محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 21:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين نفكر في بناء دولة القانون، ندرك أن الوطن لا يمكن أن يكون حكرًا على فئة دون أخرى، بل هو فضاءٌ جامع يتسع للجميع، مهما اختلفت معتقداتهم أو توجهاتهم السياسية أو خلفياتهم الاجتماعية. فالمواطنة، في جوهرها، لا تُقاس بما يحمله الإنسان من أفكار أو عقائد، بل بمدى احترامه للقانون الذي ينظم حياة الجميع على قدم المساواة.
وعند النظر إلى تجارب دول مثل تركيا أو إندونيسيا أو سنغافورة، نلاحظ أنها—رغم طابعها الثقافي والديني الظاهر—قد اختارت أن تُبنى على أسس قانونية تفصل بين المجال العام والمعتقد الشخصي. هذا الفصل لم يُلغِ الدين، بل نظّم حضوره داخل المجتمع، وفتح المجال أمام تنوع واسع في الانتماءات داخل إطار واحد مشترك هو الدولة.
في المقابل، شهدت بعض الدول التي ارتبط فيها الدين بالسلطة السياسية توترات عميقة وصراعات داخلية، خاصة عندما يصبح الاختلاف في التأويل الديني سببًا في الانقسام بدل أن يكون مصدرًا للتعدد. والجزائر، في ذاكرتها القريبة، عرفت بدورها فترات مؤلمة خلال العشرية السوداء، حيث اختلط السياسي بالديني في سياق صراع دموي ترك أثرًا عميقًا في المجتمع.
العلمانية، في هذا التصور، لا تعني محاربة الدين ولا إقصاءه، بل تعني تنظيم العلاقة بين الدولة والمعتقد، بحيث يبقى الدين خيارًا شخصيًا حرًا، بينما تظل الدولة حيادية تجاه الجميع، تحمي الجميع دون تمييز، وتضمن لكل فرد حقه في الاعتقاد والاختلاف.
بهذا المعنى، لا يكون الدين ملكًا للدولة، بل يكون ملكًا للفرد نفسه، يمارسه بحرية داخل ضميره ومجتمعه، في حين تبقى القوانين إطارًا جامعًا يضمن التعايش والسلم بين المختلفين.
ومن هنا، يرى البعض أن هذا النموذج قد لا يكون مجرد خيار فكري، بل اتجاهًا عمليًا تفرضه التحولات الاجتماعية الحديثة، حيث يصبح التعدد والاختلاف قاعدة لا استثناء، ويصبح بناء دولة محايدة شرطًا للاستقرار.
وفي هذا السياق، تبدو فكرة الدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية أقرب إلى مستقبل تتجه إليه المجتمعات، مهما اختلفت المسارات والسرعات.
---
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟