أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محفوظ بجاوي - حين يكفر العقل ويُدان الفكر














المزيد.....

حين يكفر العقل ويُدان الفكر


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8565 - 2025 / 12 / 23 - 13:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين يعجز العقل عن النقاش، ويُدان الفكر قبل أن يُفهم لا يبقى أمام بعض الناس سوى سلاح واحد: التكفير. وحين تُرفع هذه التهمة في وجه فكرة لا في وجه جريمة، يصبح الخطر أكبر من مجرد اختلاف رأي، لأنه يمس بنية المجتمع نفسها. فالمجتمعات لا تنهار فجأة
بل تبدأ في التفكك حين يُغلق باب الحوار، ويُستبدل النقاش بالإقصاء، والعقل بالاتهام.
نشرتُ رأيًا حول العلمانية، لا بوصفها عقيدة بديلة ولا مشروعًا لهدم الدين، بل كفكرة مدنية لتنظيم التعايش بين المختلفين داخل الدولة الواحدة. لكن الرد لم يكن نقاشًا فكريًا، ولا تفنيدًا بالحجة، بل كان تكفيرًا مباشرًا كأن الفكرة جريمة، وكأن التفكير خروج عن الجماعة. عند هذه اللحظة بالذات، ندرك حجم المأزق الذي نعيشه: فكرة تُحاكم قبل أن تُقرأ، وعقل يُدان لمجرد أنه رفض السير مع القطيع.
وهنا تتجلى إحدى أعمق أزماتنا التاريخية؛ فنحن لا نزن الأفكار بميزان العقل، بل بميزان الخوف. لا نسأل عمّا تقوله الفكرة، بل عمّا قيل لنا عنها. لذلك نُدان لأننا نفكر لا لأننا نخطئ، ونُقصى لأننا نسأل، لا لأننا نعتدي. في مثل هذا المناخ، يصبح السؤال خطرًا، والاختلاف تهديدًا، والعقل عبئًا يجب التخلص منه.
العلمانية، خلافًا لما يُشاع، ليست كفرًا ولا حربًا على الدين، لكنها تحولت إلى فزاعة جاهزة، لأن هناك من يحتاج دائمًا إلى عدو دائم. مرة يُصنع العدو باسم الدين، ومرة باسم الهوية، ومرة باسم الوطن. إنها آلية قديمة، تقوم على تخويف الناس من فكرة ما، ثم تقديم النفس حارسًا وحيدًا للحقيقة، ووصيًا على العقول والضمائر.
هذا الخطاب ليس امتدادًا طبيعيًا لتاريخ الجزائر، بل خطاب دخيل على ذاكرتها العميقة. لا يشبه عاداتها، ولا أفراحها، ولا أحزانها، ولا طرق تعايشها القديمة. لقد شوّه علاقتنا بذاتنا، وقطعنا عن ذاكرتنا الجماعية، ثم قدّم نفسه ممثلًا وحيدًا للأخلاق والدين والوطن، وكأن المجتمع قاصر لا يملك حق التفكير.
بهذه الذهنية لم نُنتج مجتمعًا متماسكًا، بل شظايا مجتمع. أفراد متجاورون لا متعايشون، لا يجتمعون إلا في لحظات الغضب، ولا يتوحدون إلا عند التكفير والتخوين. وهذا لا يصنع دولة حديثة، بل يهيئ أرضية مثالية للحروب الأهلية. فالحروب لا تبدأ بالسلاح، بل باللغة؛ تبدأ حين يُلغى الآخر من الوعي، وحين يُجرَّد من حقه في الوجود الرمزي قبل الجسدي.
من يُكفّرك اليوم بسبب فكرة، سيقصيك غدًا باسم «الحق المطلق». ومن يقصيك غدًا، سيبرر إلغاءك بعد غد. وحين يحتكر كل طرف الحقيقة، لا يبقى وطن، بل ساحة صراع مفتوحة، ولا يبقى شعب، بل معسكرات متقابلة. عندها لا يعود الخلاف فكريًا، بل يتحول إلى صراع وجود.
المشكلة إذن ليست في العلمانية، ولا في أي فكرة أخرى، بل في عقول ترفض التعايش، وتعيش على منطق الإقصاء، وترى في الاختلاف خطرًا لا فرصة. وهذه أخطر أزمة يمكن أن تواجه أي بلد: أن يتحول الفكر إلى تهمة، والسؤال إلى خيانة، والاختلاف إلى جريمة أخلاقية.
الأوطان لا يحميها الصراخ، بل الوعي، ولا تبنيها الشعارات، بل العقول الحرة. أما التكفير، فليس دليل قوة ولا غيرة على القيم، بل اعتراف صريح بالعجز عن الفهم، وبالفشل في الإقناع.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يخافون من شعار : الجزائر جزائرية ؟
- الجزائر جزائرية...هوية لاتقبل الوصاية ولا الاختزال
- هوية لا تختزل...والجزائر، ذاكرة لاتقبل التزوير
- الإسلام الحقيقي ... بين نقاء القرآن وتشويهات الحديث المدوّن ...
- التاريخ المزيف ... حين تستباح الذاكرة
- الفلسفة..نور العقل في زمن الظلال: رحلة الإنسان إلى الذات وال ...
- على حافة الوعي... او حافة الهاوية
- الإعلام المصري يوقظ الغيرة الوطنية... والإعلام الجزائري يبيع ...
- حين تغتصب المعاني باسم السماء
- التراث المعماري الأمازيغي بين جذور شمال إفريقيا وإشعاع الأند ...
- الثورة الجزائرية... فكر قبل أن تكون سلاحًا
- بين الجذور والهوية المكتسبة: رحلة الشعوب نحو ذاتها
- من غرس الشجرة إلى إشعال الشاشة: الجزائر تزهر بالثقافة
- الجزائر تزهر من جديد : تحية إلى شعب يغرس الأمل
- الهوية... الحقيقة التي خافوا منها طويلًا حتى أصبح الجزائري غ ...
- ومضة سلام عل ضفتي شمال إفريقيا
- حين استوردنا الحجاب...واستوردنا معه تراجع الوعي
- الجزائر : حضارة الهوية وحماية الذات
- من فضاء للتنوير إلى مسرح للإذلال... مأساة المدرسة الجزائرية
- نوميديا... مملكة الشعب لا مملكة البدو


المزيد.....




- انشقاق يهدد الكنيسة الكاثوليكية بعد تحدي جماعة تقليدية لسلطة ...
- تقرير إسرائيلي: البيانات الرسمية تكشف عن تغير تدريجي -زاحف- ...
- الضفة.. إسرائيل تباشر عمليات هدم في سلفيت وبيت لحم والأغوار ...
- -أخجل من هذا العار-.. البرادعي ينتقد الدول العربية والإسلامي ...
- عبد المسيح طانيوس.. مسيحي اعتقله الأسد بتهمة الانضمام للإخوا ...
- طهران تستعد لمراسم تشييع المرشد الأعلى السابق آية الله علي خ ...
- اللواء حاتمي: اليوم تقع على عاتقنا مسؤولية تجديد العهد مع نه ...
- مشاركة واسعة من نحو 100 دولة في مراسم وداع القائد الشهيد للث ...
- رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري يوجه رسالة بمناسبة وداع ق ...
- نبيه بري: عشنا الثورة الإسلامية الإيرانية وعايشناها حين خط ا ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محفوظ بجاوي - حين يكفر العقل ويُدان الفكر