محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 09:38
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
ليست الأسماء ألفاظًا تُطلق اعتباطًا، بل هي سجلٌّ للهوية، وخريطة للانتماء، وذاكرة تختصر تاريخ الشعوب ومساراتها عبر القرون. وقد ظلّ الأمازيغ، منذ أقدم العصور، يحملون أسماءهم كما يحملون لغتهم وأرضهم وثقافتهم، جيلاً بعد جيل، إلى أن دخلوا الإسلام في مرحلة تاريخية كبرى أعادت تشكيل حياتهم الروحية والحضارية والاجتماعية.
غير أنّ هذا التحوّل العميق رافقه، مع مرور الزمن، خلط غير واعٍ بين جوهر الدين ومتطلبات الهوية الثقافية فبدأ كثير من الأمازيغ يعتقدون أن التعبير عن الإيمان يقتضي التخلي عن الاسم الأمازيغي واستبداله باسم عربي، وكأن الاسم أصبح معيارًا للتديّن لا مجرد وسيلة للتعريف والانتماء. وهكذا تراجعت الأسماء الأمازيغية تدريجيًا في الفضاء الاجتماعي، حتى داخل البيوت الأمازيغية العريقة، وداخل السلالات التي صنعت تاريخ شمال إفريقيا.
ويكشف لنا التاريخ بوضوح هذا التحوّل، إذ نجد يغمراسن، أحد كبار أعلام الأمازيغ في المغرب الأوسط قد أنجب زياد، الذي أنجب بدوره طارق، في السلسلة المعروفة: طارق بن زياد بن يغمراسن. ونجد ابن تومرت قد سمّى ابنه المهدي، ونجد يوسف بن تاشفين ابن القائد الأمازيغي تاشفين، ونجد عبد الحميد بن مادغيس الزناتي، وكذلك محمد بن وطول الزياني. وهي أمثلة تعبّر عن انتقال تدريجي في منظومة التسمية، حيث حمل الاسم دلالة دينية جديدة، لكنه في الوقت ذاته بدأ يبتعد شيئًا فشيئًا عن الجذر الثقافي الأمازيغي.
ومع تراكم القرون، تحوّل هذا الاختيار الفردي إلى عرف اجتماعي عام، حتى اختلط الأمر على الناس، وصار كثير من الشخصيات التاريخية يُنسبون إلى العروبة لمجرد أسمائهم، رغم أن أصولهم وأرضهم ولسانهم وثقافتهم أمازيغية خالصة. ولم يكن هذا التحوّل مجرد تبدّل لغوي، بل مساسًا عميقًا بالذاكرة الجماعية، إذ إن فقدان الاسم يعني، في كثير من الأحيان، فقدان جزء من التاريخ ومن الوعي بالذات.
غير أن الذاكرة الأمازيغية، رغم ما تعرّضت له، لم تنطفئ. فبعد قرون طويلة من هذا المسار، بدأ يتشكّل وعي جديد يعيد التوازن بين الإيمان والهوية، ويفصل بين قدسية الدين وخصوصية الانتماء الحضاري. ونتيجة لذلك، عاد كثير من الأمازيغ اليوم إلى تسمية أبنائهم بأسماء أصيلة مثل أكسل، ماسينسن، يوبا، مازيغ ديهيا، وتينهينان، في محاولة واعية لاستعادة الجذور دون أي تعارض مع الانتماء الديني.
فالإسلام رسالة كونية تتجاوز الأعراق واللغات والأمازيغي يبقى أمازيغيًا في اسمه وتاريخه ولسانه كما يبقى مسلمًا في إيمانه وقيمه وسلوكه، في انسجام لا تناقض فيه. وإن تصحيح هذا المسار اليوم ليس رجوعًا إلى الماضي، بل مصالحة مع الذات، واستعادة لحق طبيعي في الاسم والذاكرة والهوية داخل الإسلام لا خارجه، لأن الشعوب التي تحفظ أسماءها تحفظ تاريخها، والشعوب التي تحفظ تاريخها تحفظ مستقبلها.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟