محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 10:11
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
الجذر أمازيغي، والروافد متعددة، والجامع هو الجزائر. هذه ليست جملة عابرة، بل خلاصة تاريخ طويل تشكّل عبر قرون من الوجود والتفاعل والتلاقح الحضاري، وترك في أرض الجزائر ذاكرة لا يمكن اختزالها في مرحلة واحدة أو مكوّن واحد.
قبل العربية والإسلام، كانت لهذه الأرض جذور أمازيغية عريقة، تشهد عليها نوميديا وآثارها ونقوشها وأسماء أماكنها وما تركه الأجداد من ممالك وشخصيات وحضارات. ثم جاءت العربية والإسلام، فدخلا في مسار التاريخ الجزائري وترسّخا عبر القرون، وأصبحا جزءًا أساسيًا من ثقافة المجتمع الجزائري وذاكرته ولسانه وحياته اليومية.
لكن التاريخ لا يُكتب بمنطق الإلغاء والمحو؛ فلا العربية ألغت الجذر الأمازيغي، ولا الاعتزاز بالأمازيغية يعني إنكار ما أضافته العربية والإسلام عبر قرون طويلة. فالأوطان لا تُبنى على إنكار ماضيها، وإنما على فهمه واحترامه ووضع كل مرحلة في سياقها التاريخي.
المشكلة ليست في تعدد روافدنا، فالتعدد ثراء، وإنما في تحويل هذا التعدد إلى صراع، والاختلاف إلى خصومة، والتاريخ إلى ساحة لتبادل الاتهامات. فالجزائري ليس مطالبًا بأن يختار بين جذوره وروافده، ولا أن يرى في أحد مكوّنات تاريخه نقيضًا لمكوّن آخر.
هويته أوسع من لغة واحدة، وأعمق من حقبة واحدة، وأكبر من انتماء واحد، وأسمى من أن تُختزل في معركة عابرة على صفحات التواصل الاجتماعي. الجذور أمازيغية، والروافد متعددة، والتاريخ مشترك، والانتماء جزائري.
ومن يعرف قيمة وطنه لا يمحو جذوره، ولا يكره روافده، ولا يحوّل الاختلاف إلى كراهية، ولا يجعل الماضي سلاحًا ضد أبناء الحاضر. فالوطن الذي يحترم تاريخه لا يحتاج إلى اقتلاع جذوره حتى يثبت نفسه، ولا إلى قطع أغصانه حتى يحافظ على شجرته.
نحن لا نحتاج إلى قطع الجذور، ولا إلى اقتلاع الأغصان، بل نحتاج إلى شجرة جزائرية راسخة، جذورها عميقة في أرضها، وأغصانها واسعة نحو المستقبل، تتسع لجميع أبنائها دون أن تتنكر لأصلها، وتحفظ تاريخها دون تزوير، وتحترم تنوعها دون أن تحوّله إلى فرقة.
فالجزائر ليست صفحة واحدة من التاريخ، ولا لغة واحدة، ولا رواية واحدة؛ الجزائر ذاكرة متراكمة، وجذور عميقة، وروافد متعددة، وتاريخ مشترك، وهوية وطنية تجمع ولا تفرّق.
الجذر أمازيغي، والروافد متعددة، والتاريخ مشترك، والجامع هو الجزائر.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟