محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 21:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست كل الكوارث التي تصيب الأمم اقتصادية، ولا كل أزماتها سياسية. فهناك عدو أكثر هدوءاً وأشد فتكاً، يتسلل إلى العقول قبل أن يظهر في المؤسسات، ويهدم المستقبل قبل أن ينهار الحاضر. إنه الجهل حين يتحول من حالة فردية إلى ظاهرة جماعية، ومن نقص في المعرفة إلى ثقافة كاملة تعادي السؤال وتخشى التفكير.
كلما تأملت النقاشات الدائرة في الفضاء العام، ازددت اقتناعاً بأن معركتنا الحقيقية ليست مع قلة الموارد ولا مع الظروف الدولية، بل مع أزمة وعي تتسع يوماً بعد يوم. فالمجتمع الذي تتراجع فيه القراءة، ويضعف فيه التعليم، وتغيب عنه ثقافة النقد والتحليل، يصبح أرضاً خصبة لكل أشكال التضليل والتلاعب.
الجهل ليس أن تجهل معلومة، فالمعرفة يمكن اكتسابها. الجهل الحقيقي هو أن ترفض المعرفة عندما تُعرض عليك، وأن تستبدل الدليل بالشعار، والتحليل بالهتاف، والعقل بالعاطفة. عندها يصبح الإنسان أسير ما يريد أن يصدق، لا ما تثبته الوقائع والحقائق.
وحين تضعف المناعة الفكرية للمجتمع، تظهر قوى كثيرة تتنافس على توجيهه. بعضها يبيع الوهم باسم السياسة، وبعضها يبيعه باسم الأيديولوجيا، وبعضها يقدمه في ثوب الحقيقة المطلقة. والنتيجة واحدة: مواطن أقل قدرة على التفكير المستقل، وأكثر قابلية للانقياد والتصفيق والتكرار.
إن الأمم العظيمة لم تبنِ مجدها بالخطب الحماسية ولا بالشعارات البراقة، بل بنته في المدارس والمخابر والمكتبات. بنته حين جعلت من المعلم صانعاً للمستقبل، ومن الكتاب نافذة على العالم، ومن العقل النقدي قيمة عليا لا يجوز المساس بها.
من المدرسة يبدأ بناء الإنسان، ومن جودة التعليم يتحدد شكل المجتمع القادم. فإذا تحولت المدرسة إلى فضاء للتلقين بدل التفكير، وللحفظ بدل الفهم، فإنها لا تخرّج مواطنين أحراراً، بل تخرّج أجيالاً تفتقر إلى أدوات مواجهة تعقيدات العصر.
إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، لأن المال يمكن تعويضه، وليس فقر الموارد، لأن الأمم المبدعة تصنع ثرواتها. أخطر أنواع الفقر هو فقر الفكر، لأنه يجعل المجتمع عاجزاً عن إدراك أسباب تخلفه، وغير قادر على رسم طريق خروجه منه.
لهذا فإن معركة المستقبل ليست معركة طرقات ومبانٍ فقط، بل معركة وعي قبل كل شيء. فإما أن ننتصر للعقل والعلم والمعرفة، وإما أن نترك الجهل يواصل هندسة واقعنا ومستقبل أجيالنا.
وعندما ينتشر الجهل المنظم، لا يصبح التراجع مفاجأة... بل يصبح النتيجة الطبيعية الوحيدة الممكنة.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟