محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 22:22
المحور:
قضايا ثقافية
مرّت المدرسة الجزائرية، في تاريخها الحديث، بفرصتين ثمينتين كان يمكن أن تشكّلا منعطفًا حقيقيًا نحو بناء مدرسة وطنية عصرية، منفتحة على العلوم والمعارف، وقادرة على صناعة مواطن يملك أدوات التفكير لا مجرد حفظ المعلومات.
كانت الأولى في عهد الوزير مصطفى الأشرف بين 1977 و1979، حين طُرحت رؤية إصلاحية أكثر انفتاحًا وحداثة، والثانية مع الوزيرة نورية بن غبريط بين 2014 و2019، التي حاولت الدفع بإصلاحات تربوية وبيداغوجية أكثر انسجامًا مع متطلبات المدرسة الحديثة.
لكن التجربتين واجهتا مقاومة شديدة من تيارات سياسية وفكرية مختلفة، استخدمت أحيانًا التخوين وأحيانًا التشويه، فتحوّل النقاش حول مستقبل المدرسة من نقاش علمي وبيداغوجي إلى معركة أيديولوجية.
المشكلة أن المدرسة لا يمكن أن تُبنى بالشعارات، ولا تُصلح بالارتجال، ولا ينبغي أن تكون رهينة للصراعات السياسية والثقافية. المدرسة تحتاج إلى علماء تربية، وباحثين، ومختصين في علوم النفس والاجتماع واللغات، ومناهج تُبنى على الدراسات والتجارب لا على الأهواء.
لقد دفعت الجزائر ثمنًا باهظًا عندما أصبح الإصلاح التربوي خاضعًا للتجاذبات الأيديولوجية. وكلما تغيّرت السلطة أو الوزير، تغيّرت معها بعض التوجهات، وكأن المدرسة مشروع مؤقت لا مشروع أمة.
إن إصلاح التعليم الحقيقي لا يعني إلغاء هوية الجزائر، ولا يعني الارتماء في أحضان نموذج أجنبي؛ بل يعني بناء مدرسة جزائرية حديثة، تستوعب تاريخ البلاد بكل مكوناته، وتحترم لغاتها وثقافتها، وفي الوقت نفسه تفتح أبوابها للعلوم والعقل النقدي والتكنولوجيا والمعرفة العالمية.
فالجزائر لا تحتاج إلى مدرسة تُخرّج حافظين للشعارات، وإنما إلى مدرسة تُخرّج مواطنين يفكرون، ويسألون، ويناقشون، ويبدعون.
والتاريخ سيحكم في النهاية على من حاول أن يجعل المدرسة الجزائرية فضاءً للمعرفة، وعلى من أرادها ساحةً للصراع الأيديولوجي.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟