محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 09:10
المحور:
قضايا ثقافية
عزيزي الباحث عن الانتماء، دعني أخاطبك بصراحة: مشكلتك ليست مع الأمازيغية ولا مع أي هوية أخرى، بل مع رفضك مواجهة حقيقة ذاتك المتعددة. أنت لا تدافع عن العروبة حباً فيها، بل هروباً من سؤال الهوية الذي يلاحقك منذ وعيت على وجودك في هذه الأرض. تبحث في بطون التاريخ وتقلب صفحات القواميس وتجمع الخطابات والأنساب، وكأنك تحاول استصدار شهادة وجود من الماضي، لأن الحاضر لم يمنحك الشرعية التي تبحث عنها.
دعني أقول لك شيئاً: قبل أن تملأ الدنيا خطابات عن العروبة والانتماء، جرب أن تسافر إلى الخليج وتدخل مجتمعاتهم. عرّف بنفسك هناك وقل لهم إنك عربي من نفس الدم والجذر والامتداد، وانظر كيف سيردون عليك. هل سيقولون لك "أهلاً بك يا أخانا العربي"؟ أم سيصفونك بالمهاجر، بالأعجمي، بشمال إفريقي؟ عندها ستدرك أن العروبة التي تتشبث بها ليست دائرة جامعة تحتضن الجميع، بل هي تراتبية هرمية تضعك في أسفل السلم، مهما علّقت من شعارات.
الغريب أنك في هذه المعادلة لا تطالب العرب بالاعتراف بأمازيغيتك الأصلية، بل تطالب الأمازيغي نفسه بالتخلي عن هويته ليرضيك. تريد منه أن يمحو لغته ويتناسى تاريخه ويمحو ذاكرته الجماعية، فقط لأنك تحتاج إلى أن تطمئن إلى هوية مستعارة اخترتها لنفسك. هذا ليس دفاعاً عن فكرة أو مبدأ، بل هو استلاب عميق - أن ترفض ما أنت عليه حقيقة، وتعبد ما لن تكونه أبداً.
الأمازيغية ليست فكرة تحتاج إلى إثبات، ولا هوية تنتظر اعترافاً. إنها وجود متجذر في هذه الأرض، سابق لكل التصنيفات والحدود التي جاءت لاحقاً. أما العروبة فمن اختارها لغةً وثقافةً وحضارةً فهو حر في اختياره، لكن أن تتحول إلى سلاح تستخدمه لتحقير الآخرين وإنكار وجودهم، فهذا ليس انتماءً بل مرضاً وجودياً.
والآن أمامك خياران لا ثالث لهما: إما أن تتصالح مع نفسك كما هي، بكل أبعادها التاريخية والثقافية، فتقبل أنك ابن هذه الأرض بتعددها وجمال اختلافها. وإما أن تواصل مطاردة سراب لن تدركه أبداً، وتظل تدور في حلقة مفرغة من البحث عن اعتراف لن تحصل عليه. لكن في كل الأحوال، لا يحق لك أن تطلب من الأمازيغي أن يدفع ثمن حيرتك وغربتك عن ذاتك. دع كل إنسان يكون ما هو عليه، وابحث أنت عن نفسك دون أن تجعل وجودك مشروطاً بانعدام الآخر.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟