محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 20:19
المحور:
المجتمع المدني
ليس من السهل أن تتحدث عن الشعب الجزائري في بضعة أسطر، ولا أن تختصر شخصيته في كلمة واحدة أو صفة عابرة. فالجزائري لم تصنعه سنوات قليلة، ولم تتشكل شخصيته في مدرسة واحدة أو مرحلة واحدة من التاريخ، بل هو حصيلة قرون طويلة من الحياة فوق هذه الأرض، اختلطت فيها الجغرافيا بالتاريخ، وامتزجت فيها الذاكرة الجماعية بالمقاومة، والتضامن بالتحدي، والكرامة بالقدرة على الصمود. ولهذا فإن محاولة فهم الجزائري من خلال موقف عابر، أو دراسة واحدة، أو حتى كتاب كامل، قد لا تكفي للوصول إلى حقيقة هذه الشخصية المعقدة والغنية بتناقضاتها.
ومن أهم العناصر التي ساهمت في صناعة الشخصية الجزائرية ذلك الإرث الاجتماعي العميق الذي بقي حيًا رغم مرور الزمن وتغير الظروف. فقد ورث الجزائري عن مجتمعاته القديمة، وعن أجداده الذين عاشوا فوق هذه الأرض، روح المبادرة الجماعية وعدم انتظار الأوامر من أجل التحرك. ففي القرى والمداشر، لم يكن الناس ينتظرون دائمًا سلطة بعيدة لتأتي وتحل مشكلاتهم، بل كانوا يجتمعون ويتشاورون ويتحملون مسؤولية مجتمعهم بأنفسهم، كل واحد بما يملك من جهد أو وقت أو خبرة.
ومن هنا جاءت مؤسسات وعادات اجتماعية بقي أثرها راسخًا إلى اليوم، مثل تاجماعت والتويزة. لم تكن هذه مجرد كلمات أو تقاليد فولكلورية تحفظها الكتب، بل كانت تعبيرًا عن طريقة في التفكير والحياة. تاجماعت تعني الاجتماع والتشاور وتحمل المسؤولية الجماعية، والتويزة تعني أن يتحول العمل الذي يعجز عنه الفرد إلى عمل يستطيع المجتمع كله إنجازه عندما تتضافر الجهود. ولهذا بقي في عقلية الجزائري، مهما تغيرت الحياة، استعداد غريب لأن يتحرك عندما يشعر أن هناك من يحتاج إليه، وكأن الذاكرة الجماعية لا تزال تقول له إن مصيبة الآخر قد تصبح مصيبتك أنت أيضًا.
ولهذا لا تستغرب عندما تقع كارثة أو تحل محنة، أن ترى الجزائريين يتحركون بسرعة. قبل أن تكتمل الاجتماعات، وقبل أن تنتهي البيانات، وقبل أن يعرف الجميع من المسؤول عن ماذا، تجد شبابًا يتركون أعمالهم، ونساءً يجهزن الطعام، وسيارات تتجه نحو المناطق المنكوبة، وأناسًا يحملون ما يستطيعون من دواء أو غذاء أو لباس. لا يسأل كثير منهم من يعرفون ومن لا يعرفون، لأن السؤال في تلك اللحظة لا يكون: من هم؟ بل ماذا نستطيع أن نفعل؟. إنها ليست ظاهرة طارئة، بل امتداد لذاكرة اجتماعية قديمة بقيت تسكن هذه الشخصية رغم تغير الزمن.
ثم هناك صفة أخرى لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن الجزائري، وهي روح التحدي. فالجزائري لا يحب أن يشعر بأن أحدًا وضعه أمام المستحيل، ولا يتقبل بسهولة أن يقال له إن الأمر انتهى أو أن لا قدرة له على المواجهة. وكلما شعر بأن الخطر حقيقي وأن التحدي كبير، استيقظ فيه شعور يدفعه إلى إثبات أنه لم ولن يخاف، وأنه لم ولن يركع بسهولة. وربما كان تاريخ الجزائر نفسه واحدًا من أهم الأسباب التي جعلت هذه الروح حاضرة في الوجدان الشعبي، لأن أجيالًا متعاقبة تعلمت أن البقاء أحيانًا لا يكون إلا بالمقاومة، وأن الإنسان قد يملك قوة أكبر مما يعتقد عندما يجد نفسه أمام امتحان حقيقي.
لكن التحدي وحده لا يفسر كل شيء، فهناك كلمة أخرى تحمل داخلها عالمًا كاملًا من المعاني في الثقافة الجزائرية، وهي النيف. قد يترجمها البعض بالكرامة، وقد يربطها آخرون بالشهامة أو الكبرياء أو الرجولة، لكن هذه الكلمات مجتمعة لا تستطيع دائمًا أن تنقل كل ما تحمله كلمة (( النيف)) في العقلية الشعبية الجزائرية. إنها ذلك الشعور الداخلي الذي يجعل الإنسان يرفض الإهانة، ويرفض أن يشعر بأنه أقل من غيره، ويدفعه إلى الوقوف عندما يعتقد أن الوقوف واجب، حتى لو كان الثمن صعبًا.
والنيف، بالنسبة إلى كثير من الجزائريين، ليس مجرد مظهر أو شعار، بل واحد من أقوى المحركات النفسية والاجتماعية. قد يتحمل الجزائري الفقر والتعب والظروف الصعبة، وقد يشكو من الحياة ومن السياسة ومن المجتمع، لكنه عندما يشعر أن كرامته أصبحت موضع امتحان، تتغير حساباته. ويمكن أن تختلف معه في تفسير الرجولة أو الشهامة، ويمكن أن تنتقد بعض مظاهر هذه الثقافة، لكن من الصعب إنكار أن صورة الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين لا تزال تلعب دورًا كبيرًا في دفعه إلى اتخاذ مواقف قد لا يتخذها بالحسابات العقلية وحدها.
ومن هنا نصل إلى مفارقة مهمة في الشخصية الجزائرية، وهي علاقتها بالخوف. نعم، الجزائري يخاف، فهو إنسان مثل غيره، والخوف غريزة لا عيب فيها. لكنه أحيانًا يخاف من شيء آخر أكثر من خوفه من الخطر نفسه؛ يخاف أن يُقال عنه إنه جبن، أو إنه تراجع، أو إنه ترك الآخرين يواجهون الموقف وحدهم. ولهذا قد تجده في الصف الأول حتى وهو غير مقتنع تمامًا بالقضية، وقد يندفع إلى موقف لم يمنحه العقل الوقت الكافي للتفكير فيه، فقط لأنه لا يريد أن يظهر أقل شجاعة أو أقل رجولة ممن حوله.
وهذه الصفة، مثل كل الصفات الإنسانية، لها وجهان. فقد تكون مصدرًا للشجاعة والمروءة والتضحية، وقد تتحول أحيانًا إلى اندفاع وتهور. وقد تدفع الإنسان إلى إنقاذ غيره، وقد تدفعه في بعض المواقف إلى المخاطرة دون حساب. لكن الشخصية الإنسانية لا تُصنع من الصفات المثالية وحدها، والشعوب لا يمكن فهمها من خلال الفضائل فقط، بل من خلال تناقضاتها أيضًا. وربما تكمن قوة الشخصية الجزائرية في هذا الخليط نفسه؛ خليط من الشجاعة والخوف، والعقل والاندفاع، والكرامة والعناد، والتواضع والكبرياء.
قد ترى الجزائري في يوم عادي فتظن أنك فهمته. تجده ساخرًا، كثير المزاح، ينتقد كل شيء، ويشكو من كل شيء، وربما يبدو لك أحيانًا غير مبالٍ بما يحدث حوله. وقد تسمعه يتحدث عن مشكلاته اليومية وكأن الدنيا كلها أصبحت عبئًا فوق كتفيه. لكن انتظر لحظة الشدة، وانتظر اللحظة التي يصبح فيها الخطر حقيقيًا، أو يحتاج فيها إنسان إلى النجدة، أو يشعر فيها بأن الوطن أو الكرامة أصبحا في موضع امتحان. عندها قد يظهر أمامك إنسان آخر، وكأن شيئًا كان نائمًا في داخله ثم استيقظ فجأة.
ترى الإنسان الذي كان يشكو بالأمس يحمل اليوم ما يستطيع ويوجه خطواته نحو مكان لا يعرفه، وترى الشاب الذي يعاني من مشكلاته الخاصة ينسى نفسه للحظات ليبحث عن طريقة يساعد بها الآخرين، وترى الفقير يقتسم القليل الذي يملكه، وترى المختلفين في الرأي يتركون خلافاتهم جانبًا لأن هناك شيئًا أكبر من الجدل في تلك اللحظة. وهنا تبدأ في فهم معنى التويزة الحقيقي، ليس بوصفها عادة قديمة، بل بوصفها روحًا يمكن أن تعود إلى الحياة كلما شعر المجتمع أن أحد أجزائه في خطر.
ولهذا فإن الجزائري مليء بالتناقضات التي قد تبدو غريبة لمن يراقبه من الخارج. قد ينتقد بلده صباحًا بكل قسوة، لكنه يغضب إذا انتقده غريب مساءً. وقد يختلف مع أخيه في السياسة أو الفكر أو اللغة أو التاريخ، ثم يقف إلى جانبه بلا تردد عندما يصبح الخطر قريبًا. وقد يبدو شديد الاعتزاز بنفسه إلى درجة تجعل البعض يصفه بأنه (( زواخ )) أو أنه «شايف روحو فوق اللازم»، وربما لا تخلو الشخصية الجزائرية من شيء من هذا الاعتزاز والمبالغة أحيانًا، لكن السؤال الحقيقي ليس ما يقوله الجزائري عن نفسه، بل ما يفعله عندما تأتي لحظة الاختبار.
فالشجاعة لا تثبتها الكلمات، بل لحظة الخوف. والتضامن لا تثبته الشعارات، بل لحظة الحاجة. وحب الوطن لا تقيسه الأغاني والخطب، بل تقيسه اللحظة التي يصبح فيها الوطن أو الناس بحاجة إلى من يقف إلى جانبهم. وفي تلك اللحظة، قد تكتشف أن خلف كل ذلك الضجيج والانتقاد والسخرية روحًا أخرى لا تظهر كل يوم، لكنها موجودة في مكان ما داخل هذه الشخصية.
إن القول إن الجزائري شخصية استثنائية لا يعني أنه أفضل من بقية الشعوب، ولا يعني أن الشعب الجزائري شعب بلا عيوب أو أخطاء. فكل شعب له خصوصيته وتاريخه وصفاته الجميلة ومشكلاته أيضًا. لكن للجزائري تركيبة اجتماعية ونفسية وتاريخية خاصة، صنعتها قرون طويلة من التجارب، وجعلت فيه شيئًا يصعب أحيانًا تفسيره أو توقعه. فأنت لا تعرف دائمًا متى ستظهر تلك الصفات، ولا تعرف أي حدث سيوقظها، لكنك تراها فجأة عندما تأتي لحظة لا يعود فيها الكلام كافيًا.
ولهذا، إذا أردت أن تعرف الجزائري، فلا تحكم عليه من يوم عادي، ولا من حديث عابر، ولا من منشور في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا حتى من نقاش سياسي عابر. انتظر لحظة الحقيقة. انتظر عندما تضيق الخيارات، ويقترب الخطر، ويصبح على الإنسان أن يختار بين أن يقف أو أن يتراجع. هناك، في تلك اللحظة، تبدأ في رؤية جانب آخر من هذه الشخصية التي صنعتها القرون.
إنها شخصية تحمل في أعماقها إرث تاجماعت والتويزة، وروح التحدي، والنيف، والشهامة، والكبرياء، والتضامن، كما تحمل أيضًا تناقضاتها واندفاعها وأخطاءها. ولهذا لا يمكن أن تُقرأ في دراسة واحدة، ولا أن تُختصر في كتاب واحد، لأنك كلما ظننت أنك فهمتها، جاءت لحظة جديدة لتكشف لك جانبًا لم تكن تراه.
فالجزائري لا يتصنع كل صفاته، لكنه لا يُظهرها في كل وقت. وما يجعلك أحيانًا لا تفهمه، هو أنك لا تعرف متى ستأتي اللحظة التي تستيقظ فيها تلك الصفات. وعندما تأتي… قد تقف متعجبًا، وتسأل: من أين جاء بكل هذه القوة؟
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟