محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 13:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تتجلى حكمةُ الدولِ في قدرتها على الوقوفِ كالصخرةِ العاتيةِ وسطَ لُججِ العواطفِ الهائجةِ وصخبِ الشعاراتِ الجوفاء؛ فالقرارُ السياديُّ ليس مجردَ مناورةٍ دبلوماسيةٍ عابرة، بل هو تجسيدٌ حيٌّ لـ "حكمةِ التموضع" التي لا يُبصرها إلا الراسخون في فقهِ البقاء. إنَّ الأممَ التي تُقادُ بنفَسٍ انفعاليٍّ متأجج، وتندفعُ خلفَ أمواجِ العاطفةِ دونَ بوصلة، سرعانَ ما تتقاذفُها رياحُ العزلةِ الدولية، لتجدَ نفسَها في قاعِ الندمِ حيثُ لا ينفعُ حينها ضجيجُ الصراخِ ولا صدى العويل.
إنَّ إدارةَ الدولِ فنٌّ رصينٌ لا يتقنهُ من يقرأُ الواقعَ بأمانيِّ النفسِ أو شطحاتِ الخيال، بل من يزنهُ بميزانِ المصالحِ الوطنيةِ الصرفةِ وقراءةِ موازينِ القوى ببرودةِ العقلِ وصفاءِ الرؤية. ومن يصرُّ اليومَ على جرِّ الجزائرِ إلى معاركِ الآخرين تحتَ سِتارِ الاندفاعِ الوجدانيِّ، إنما يغامرُ بمستقبلِ وطنٍ هو أسمى من كلِّ التيارات، وأكبرُ من كلِّ التحزبات. فالسياسةُ في جوهرها هي التحديدُ الدقيقُ لموقعِ الدولةِ في خارطةِ التحولاتِ الكبرى، بعيداً عن صخبِ المزايداتِ التي لا تُسمنُ ولا تُغني من جوع.
وحين تشتدُّ الأنواءُ وتختلطُ الأوراق، يبرزُ التاريخُ كشاهدٍ عدلٍ لا يُحابي أحداً، كاشفاً زيفَ القداساتِ السياسيةِ المصطنعةِ التي تُنسجُ حولَ بعضِ القوى. فالحقيقةُ التي لا تقبلُ التأويلَ تذكّرنا بأنَّ تركيا التي يرفعها البعضُ فوقَ النقدِ صوّتت يوماً ضدَّ استقلالنا، بينما خضعت مواقفُ الخصومِ لمصالحَ جعلتهم يصوّتونَ معه؛ وهي دروسٌ قاسيةٌ تُثبتُ أنَّ الحساباتِ الدوليةَ لا تخضعُ للمشاعرِ الجياشة، بل للمواقفِ السياديةِ النابعةِ من الذاكرةِ الوطنيةِ اليقظةِ والوعيِ التامِ بمقتضياتِ الراهن.
إنَّ مصلحةَ الجزائرِ العليا تكمنُ اليومَ في سياسةٍ خارجيةٍ تحفظُ هيبتَها كدولةٍ كاملةِ الأركان، لا كميدانٍ لتجريبِ أيديولوجياتٍ انتهت مدةُ صلاحيتها منذُ زمن. هي دعوةٌ صريحةٌ للتفكيرِ بمنطقِ "الدولةِ" لا "الجماعة"، وبمنطقِ "الوطنِ" لا "التيار"؛ فالسياسةُ ليست انحيازاً وجدانياً يتبعُ الهوى، بل هي إدارةٌ واعيةٌ وواثقةٌ لكيانٍ شامخٍ اسمهُ الجزائر، يظلُّ أبداً فوقَ كلِّ المزايدات، وأرفعَ من كلِّ الأيديولوجياتِ العابرةِ للحدودِ والزمن.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟