من رعية الكني ...
- -اليهودية الجديدة- التي تعيد تشكيل إسرائيل
- الرئيس عون يجدد دعوته إلى شيخ الأزهر لزيارة لبنان
- رئيس كتلة صويانا يستحضر مواقف -مام جلال- تجاه المسيحيين بعد ...
- دُفن بالزي الإسرائيلي ملفوفا بعلم مصر.. قصة -العميل 1001- ا ...
- اتهام رجلين إيرانيين بالتخطيط -لعمل إرهابي- ضد الجالية اليهو ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فرست مرعي - براهين وجود الله ومواجهة الإلحاد المعاصر: قراءة عقلية في تراث الغزالي وابن رشد وابن تيمية