أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محفوظ بجاوي - كفى تسمية الإهمال قدرا !














المزيد.....

كفى تسمية الإهمال قدرا !


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 10:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين تتحول عبارة قدر الله وما شاء فعل من إيمان بالقدر إلى وسيلة لإسكات الأسئلة، فإننا لا نواسي أنفسنا فقط، بل نمنح الإهمال فرصة جديدة للنجاة من المحاسبة. نعم، الموت قدر، والأجل مكتوب، لكن هل كتب علينا أيضًا أن نركب حافلات متهالكة؟ هل كتب علينا أن نسير فوق طرق محفوفة بالمخاطر؟ هل كتب علينا أن نقبل الفساد والإهمال وغياب الرقابة ثم نضع كل ذلك تحت عنوان القدر؟ كلا. الله عادل ورحيم، ولا يُنسب إليه ظلم ولا عبث، وإنما الإنسان مسؤول عن أفعاله، والمسؤول الذي أهمل واجبه مسؤول، والمؤسسة التي لم تؤدِّ دورها مسؤولة، ومن سمح للخطر بأن يستمر مسؤول كذلك.
عندما تسقط حافلة في وادٍ وتذهب معها أرواح بريئة، لا يكفي أن نقول لأهل الضحايا: خلاصت أيامهم. فهذه العبارة، مهما بدت دينية ومطمئنة، قد تتحول إلى قسوة حين تُستخدم لإغلاق باب الحقيقة. لقد انتهت أعمارهم، نعم، لكن السؤال يبقى قائمًا: لماذا كانوا في تلك الحافلة؟ ولماذا كانت تسير وهي غير آمنة؟ ومن سمح لها بذلك؟ ومن كان مسؤولًا عن مراقبتها؟ ومن كان يعلم بالخطر وصمت؟ هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على قدر الله، بل هي دفاع عن حق الإنسان في معرفة الحقيقة وحق الضحايا في العدالة.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بعد كل كارثة هو أن نحول المأساة إلى مشهد عابر: جنازات، دموع، خطب، تعازٍ، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث. وبعد أشهر تتكرر الكارثة نفسها، ويتكرر معها الكلام نفسه، وتُدفن أرواح جديدة، بينما تبقى الأسباب حيّة تنتظر ضحاياها القادمين. الوطن الذي يحترم أبناءه لا يكتفي بإحصاء الموتى، بل يبحث عن الأسباب التي قتلتهم، ويقطع الطريق أمام تكرارها.
نحن لا نريد شعارات فوق المقابر، ولا تحقيقات شكلية تنتهي دون نتيجة، ولا مسؤولين يتنقلون بين الكاميرات لتقديم التعازي ثم يختفي الملف. نريد تحقيقًا شفافًا، ومحاسبة حقيقية، وقانونًا يطبق على الجميع، وتجديدًا لوسائل النقل، وصيانة جادة للطرق والمنشآت، ورقابة تمنع الكارثة قبل وقوعها لا بعد أن يصبح الدم على الإسفلت.
الإيمان بالقدر لا يعني الاستسلام للإهمال، كما أن التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب. نحن مأمورون بأن نحمي الإنسان، وأن نمنع الضرر، وأن نتحمل مسؤولية ما بين أيدينا. ولذلك فإن مكافحة الفساد ليست خروجًا عن الإيمان، ومحاسبة المقصر ليست اعتراضًا على القضاء والقدر، بل هي جزء من مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية.
فلنترك للقدر ما هو لله، ولنضع المسؤولية حيث يجب أن تكون عند الإنسان والدولة والمؤسسات. فالموت قدر، لكن الحافلة المتهالكة ليست قدرًا، والطريق المهمل ليس قدرًا، والفساد ليس قدرًا، وغياب المحاسبة ليس قدرًا. هذه كلها أفعال بشرية يمكن إصلاحها ومنعها.
احترموا موتانا بالفعل لا بالكلمات، واحموا الأحياء قبل أن يتحولوا إلى أرقام جديدة في قوائم الضحايا. فالوطن الذي يريد أن يحترم حياة مواطنيه لا ينتظر الكارثة حتى يتحرك، ولا يكتفي بعد وقوعها بالبكاء، بل يمنع أسبابها قبل أن تحصد المزيد من الأرواح.
نعم، قدر الله وما شاء فعل؛ لكن لا تجعلوا هذه العبارة ستارًا يُخفى خلفه فساد البشر وتقصير المسؤولين.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من جزائري أصيل إلى نسخة من الآخر : أين ضاعت الشخصية الجزائري ...
- الإصلاح التربوي ليس تغيير مادة أو لغة
- إجماع العلماء... بين الحقيقة وسلطة الخطاب
- الجزائر وذاكرة الأرض: حين يتحدث التاريخ
- آن الأوان لفتح هذا النقاش
- أمة تؤجل اسئلتها الكبرى
- الفقر كعقلية لا كقدر : حين يتحول البؤس إلى عقيدة
- المرأة... حين تكون الكرامة اسما آخر للحياة
- إلى ممثلي الشعب في البرلمان القادم : دولة الحريات لا دولة ال ...
- رسالة إلى الشعب الجزائري وإلى القادمين الجدد إلى البرلمان
- الجزائر : هوية تُكتب بين الجبل والصحراء والبحر... وزمن يمشي ...
- الجهل المنظم... حين يصبح غياب الوعي أخطر من الأزمات
- هل العلمانية قدر مستقبلي للجزاير ؟
- حين تصبح الهوية أوسع من الشعارات
- بين التاريخ والدين... عقدة الهوية في الجزائر
- زيارة قداسة البابا ليون الرابع عشر إلى وطن القديس أوغسطين : ...
- دروس العمر : لماذا نتعلّم التخلّي متأخرًا
- الحياة... حين يكون الإنسان ممثلا في مسرح لايعرف نهايته
- ترتيلة الثامن من مارس: صرخة الوجود في هيكل الحرية
- غربة الحرف... حين يغدو الصمت منفى


المزيد.....




- البابا تواضروس ووزير السياحة الأردني يبحثان الترويج لموقع مع ...
- تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابا ...
- روما تؤيد الفاتيكان في طلبها -حل الدولتين- وارساء سلام عادل ...
- تصاعد حدة المعارضة البرلمانية للتشريعات الجديدة في الأردن وا ...
- بيان 8 دول عربية وإسلامية: إسرائيل تتحمل مسؤولية عرقلة السلا ...
- دول عربية وإسلامية تصدر بيان إدانة لإسرائيل بسبب رفضها تنفيذ ...
- بابا الفاتيكان يدعو إلى إنهاء العنف بحق الفلسطينيين بالضفة ا ...
- الفاتيكان يدعو إلى إنهاء العنف بحق الفلسطينيين في الضفة الغر ...
- معلمة مسلمة تدرب أطفالا مسيحيين على الصلوات الخمس في بريطاني ...
- كتب صلاة ورقص وغناء.. عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محفوظ بجاوي - كفى تسمية الإهمال قدرا !