أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محفوظ بجاوي - الإصلاح التربوي ليس تغيير مادة أو لغة














المزيد.....

الإصلاح التربوي ليس تغيير مادة أو لغة


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 15:03
المحور: قضايا ثقافية
    


حين نتحدث عن إصلاح المدرسة الجزائرية، ينبغي أن نتجاوز الإصلاحات الشكلية والإجراءات الجزئية التي قد تبدو في ظاهرها تغييرًا، بينما تبقى جوهر المشكلة بعيدًا عن المعالجة.
الإصلاح التربوي الحقيقي لا يبدأ من الورق، ولا من تغيير مادة أو لغة، ولا من قرارات إدارية تُتخذ بعيدًا عن واقع المدرسة. يبدأ من سؤال أكثر عمقًا: ماذا نريد أن نصنع من المدرسة الجزائرية، وماذا نريد أن يكون عليه الإنسان الجزائري في المستقبل؟
المدرسة ليست مجرد جدران وأقسام وبرامج وامتحانات، وإنما هي المؤسسة التي تُبنى فيها شخصية الإنسان، ويتشكل فيها وعيه، وتتكوّن فيها قدرته على التفكير والنقد والإبداع والمشاركة في بناء المجتمع.
ولذلك فإن أول إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من الأستاذ والمعلم. فلا يمكن أن نطالب بتعليم عصري بأدوات قديمة، ولا أن ننتظر من الأستاذ أن يصنع المعجزات دون تكوين علمي وبيداغوجي مستمر. الأستاذ يحتاج إلى تكوين جامعي قوي، وتكوين مستمر يواكب العلوم الحديثة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وعلوم التربية وعلم النفس التربوي، كما يحتاج إلى مكانة اجتماعية ومهنية تليق بالرسالة التي يؤديها.
الإصلاح يعني أيضًا أن نوفر للمدرسة الإمكانيات التي تحتاج إليها. مدرسة بلا مخابر، ولا مكتبات، ولا وسائل تكنولوجية، ولا فضاءات رياضية وثقافية كافية، لا يمكن أن نطلب منها أن تنتج جيلًا يواكب القرن الحادي والعشرين.
والتلميذ بدوره ليس رقمًا في قائمة القسم. إنه إنسان يحتاج إلى ظروف تحفظ كرامته وراحته وقدرته على التعلم. لذلك فإن الإطعام المدرسي اللائق، والنقل، خصوصًا في المناطق الريفية والمعزولة، والأقسام المناسبة، والحد من الاكتظاظ، كلها ليست كماليات، وإنما جزء من الإصلاح التربوي.
ثم تأتي البرامج والمناهج. نحن لا نحتاج إلى برامج تثقل ذاكرة التلميذ بالمعلومات بقدر ما نحتاج إلى برامج تعلمه كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يحلل، وكيف يناقش، وكيف يحل المشكلات. نحتاج إلى مدرسة تنقل التلميذ من ثقافة الحفظ والاستظهار إلى ثقافة الفهم والبحث والإبداع.
أما اللغات، فلا ينبغي تحويلها إلى معركة أيديولوجية. اللغة وسيلة للمعرفة والانفتاح والتواصل، وليست عدوًا سياسيًا ولا شعارًا هوياتيًا. الجزائر تحتاج إلى إتقان لغاتها الوطنية، وإلى الانفتاح على اللغات العالمية التي تمنح أبناءها إمكانية الوصول إلى المعرفة والعلم والتكنولوجيا. المشكلة ليست في تعدد اللغات؛ المشكلة في الإنسان الذي لا نمنحه التكوين الذي يجعله قادرًا على امتلاكها واستخدامها.
والإصلاح الحقيقي يتطلب كذلك إعادة النظر في منظومة التقييم والامتحانات، ومحاربة التسرب المدرسي، ومساعدة التلاميذ الذين يواجهون صعوبات في التعلم، وإشراك الأسرة التربوية في صناعة القرار. فالمدرس الذي يعيش تفاصيل المدرسة يوميًا أقدر من غيره على كشف مكامن الخلل واقتراح الحلول.
كما أن المدرسة لا يمكن أن تُصلح نفسها بمعزل عن الجامعة والبحث العلمي وسوق العمل. يجب أن تكون هناك رؤية متكاملة تربط التعليم الأساسي بالتكوين المهني والجامعة والاقتصاد، حتى لا يجد الشاب نفسه بعد سنوات طويلة من الدراسة أمام شهادة لا تمنحه الأدوات اللازمة للحياة والعمل.
إن الإصلاح ليس تغيير عنوان مادة، ولا حذف ساعة من برنامج، ولا نقل لغة من خانة إلى أخرى. الإصلاح مشروع إنسان ودولة ومجتمع.
نريد أستاذًا مكوّنًا ومحترمًا، وتلميذًا مرتاحًا ومحفزًا، ومدرسة مجهزة، وبرامج عصرية، وإدارة كفؤة، وتقييمًا عادلًا، وانفتاحًا حقيقيًا على العلوم واللغات والتكنولوجيا.
هذه هي المعركة الحقيقية.
أما أن ننشغل بتغيير بعض التفاصيل ونترك جوهر المدرسة يعاني من نقص الإمكانيات، والاكتظاظ، وضعف التكوين، وتراكم البرامج، ومشكلات النقل والإطعام والوسائل، فذلك ليس إصلاحًا بالمعنى العميق للكلمة، وإنما إدارة للأزمة وتأجيل للمشكلة.
المدرسة الجزائرية لا تحتاج إلى قرارات تُرضي اللحظة، بل إلى مشروع تربوي وطني طويل النفس، يضع الإنسان في مركز العملية التعليمية، ويهيئه لعالم يتغير بسرعة لا تنتظر أحدًا.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إجماع العلماء... بين الحقيقة وسلطة الخطاب
- الجزائر وذاكرة الأرض: حين يتحدث التاريخ
- آن الأوان لفتح هذا النقاش
- أمة تؤجل اسئلتها الكبرى
- الفقر كعقلية لا كقدر : حين يتحول البؤس إلى عقيدة
- المرأة... حين تكون الكرامة اسما آخر للحياة
- إلى ممثلي الشعب في البرلمان القادم : دولة الحريات لا دولة ال ...
- رسالة إلى الشعب الجزائري وإلى القادمين الجدد إلى البرلمان
- الجزائر : هوية تُكتب بين الجبل والصحراء والبحر... وزمن يمشي ...
- الجهل المنظم... حين يصبح غياب الوعي أخطر من الأزمات
- هل العلمانية قدر مستقبلي للجزاير ؟
- حين تصبح الهوية أوسع من الشعارات
- بين التاريخ والدين... عقدة الهوية في الجزائر
- زيارة قداسة البابا ليون الرابع عشر إلى وطن القديس أوغسطين : ...
- دروس العمر : لماذا نتعلّم التخلّي متأخرًا
- الحياة... حين يكون الإنسان ممثلا في مسرح لايعرف نهايته
- ترتيلة الثامن من مارس: صرخة الوجود في هيكل الحرية
- غربة الحرف... حين يغدو الصمت منفى
- نيكولا تسلا : أضاء العالم...وغادرنا في الظلام
- الإستعمار الناعم للهوية: الجزائر بين التاريخ والدين المستعار


المزيد.....




- بالخرائط.. المناطق التي ضربها زلزال كولومبيا المميت
- 132 قتيلاً حتى الآن بعد الزلزال المدمر في كولومبيا.. وسباق م ...
- محسن رضائي، من قيادة الحرس الثوري إلى مجلس الأمن القومي
- ماهر الأسد: -حارس العائلة- و-جزّار درعا-، فمن هو؟
- علم أُنزل ومقار حكومية هوجمت وحظر للتجول.. ماذا جرى بين الأك ...
- سوريا: ما سر -الموقع 99 النووي- والمخاوف من -القنبلة القذرة- ...
- وسائل إعلام: مقتل ثلاثة من أفراد طاقم سفينة تجارية إثر استهد ...
- هيئة بحرية: بلاغ عن حادثة بين ناقلة وقوات عسكرية في خليج عما ...
- مصر.. 4 ضحايا يبتلعهم نهر النيل في محاولة إنقاذ بطولية انتهت ...
- لجنة مكافحة الإرهاب الروسية: إحباط عشرات الهجمات على مرافق ا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محفوظ بجاوي - الإصلاح التربوي ليس تغيير مادة أو لغة