أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محفوظ بجاوي - عزلة الناضجين: إيمانويل كانط وثمن الخروج من جنة اليقين














المزيد.....

عزلة الناضجين: إيمانويل كانط وثمن الخروج من جنة اليقين


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 15:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليس ثمة ما هو أكثر راحةً من فكرة جاهزة. تأتيك مكتملة النمو، مغلَّفة بعناية، تحمل تواقيع الثقات وتزكية السلف. تمدُّ يدَك فتتلقفها، تضعها في رأسك كما تضع كتابًا على رفّ، فتَطمئن. أمّا التفكير الحر، فأنت فيه وحيد. تقتحم غابةً بلا ممرات معبدة، تفتِّش عن درب لم يسلكه أحد قبلك، تخدش وجهَك بأغصان الأسئلة، وتتعثَّر بجذور الشكوك. لا أحد يضمن لك أنّك تسير في الاتجاه الصحيح، ولا أحد ينتظرك في النهاية ليصفِّق لك.

هذه هي المعضلة التي وضع إصبعَنا عليها إيمانويل كانط حين عرَّف "القصور العقلي" بأنه عجز الإنسان عن استخدام عقله دون توجيه من الآخرين. إنه ليس عجزًا بيولوجيًا، ولا نقصًا في الذكاء، بل هو —وهذه هي المفارقة— عجزٌ نختاره طواعية. إنه الكسل والجبن اللذان يجعلاننا نفضِّل الوصاية الدافئة على الحرية الباردة. فالفكرة الجاهزة ليست مجرد اختصار للجهد، إنها هوية وانتماء. عندما تتبنى أفكار جماعتك، فأنت لا تفكر فقط، بل تنتمي. تصبح جزءًا من "نحن" المقدسة، تشعر بالأمان الوجودي لأنك لم تعد وحدك تحمل ثقل الأسئلة، بل تشارك الأغلبية حمولة اليقين. هناك متعة غامضة في التوحد مع القطيع، في أن تقول ما يقولون، وتكره ما يكرهون، وتقدِّس ما يقدسون. إنها متعة الذوبان في الكل، التخلي عن إرادة التفكير مقابل قبول الجماعة. أليست هذه هي الجنة التي وعد بها كهنة اليقين؟ جنة بلا أسئلة، بلا حيرة، بلا تلك الليالي البيضاء التي تسهر فيها تتأرجح بين احتمالين.

لكن النضج له ثمن، وهذا الثمن هو العزلة. ليس بالضرورة عزلة المكان، بل عزلة الوعي. أن ترى ما لا يراه الآخرون، أو الأسوأ، أن ترى أن ما يرونه يقينًا هو مجرد احتمال. أن تسأل: لماذا؟ بينما العالم راضٍ بأن يقول: هكذا كان. في هذه العزلة يولد المفكر الحقيقي. إنه لا يختارها اختيارًا، بل يجد نفسه فيها. يكتشف فجأة أنه فقد القدرة على الاقتناع بما كان يقنع الجميع. صار السؤال عنده أعمق من الإجابة، والاحتمال أوسع من اليقين، والبحث أجمل من الوصول. كانط دعانا إلى الخروج من قصورنا العقلي، لكنه لم يعدنا بأن الخارج دافئ أو مضياف. لقد وعدنا فقط بأننا سنكون بشرًا بالمعنى الكامل للكلمة: كائنات تفكر، حتى لو كان التفكير وحيدًا.

والمسافة بين الفكرة الجاهزة والفكر الحر هي المسافة نفسها بين العبودية والحرية. في الأولى أنت تابع، في الثانية أنت أصيل. لكن هذه الحرية مخيفة، فهي تضعك أمام مسؤولية التفكير بلا عكاز. لم يعد بإمكانك أن تلقي باللائمة على "الذين ضلُّونا" لأنك اخترت أن تبصر. هذه هي دراما التنوير الحقيقية: أن تكتشف أن الأمان الذي كنت تبحث عنه في الأفكار الجاهزة كان مجرد وهم، وهم الاسترخاء في رحم الجماعة. أمّا الحقيقة فهي أن النضج الفكري عملية ولادة متواصلة، مؤلمة، وحيدة، ولكنها —وهذا هو الوعد الجميل— تمنحك ذاتك الحقيقية. غير أن هذه العزلة ليست نهاية الطريق، فالمتنوِّر الحقيقي لا يعتزل العالم، بل يعود إليه محمَّلاً بأسئلته، لا ليفرض إجاباته، بل ليكسر احتكار اليقين. يعود ليزرع الشك الخصب في أرض الإيمان العقيم، يعود ليذكِّر الآخرين أن العقل هبة لا وصاية، وأن التفكير واجب لا ترف. وهنا يصير المتنوِّر نورًا، لا بمعنى أنه يهدي، بل بمعنى أنه يكشف: يكشف أن الطريق ليس واحدًا، وأن اليقين ليس حكرًا على أحد، وأن السؤال جائز دائمًا.

يقول كانط: "Sapere aude" —تجرأ على أن تعرف. وهذا التجريء ليس فعلاً بطوليًا في لحظة، بل هو نمط حياة كامل. إنه اختيار يومي متجدِّد للتفكير بذاتك، لمراجعة ما تعتقد أنك تعرفه، لتحمُّل مسؤولية وعيك. نعم، ثمن ذلك الوحدة. لكنها وحدة النضج لا وحدة الانعزال. وحدة مَن ولد وعيَه الخاص، ومشى في درب لم يعبده أحد من قبله. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق: أن تكون إنسانًا يعني أن تمشي وحدك أحيانًا، ليس لأنك تبحث عن الوحدة، بل لأنك تبحث عن طريق لا يسع الجميع أن يسلكوه معًا. ففي النهاية، كل منا مدعو إلى مغادرة رحم اليقين الدافئ، إلى فضاء الأسئلة البارد، الفسيح، المخيف، والجميل. هناك، في تلك العزلة النبيلة، يولد الإنسان من جديد. لا ابنًا لأفكار غيره، بل أبًا لأفكاره هو.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في دوامة البحث عن الذات
- شقاء العين المغلقة
- هل نحتاج أركون اليوم؟ زحزحة السياج واستعادة العقل
- سيادة الأرض وعقلانية الدولة: الجزائر فوق صخب الأيديولوجيا
- الجزائر والمغرب : وحدة المصير والجذور واحدة
- يناير... حين تتكلم الأرض و تبدأ الحكاية
- الأمازيغ والهوية المفقودة : كيف ضاعت الأسماء، وكيف بدأ الرجو ...
- تزوير التاريخ واستعمار الوعي
- 2026 : فجر السلام والحب، ومع كل شروق فرص جديدة للأمل والإنسا ...
- عندما تتحول المدرجات إلى أقوى منصة دبلوماسية في العالم
- عيد الميلاد...نور المحبة والسلام في قلب الإنسانية
- حين يكفر العقل ويُدان الفكر
- لماذا يخافون من شعار : الجزائر جزائرية ؟
- الجزائر جزائرية...هوية لاتقبل الوصاية ولا الاختزال
- هوية لا تختزل...والجزائر، ذاكرة لاتقبل التزوير
- الإسلام الحقيقي ... بين نقاء القرآن وتشويهات الحديث المدوّن ...
- التاريخ المزيف ... حين تستباح الذاكرة
- الفلسفة..نور العقل في زمن الظلال: رحلة الإنسان إلى الذات وال ...
- على حافة الوعي... او حافة الهاوية
- الإعلام المصري يوقظ الغيرة الوطنية... والإعلام الجزائري يبيع ...


المزيد.....




- في تايوان.. تأكد من أن أموالك جديدة في رأس السنة القمرية إلي ...
- الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف من القوات الأمريكية
- مع لقطات من طفولتها وكلمات من قصائده.. محمد بن راشد يصف زوجت ...
- اعتداء جنسي ضدّ الأطفال: شهادات حقيقية لشباب يحوّلون الألم إ ...
- -منشور ترامب العنصري عن عائلة أوباما شكّل جرس إنذار للبعض-- ...
- ماذا نعرف عن الجماعة الجهادية المتهمة بمحاولة اغتيال أحمد ال ...
- ترامب في صدارة التقييم.. استطلاع يكشف رأي الإسرائيليين في رؤ ...
- تقارير استخباراتية: زعيم كوريا الشمالية يمهّد الطريق لابنته ...
- أرقام تبعث على القلق.. اختفاء 50 ألف قطعة سلاح في ألمانيا
- ما ردود فعل السلطات الإيرانية على زيارة نتنياهو إلى واشنطن و ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محفوظ بجاوي - عزلة الناضجين: إيمانويل كانط وثمن الخروج من جنة اليقين