أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محفوظ بجاوي - قادة مؤتمر الصومام... رجال حملوا أوجاع الجزائر















المزيد.....

قادة مؤتمر الصومام... رجال حملوا أوجاع الجزائر


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 17:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما نتحدث اليوم عن مؤتمر الصومام، علينا أن نتوقف قليلًا عن قراءة التاريخ بعين الحاضر، وأن نحاول أن نضع أنفسنا في ذلك الزمن الصعب الذي كانت فيه الجزائر تعيش واحدة من أقسى مراحل تاريخها. فقادة الثورة الذين اجتمعوا في الصومام لم يكونوا رجالًا يجلسون في مكاتب فاخرة، ولا سياسيين يتابعون الأحداث من خلف الأبواب المغلقة، ولا أصحاب امتيازات ينتظرون نتائج المعركة من بعيد. كانوا في قلب النار، يعيشون المطاردة والخطر والجوع والخوف، ويشاهدون بأعينهم قرى تُحاصر، وأناسًا يُقتلون، ورفاقًا يسقطون الواحد تلو الآخر. كانوا يحملون السلاح في يد، ويحملون في الأخرى مسؤولية وطن بأكمله، ولذلك فإن قراراتهم لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت قرارات تُتخذ في ظروف قد يكون فيها ثمن الخطأ حياة إنسان، أو مصير مجموعة، أو مستقبل ثورة بأكملها.
كانت الجزائر بالنسبة إلى أولئك الرجال أكبر من أن تكون مجرد أرض أو حدود مرسومة على خريطة؛ كانت قضية شعب بأكمله، وكانت أمًا جريحة تنزف أمام أعينهم. ولذلك لم يكن أمامهم ترف الانتظار، ولا رفاهية التفكير الطويل في ظروف مثالية؛ كان عليهم أن ينظموا الثورة وهي تخوض حربًا شرسة، وأن يوحدوا صفوفها وهي تواجه عدوًا يمتلك جيشًا وإدارة وإمكانات ضخمة، وأن يضعوا لها قواعد واضحة وهي لا تزال محاصرة في الجبال والمداشر والقرى. ومن هنا جاءت أهمية مؤتمر الصومام باعتباره محطة أساسية في محاولة تنظيم الثورة وإعادة ترتيب صفوفها وتحديد أساليب عملها ومسؤولياتها في مواجهة الاستعمار.
والأهم من ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يقررون من موقع آمن ثم يتركون الآخرين يدفعون الثمن؛ كانوا جزءًا من المعركة نفسها، يعرفون أن الطريق الذي اختاروه لن يكون مفروشًا بالورود، وأن كل خطوة في اتجاه الاستقلال ستكلّف الجزائر دمًا ودموعًا وحرمانًا. لقد ساروا في طريق مليء بالأشواك، لا لأنهم أحبوا الألم، وإنما لأن الجزائر يومها لم يكن أمامها طريق سهل نحو الحرية. كان الاستعمار لا يزال قائمًا، والسلاح في يد المحتل، والسجون مفتوحة، والمطاردات مستمرة، والموت حاضرًا في كل لحظة. ومع ذلك كان عليهم أن يقرروا، وأن ينفذوا، وأن يتحملوا نتائج قراراتهم.
ومن السهل جدًا، بعد مرور أكثر من سبعين عامًا، أن نجلس في راحة وأمان ونفتح كتب التاريخ، ثم نعيد محاكمة أولئك الرجال وكأننا كنا نعيش معهم في تلك اللحظة، نعرف ما سيحدث غدًا، ونملك كل المعلومات التي نملكها اليوم. لكن التاريخ الجاد لا يُقرأ بهذه الطريقة؛ فلكي نفهم قرارًا تاريخيًا علينا أن نفهم أولًا الظروف التي وُلد فيها ذلك القرار. وهذا لا يعني أن نحول رجال الثورة إلى أشخاص فوق النقد أو أن نمنع الباحث من مساءلة قراراتهم، بل يعني أن يكون النقد عادلًا، وأن نضع الإنسان والحدث في زمانه ومكانه، وأن ندرك أن هؤلاء الرجال كانوا يتصرفون وسط حرب حقيقية، وليس أمام طاولة نقاش هادئة في زمن الاستقرار.
قد نختلف في تقييم بعض الشخصيات، وقد نختلف في تفسير بعض قرارات مؤتمر الصومام، وقد يملك كل باحث قراءته الخاصة للأحداث، وهذا حق من حقوق التاريخ. لكن الاختلاف في قراءة القرارات لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للتضحيات، ولا إلى محاولة تجريد أولئك الرجال من حقيقة أنهم كانوا يعيشون في قلب الخطر. فخلف كل قرار اتُخذ في تلك المرحلة كان هناك رجال يمكن أن يدفعوا حياتهم ثمنًا له، وخلف كل اجتماع كانت هناك عيون تراقب وتحاصر وتطارد، وخلف كل خطوة كانت هناك أمهات ينتظرن أبناءهن، وأطفال يكبرون دون آبائهم، وعائلات تدفع ثمن الحرب.
لهذا فإن مؤتمر الصومام لا ينبغي أن يبقى مجرد اسم في كتاب مدرسي أو تاريخ محفوظ عن ظهر قلب. ينبغي أن نتذكر أن وراء ذلك الاسم رجالًا حملوا أوجاع شعب بأكمله، وأنهم كانوا يحاولون بناء تنظيم ثوري قادر على الاستمرار في الوقت الذي كانت فيه الجزائر كلها تعيش تحت قبضة استعمارية قاسية. كانوا يريدون أن يجعلوا من الثورة قوة أكثر تنظيمًا وقدرة على الاستمرار، وأن يحولوا التضحيات المتفرقة إلى مشروع تحرير واضح المعالم. وهذا وحده يوضح حجم المسؤولية التي كانت ملقاة على عاتقهم.
لقد كان جيل الثورة يعرف شيئًا لا ينبغي أن تنساه الأجيال اللاحقة: أن تحرير الوطن لا يكون بالكلام وحده. فالكلمات يمكن أن تكون جميلة، والخطب يمكن أن تكون مؤثرة، والشعارات يمكن أن تلهب الجماهير، لكن الوطن لا يتحرر إلا عندما يتحول الإيمان به إلى تضحية وفعل ومسؤولية. أولئك الرجال لم يطلبوا من الجزائر أن تدفع الثمن وحدها، بل دفعوا هم أيضًا من أعمارهم وحياتهم وأمنهم وأحلامهم الشخصية. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لهم اليوم ليس التقديس الأعمى، ولا النقد الأعمى، وإنما الإنصاف.
إن الإنصاف الحقيقي يقتضي أن نضعهم في المكان الذي كانوا فيه: وسط الجبال، تحت المطاردة، في زمن لا يعرف فيه الإنسان هل سيصل إلى صباح اليوم التالي أم لا. هناك، وسط تلك الظروف، كان عليهم أن يفكروا في مستقبل الجزائر. كانوا يحملون بندقية، لكنهم كانوا يحملون معها مسؤولية تاريخية أثقل بكثير من وزنها. كانوا يعرفون أن الطريق طويل، وأن الاستقلال ليس مضمونًا، وأن الاستعمار لن يتنازل بسهولة عن أرض استولى عليها منذ أكثر من قرن. ومع ذلك واصلوا الطريق.
واليوم، ونحن نعيش في جزائر مستقلة، يجب ألا ننسى أن الاستقلال الذي نراه أمرًا طبيعيًا في حياتنا اليومية كان بالنسبة إلى أولئك الرجال حلمًا بعيدًا، وربما حلمًا لم يضمنوا أن يعيشوا حتى يرونه يتحقق. كانوا يقاتلون من أجل وطن سيأتي بعدهم، ومن أجل أجيال لم يعرفوا أسماءها، ومن أجل أطفال لم يولدوا بعد. وهذه هي المفارقة العظيمة في تضحياتهم: أنهم ضحوا من أجل مستقبل لن يعيشوا فيه، وحملوا همّ أجيال لم يعرفوها، ومشوا في طريق مليء بالموت حتى تستطيع الجزائر أن تمشي بعدهم في طريق الحرية.
ولهذا، عندما نفتح اليوم صفحات مؤتمر الصومام، لا ينبغي أن نرى فقط أسماء وقرارات وخلافات سياسية وتنظيمية؛ علينا أن نرى خلف تلك الصفحات وجه الجزائر الجريحة، وأن نتذكر أولئك الرجال الذين لم تكن لهم رفاهية المكاتب المكيفة ولا ضمانات المستقبل، وإنما كانت أمامهم الجزائر بكل آلامها وآمالها. لقد قرروا، ونفذوا، وتحملوا، ومشوا على الشوك، وكانوا يعرفون أن الطريق قد ينتهي بهم إلى الموت، لكنهم واصلوا السير لأنهم كانوا يؤمنون بأن الوطن أكبر من أعمارهم وأبقى من حياتهم.
قد يختلف الجزائريون في قراءة التاريخ، وهذا طبيعي، لكن لا ينبغي أن يختلفوا في احترام الحقيقة الأساسية: أن الجزائر لم تحصل على استقلالها مجانًا، وأن وراء العلم الذي نرفعه اليوم أجيالًا دفعت ثمنًا باهظًا، وأن رجالًا عاشوا في أصعب الظروف حملوا قضية وطنهم فوق أكتافهم ومضوا بها إلى الأمام.
إن واجبنا تجاه هؤلاء ليس أن نعيش أسرى للماضي، وإنما أن نفهمه جيدًا، وأن نحفظه من التشويه والنسيان، وأن نعلم أبناءنا أن الوطن الذي نعيش فيه اليوم لم يكن دائمًا بهذا الشكل، وأن الحرية التي تبدو لنا بسيطة وعادية كانت ذات يوم حلمًا بعيدًا يستحق أن يُدفع من أجله أغلى ما يملك الإنسان.
هؤلاء الرجال لم يكونوا أصحاب مكاتب مكيفة؛ كانوا أبناء معركة. لم يحملوا أوراقًا فقط؛ حملوا أوجاع أمة. لم يبحثوا عن طريق مريح؛ مشوا على الشوك. ولم يكونوا يعرفون ماذا سيكتب التاريخ عنهم، لكنهم كانوا يعرفون شيئًا واحدًا: أن الجزائر يجب أن تتحرر.
وهذا وحده كافٍ لكي نتذكرهم بما يستحقه التاريخ من إنصاف، وبما تستحقه الجزائر من وفاء.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبشروا يا أهلنا... الجزائر لا تترك أبناءها وحدهم
- وزارة للغابات والتشجير وحماية البيئة... الجزائر بحاجة إلى قر ...
- الجزائري... حين تتكلم الشخصية التي صنعتها القرون
- حين تحترق الأرض... تحترق معها قلوبنا
- إصلاح التعليم في الجزائر : فرصتان ضاءعتان
- كفى تسمية الإهمال قدرا !
- من جزائري أصيل إلى نسخة من الآخر : أين ضاعت الشخصية الجزائري ...
- الإصلاح التربوي ليس تغيير مادة أو لغة
- إجماع العلماء... بين الحقيقة وسلطة الخطاب
- الجزائر وذاكرة الأرض: حين يتحدث التاريخ
- آن الأوان لفتح هذا النقاش
- أمة تؤجل اسئلتها الكبرى
- الفقر كعقلية لا كقدر : حين يتحول البؤس إلى عقيدة
- المرأة... حين تكون الكرامة اسما آخر للحياة
- إلى ممثلي الشعب في البرلمان القادم : دولة الحريات لا دولة ال ...
- رسالة إلى الشعب الجزائري وإلى القادمين الجدد إلى البرلمان
- الجزائر : هوية تُكتب بين الجبل والصحراء والبحر... وزمن يمشي ...
- الجهل المنظم... حين يصبح غياب الوعي أخطر من الأزمات
- هل العلمانية قدر مستقبلي للجزاير ؟
- حين تصبح الهوية أوسع من الشعارات


المزيد.....




- واشنطن تضغط في الإمارات لتضييق الخناق على -الثغرات- المالية ...
- جنوب لبنان.. آثار الغارة الإسرائيلية العنيفة على بلدة النبطي ...
- جنوب لبنان.. لحظة استهداف طائرات الجيش الإسرائيلي لمبنى في ب ...
- بركان -ابن كراكاتاو- يعطّل سفر 150 ألف شخص في إندونيسيا
- واشنطن تنفي استهداف إيران سفينة عسكرية أمريكية مسيّرة
- وزير الداخلية الإندونيسي يحذر من خطر كبير لرماد بركان -أناك ...
- هل تهدد شائعة -الفضيحة الجنسية- الخفية في -نسيج بايو- شرعية ...
- تقرير عبري عن براعة مصرية في إدارة ملفات حساسة.. ما علاقة خط ...
- الحوثيون ينشرون مشاهد لاستهداف اجتماع قيادات عسكرية يمنية تد ...
- نحو 30 جزيرة جديدة.. جغرافيا روسيا تتغير في القطب الشمالي


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محفوظ بجاوي - قادة مؤتمر الصومام... رجال حملوا أوجاع الجزائر