محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 15:40
المحور:
قضايا ثقافية
في الثاني عشر من جانفي من كل سنة ميلادية، لا يستقبل الأمازيغ رقمًا جديدًا في تقويم الزمن، بل يستقبلون ميلاد دورة حياة، وبداية سنة فلاحية جديدة تُفتَح على الأمل، وتُغلَق على الرجاء.
إنه عيد يناير، أقدم عيد للسنة في حوض المتوسط، حيث يبدأ التاريخ من الأرض، وتُكتب الفصول بالحرث والبذر والحصاد.
يناير عند الأمازيغ ليس يومًا عابرًا، بل ذاكرة جماعية تختزن علاقة الإنسان بالطبيعة، علاقة تقوم على الاحترام، والصبر، والتوازن. هو زمن تُستَعاد فيه الحكمة القديمة:
أن الأرض أمّ، وأن من يخدمها تُعطيه، ومن يخونها تُخاصمه.
في هذا العيد، تُفتح البيوت على الفرح، وتُجمَع القلوب حول المائدة، حيث تتحول الأطباق التقليدية من مجرد غذاء إلى لغة رمزية تعبّر عن الخصوبة والبركة وطول العمر. فكل حبة قمح تحمل دعاءً، وكل كسرة خبز تحمل وعدًا، وكل طقس يُمارَس هو رسالة إلى الغد بأن الخير آتٍ مهما اشتد الشتاء.
يناير هو إعلان بداية السنة الفلاحية، حيث يعلّم الأمازيغ أبناءهم أن الزمن لا يُقاس بالساعات بل بالمواسم، ولا يُقاس بالأيام بل بما تثمره الأرض. فيه يتجدد الأمل بأن المطر سيأتي، وأن السنابل ستنمو، وأن الجهد لن يضيع، لأن الحياة لا تخون من يصبر لها.
إن الاحتفال بيناير هو احتفال بالاستمرارية، باستمرار الذاكرة، واستمرار العلاقة بين الإنسان وأرضه، واستمرار القيم التي تجعل من العمل شرفًا، ومن الصبر قوة، ومن الانتظار حكمة.
هو عيد يحمل في جوهره فلسفة كاملة:
أن البداية الحقيقية ليست في القصور ولا في المراسيم، بل في الحقول.
وأن أعظم الأعياد هي تلك التي تُعيد الإنسان إلى جذوره، وتجعله يرى في التراب مستقبلًا، وفي البذرة وطنًا.
وحين ينتهي يوم يناير، لا ينتهي معناه، بل يبقى حيًّا في تفاصيل السنة كلها، في كل مطر ننتظره، وفي كل زرع نغرسه، وفي كل حلم نعلّقه على غصن الأمل.
وختامًا…
يبقى يناير وعد الأرض لأبنائها، وبوصلة الذاكرة في زمن النسيان،
ويبقى المثل الأمازيغي شاهدًا على روح هذا العيد ومعناه: أٓنٓرّْزْ ولا نْكْنو — ننــــكسر ولا نــنــحني.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟