محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 20:26
المحور:
قضايا ثقافية
تخيلوا شعبًا حفر حريته بدمه وعرقه، وشيد وطنيته من الجبال، السجون، والمشانق، شعبًا لم يرضَ أن يُسلب أرضه، وصاغ وعاء وطنيته من معاناته وانتصاراته. واليوم، ومع مرور العقود، ترى بعض أبنائه يبتعدون عن هذا التاريخ، ويعرّفون أنفسهم بما ليس لهم: برايات مستوردة، وأفكار وفتاوى عابرة للحدود.
ما جرى خلال ما يسمى بـ"الصحوة الإسلامية" في الجزائر لم يكن مجرد إحياء للدين، بل كان تفريغًا لهويّة شعب كامل. الدين الذي كان جزءًا من حياة الجزائري اليومية، متسامحًا ومتصلًا بتقاليد الأرض والثقافة، أُخرج من سياقه الطبيعي وأُلبس ثوبًا متشددًا غريبًا، لا يعرف من الدين سوى الطاعة والسمع، ولا من الوطن سوى كونه هامشًا ثانويًا.
لقد تحوّل الجزائري من صاحب تجربة روحية عميقة، إلى متلقي يستهلك فتاوى جاهزة، يقدّس شيوخًا لم يعرفوا تاريخ الجزائر، ولا لغتها، ولا جراحها. هؤلاء الشيوخ نجحوا في زرع شعور خفي بالدونية، وكأن الدين لا يكتمل إلا إذا جاء ختمه من مكان آخر، بعيد عن الأرض التي ربّى عليها الجزائري أجداده.
الأمر الأخطر ليس في الشعارات أو الرايات، بل في العقل الذي تقبّل أن يعيش على هوية مستعارة. في جيل كامل، لم يُقنع الناس بأن يكونوا جزائريين ومسلمين، بل أقنعوا البعض بأن يكونوا مسلمين ضد جزائريتهم. وهنا تبدأ مأساة الهوية: الدين لا يُمارس كقوة روحية وطنية، بل كأداة خارجية لتفكيك الانتماء.
التحرر الحقيقي اليوم ليس مجرد التحرر من الاستعمار العسكري، بل التحرر من الاستعمار الديني الناعم الذي يجعل البعض يعيش بعقل غيره. البعض يرى وطنه من نافذة ليست له، ويقرأ تاريخه وفق منظور غريب، ويختار أن يقدس ما هو مستورد، بينما يتجاهل ما هو جزائري.
إن هذه الظاهرة ليست مجرد فشل فردي أو اختيارات شخصية، بل نتاج سياسات وأحداث تاريخية أدت إلى تفريغ الهوية، وإعادة تشكيل العقول بعيدًا عن الأرض والتاريخ والثقافة. كل محاولة لفهم الجزائر اليوم لا يمكن أن تتجاوز هذه الحقيقة: الهوية ليست مجرد أسماء، أو شعارات، أو تقاليد ظاهرية، بل تجربة متكاملة تجمع بين الدين، الأرض، التاريخ، والروح الجماعية.
إعادة ربط الدين بتاريخ الجزائر، وفهم الإسلام من خلال تجربتنا المحلية، وليس من خلال فتاوى مستوردة، هو الطريق الوحيد لاستعادة كرامة الشعب، وإحياء الوعي الوطني الحقيقي. الحرية اليوم ليست فقط أن تكون جزائريًا حرًا، بل أن تكون جزائريًا متصالحًا مع نفسه، مع تاريخه، ومع دينه الذي وُلد فيه وارتبط بالأرض.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟