أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - صوتُ حجرٍ مُلقى في بئر (افكار تتعلق بنصوص صبا سهيل سامي)














المزيد.....

صوتُ حجرٍ مُلقى في بئر (افكار تتعلق بنصوص صبا سهيل سامي)


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


"بدون نسيان، لا يمكن أن توجد سعادة، ولا أمل، ولا نبل، ولا حاضر". نيتشه، في جينالوجيا الأخلاق.

يتناول النص الخالي من العنوان لصبا سهيل سامي المنشور على صفحتها في الفيسبوك بتاريخ 7 أيلول 2026، (الرابط مرفق) تجربة وجودية وجمالية شفيفة حول الذاكرة والجسد والمكان والزمن، ويكشف أسلوب كتابتها عن رحلة بصرية ونفسية تُفكك أثر الفقد التدريجي للمفردات مقابل قدرة الجسد والأشياء الصامتة على حراسة المعنى، واختزان الذكرى، كما يتتبع آليات الدفاع النفسي ومحاولات الاستجابة لمرض يتسلل إلى الذاكرة، يحرثها بألم ممض، ويترك فيها مساحات بيضاء؛ إنها عملية محو وتدوين وعذاب أبيض.
ذكّرتني أفكار الكاتبة بما ذهب إلية فريديك نيتشه في كتاباته عن الذاكرة والنسيان وتشكل الذات، إذ يتشابك مفهوم الذاكرة عنده عميقاً مع فلسفته حول الأخلاق، والنسيان، وصناعة الإنسان، فهو لم ينظر إلى الذاكرة كخاصية بيولوجية محايدة لترتيب الأحداث، بل اعتبرها أداتين متناقضتين: وسيلة قاسية لتطويع البشر، أو عبئاً يعوق الحياة إن لم يُسيطر عليه، وهذا ما تذهب إليه صبا سامي في نصها موضوع البحث.
في كتابه "في جينالوجيا الأخلاق" يطرح نيتشه سؤالاً محورياً: كيف نُشكل حيواناً يقدر على أن يَعُدُّ؟ ويرى أن الإنسان في أصله كائن نَسّاء يحيا في الحاضر، ولكي يتم تصنيع كائن ملتزم بالعقود والوعود، كان لا بد من زرع "ذاكرة" رغماً عنه. يقول بهذا الصدد: "كي يبقى شيء في الذاكرة، يجب أن يُكتوى به؛ الألم وحده هو ما يطبع الأشياء في الذاكرة". ويوضح أن العقوبات القاسية، والطقوس الدموية، والتعذيب التاريخي كانت الوسائل الوحيدة لتأطير العقل البشري وجعله يتذكر التزاماته.
يصف نيتشه النسيان بأنه "بوّابُ" العقل؛ فهو يمنحنا القدرة على تجاوز الماضي والتجدد، ومن دون النسيان، يصاب العقل بالامتلاء والانسداد ولا يستطيع استيعاب التجربة الجديدة. ويقول في "تأملات ليس في وقتها": «تخيل إنساناً لا يمتلك القدرة على النسيان... إنه لن يؤمن بعدُ بوجوده، ولن يؤمن بنفسه، وسيملأه الشك في كل شيء".
لدى صبا سهيل سامي أفكار لا تختلف عن هذا الفهم، إنما تتطابق وإياها، فقد نشأت عادة كتابة الكلمات المفردة لديها وتشتيتها في أماكن مختلفة كاستجابة غير واعية لخوف مبكر من الفقدان، هي "مرساة" ألقيت في المستقبل، وأساسات مادية لبنية نفسية للنسيان وتأثيثه، فحين يعجز العقل عن استحضار الاسم أو التفاصيل المباشرة، تتولى أعضاء الجسد المهمة.
إنه اشتغال سيكولوجي/ ظاهراتي صرف، حيث يتم استدعاء شارع قديم ليس عبر صورة ذهنية منظمة، بل عبر إحساس في القدمين ودقات القلب ودرجة حرارة الهواء. يُظهر النص كيف يَخزن الجسد التجارب بعيدًا عن الوعي اللغوي، في منأى عن قصدية العقل السائدة والمهيمنة في العادة، بل تعطيله بهدف السماح للحادثة التسلل بلا صوت، لتظهر من العدم في دغدغة في القدمين أو درجة حرارة الهواء.
تكشف القصاصة الثانية (كوني قوية) عن استجابة نفسية مجهدة؛ حيث تلجأ الذات في لحظات الانكسار إلى فرض القوة كخيار وحيد، بدلاً من منح النفس مساحة للتعب أو البكاء. إنها إستراتيجية النجاة القاسية، ليس من الماضي وذكراه المبهمة، بل النجاة من عودة شبح الذاكرة نفسها، فتوصي نفسها بأن تكون قوية في استقبالها مجدداً.. الكاتبة هنا تبني وتترك ما بنته لضروب الزمن وعبثه، وتخاف من انهيار بنائها. ثمة لعبة عقل حذر ومخاتل، فهو يخاتل الماضي مرة، والحاضر مرة أخرى، ويقفز للمستقل؛ عقل زئبقي له القدرة على الانتشار والتجمع.
تعتمد جماليات النص على التخلي عن السرد المكتمل لصالح اللمحة والشفرة: اختيار كلمة واحدة أو رسمة بسيطة لشارع يعكس الانحياز للمحتوى التكثيفي: (إنه اسلوبها الخاص)، التفاصيل الكاملة قد تفقد حركتها، بينما تمنح الكلمة المفردة (الحياة، الزمن) الطاقة لتفجير المعنى عند لمسها. إنها شعرية الناقص وبلاغة الأثر في ترك الأوراق للغبار والرطوبة والصدفة دون عناية فائقة. تحول الورق إلى اللون الأصفر وتلاشي الحبر يضيف بعدًا بصريًا يوازي تآكل الذكرى، مما يجعل الورقة مادة حية تشيب وتتغير كالمرأة التي كتبتها. وتتحول أجزاء البيت (الأدراج، جيوب المعاطف، صفحات الكتب) إلى مسرح لصدف جمالية، سحر التداعي والانهيار، حيث لا يُبحث عن القصاصة بقصد، بل تُكتشف أثناء البحث عن شيء آخر.
يطرح النص أسئلة عميقة حول الماهية وثبات الذات عبر تغيرات الزمن، والسخرية من كتابة التواريخ تكشف عن وعي وجودي بأن الزمن ليس أرقامًا تُسجل في روزنامة، بل هو انسياب نمر من خلاله، هواء نتنفسه. الأشياء لا تتغير بمرور السنين بقدر ما تتغير الذات التي تعبر هذه السنين. هنا تنبثق الحاجة إلى "شاهد خارجي" إذ يتجلى البعد الوجودي في التمييز بين (أتذكر) وبين (كنت هناك). أمام احتمال تهاوي الذاكرة، تصبح القصاصة شاهدًا محايدًا على الحقيقة؛ وجود الورقة يثبت الواقعة، حتى لو نسيت الذاكرة تفاصيلها. إنها الدليل المادي على الوجود ما دام العقل عرضة لمرض النسيان. (انا اعثر على ما كنت عليه، فأنا موجدة!) هذا سر من اسرارها، وليس لفلسفة ديكارت علاقة به!
على عادتها في الكتابة تنظر صبا إلى ذواتها السابقة (المرأة التي كانت تخاف، المرأة التي أحبت) كطبقات بنائية تشكل حاضرها، وفي النهاية، يصل النص إلى تسليم وجودي مُصالحٌ: لا داعي لحفظ كل شيء أو إبقاء الورق للأبد، فالكفاية تكمن في وصول المعنى في اللحظة المناسبة، وفي أن الزمن وإن أكل الورق، فإنه يعجز عن محو الأثر العميق الذي انغرس في الروح. (لكنه لم يستطع أن يأكلني كلّي).
تشبك هذه التجربة الوجودية بين الخوف من ضياع الكلمات وبين اليقين بأن الذات أعمق من مجرد أسماء وتفاصيل؛ إنها المادة التي تتشكل مما ننساه بقدر ما تتشكل مما نتذكره.
___________________________________________________
يمكنكم العودة إلى النص كما جاء على صفحتها على الفيسبوك ليوم 7 أيلول 2026 (https://www.facebook.com/sebasami)



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطوطمي المتواطِئ مع الجمال
- الشاعر دلاور قرداغي يأخذ الخفاش في نزهة
- الحَيَاةُ نَوَاةُ تَمْرٍ.. لَيْسَ إلّا!
- كارمن العظيمة (قصة لم تنته)
- معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب
- اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)
- سأترك كل شيء ورائي
- ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا ...
- المتصل والمنفصل
- الكلب -رينو-
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم


المزيد.....




- ياسمين صبري تخطف الأنظار بفستان أحمر في أسبوع الموضة بباريس ...
- -خيوط مصر-.. القاهرة توطد العلاقات مع موسكو
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت ...
- التعليم العالى: مجلس جامعة بنها الأهلية يوافق على دراسة جدوى ...
- كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
- دال في ذكراه الـ225.. كيف صار الدنماركي دال حارسَ اللغة الر ...
- إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
- بعد التخدير الطبي.. لماذا تختفي إحدى لغات ثنائيي اللغة مؤقتا ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة في جامعة علي جراه الهنديّة عن أدب الأط ...
- إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - صوتُ حجرٍ مُلقى في بئر (افكار تتعلق بنصوص صبا سهيل سامي)