أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الشاعر دلاور قرداغي يأخذ الخفاش في نزهة














المزيد.....

الشاعر دلاور قرداغي يأخذ الخفاش في نزهة


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 22:11
المحور: الادب والفن
    


تتجسد في ديوان "أنا في مدينة بعيدة جداً" للشاعر الكردي دلاور قرداغي (بترجمة رائعة للشاعر طيب جبّار) تجربة شعرية منفردة ذات ملامح جمالية خاصة؛ انبثقت جذورها من انتماء قرداغي الجذري إلى أرضية الشعر الكردي؛ (شعر جيل ما بعد الانتفاضة)، وهي مرحلة شهدت تحولات عميقة في البنية الاجتماعية في كردستان وأشد عمقاً في صميم البنية الجمالية والفكرية للأدب الكردي المعاصر.
تتسم الصورة الشعرية عند قرداغي بالارتحال السلس والمشروع عن المباشرة نحو خلق علاقات غير مألوفة بين الأشياء. إذ يبرز في نصّه اشتغال بليغ على أسلوب "العدّ والإحصاء الشاعري" وتكثيف الملموسات، كما يتجلى في قصيدة "لدي أعمال كثيرة"، التي يستهل بها ديوانه، ويفتح الباب امامنا "لأعمال كثيرة" حيث يتحول الفعل اليومي إلى طقس إعادة تنظيم للوجود وجمالياته المتواضعة.
هنا يعيد الشاعر تشكيل أواصر الطبيعة في زحزحة للموجودات عن أماكنها المعتادة لتكتسب وجوداً جمالياً غريباً عليها؛ فيدحرج القمر إلى النافذة، ويقيس ضغط دم النارنج، ويعيد الصمت إلى رأس السطر؛ لكنه وهو يلعب لعبته هذه لا ينتهك حقيقة الأشياء، بل يحافظ على جوهرها؛ فالمجاز في شعره يضاعف وجود الأشياء ويصقله.
يعتمد الشاعر التكرار كإيقاع داخلي يبني الحالات الشعورية، كما في تكرار التشكيلات الندائية وصيغة النفي في قصيدة "لا أحد مثلك..." لتأكيد فرادة الآخر/الفقد. فتظهر البلاغة في منح الكائنات المهملة حساسية إنسانية وعاطفية؛ فهو يخاطب الدودة بضمير الجمع كي لا تتزعزع ثقتها بنفسها، ويمسك يد الخفاش للنزهة.
تتحرك تجربة قرداغي في منطقة برزخية بين الوجود والغياب، ويظهر البُعد الفلسفي جلياً من خلال محاور رئيسية إذ يتساءل عن ماهية ذاته ووجوده الفيزيائي، كما في قصيدة "أنا الموجود حالياً يمكن أن لا أكون أنا". إنها رؤية وجودية ترى الكينونة حقيقة متغيرة وموزعة بين الحكايات، والظواهر الطبيعية، والكائنات، إنها سيولة الهوية والوجود المفترض المشكوك به.
تنبع النزعة العدمية والقلق الوجودي عند قرداغي ليس من باب الاغتراب السلبي فحسب، بل من إدراك هشاشة المصير الإنساني والوحشة أمام الزمن والمنفى. ويتجلى ذلك في نصوص مثل "أنا مسافر في هذه المدن الباردة"، حيث تتساوى الأشياء في عزلة يكتنفها البردُ، ويتحول المنفى إلى قرين ينمو ويموت مع الذات. ويظهر الزمن والفقدان كقوة تفكيك وتشتيت؛ "فالأولاد يبركون في محطات القطار"، و "الطفولة تسأل عن الوقت بأصابع ملطخة باللامبالاة".
ينسج دلاور قرداغي تجربته ضمن امتداد الحداثة الشعرية الكردية، ويتشابك في أفقها مع قامات مثل شيركو بيكس، في الاشتراك في أنسنة القضية والقصيدة، فكلاهما يجعل من الطبيعة الكردية (الجبل، الثلج، الطيور) مفردات حية تشارك الإنسان آلامه ونضاله. فبينما تميل قصيدة شيركو بيكس ملحمياً نحو الصراخ الاحتجاجي والفضاء المفتوح على المأساة الجماعية، يتجه قرداغي نحو التأمل الخافت والعزلة الذاتية. قصيدته أكثر ميلاً للهمس الوجودي، والتركيز على التفاصيل اليومية الصغيرة، وحزن المنفى الهادئ.
ينطلق النص الشعري للشاعر قرداغي من منطقة تأملية عميقة، تحول العزلة والعدم والغياب إلى عناصر بصرية وشعورية تُعاد بها صياغة العالم من جديد؛ فلا تعود هذه المفاهيم مجرد مظاهر للأسى واللوعة، وتتحول العزلة والعدم في "المدن الباردة"، إلى طاقة لبناء عالم شعري متماسك يعيد صياغة الواقع بجماليات المطر، والضباب، والغياب.
تتجلى هذه الأبعاد الفلسفية والجمالية عبر عدة محاور يقدم الشاعر فيها تساؤلات فلسفية حول ثبات الذات الإنسانية وهويتها؛ فالوجود عنده ليس كياناً صلباً أو ثابتاً، بل حالة متدفقة قابلة للتوزع بين ظواهر الطبيعة وحكايات الوجود الكوني. يكتب في قصيدته "أنا الموجود حالياً يمكن أن لا أكون أنا":
قد أكون قطرة مطر
قد أكون نقشاً باهتاً في كنيسة قديمة
أو كتابة على حجر قديم.
تتحول الذات هنا إلى محاولة مستمرة للكشف بالاكتشاف الموزع في التفاصيل؛ حيث يتلاشى الحد الفاصل بين "الأنا" و"الآخر" أو المادة، لتتحول الكينونة إلى استعارة موقوتة. كما تتبدى العدمية عبر الشعور الصارم ببرودة العالم واستحالة التغيير، إلّا من خلال التكيف مع العزلة والانغلاق الداخلي. فالمنفى ليس مجرد جغرافية بعيدة، بل حالة وجودية تُصاحب الذات وتنمو معها لتصبح قريناً ملازماً.
ففي قصيدة "الساعة الثالثة إلا خمس دقائق"، يتجسد المنفى ككيان حي يتبادل مع الشاعر أدواره وملابسه وطقوسه:
"أنا والمنفى نسافر أحدنا في الآخر
نتضايف
نجلس متجاورين على مصطبة
يشرب أحدنا الآخر
ويدخن أحدنا الآخر."
ويتعمق هذا الإحساس بالعدمية والحجم الجليدي للمحيط في قصيدته "أنا مسافر في هذه المدن الباردة"، حيث تنكفئ كل مظاهر العالم الخارجي إلى الداخل وتُشكل عناصر الطبيعة كالضباب والمطر والريح أدوات بناء للغة الشعرية، وليست مجرد خلفيات للمشهد. إنه يعيد صياغة العزلة من خلال مفردات كيميائية وتشكيلية تمنح الغياب تجسيداً ملموساً. ففي قصيدة "أتدفأ بالأرض..."، تتحول أدوات الطبيعة المحيطة بالغياب إلى قدر محتوم ومرجعية شعرية للذات فهو يحسب نفسه على التاريخ، والصنوبر والهواء والرمل.
أما في قصيدة "أنا في مدينة بعيدة جداً" _ بوابة الديوان _ فتأخذ الجماليات مساراً بصرياً يمتزج بالذاكرة والضباب، حيث يصبح التقاط صورة حية مع العزلة طقساً لتأكيد الحضور وسط الشتات:
"بجانب العزلة نلتقط صورة
أنت في الصورة مكسو بملابس عادية... "
يحول الشاعر العزلة والعدم إلى طاقة لبناء عالم شعري متماسك ويمارس نوعاً من "المقاومة الجمالية" تعيد صياغة الواقع بجماليات المطر، والضباب، والغياب. إذ يرتفع بالعدم والعزلة من مجرد مشاعر غريزية حزينة، إلى بنية فلسفية ورؤية جمالية تجعل من عناصر الطبيعة أدوات لإعادة خلق العالم وتأثيث المعنى من جديد.



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحَيَاةُ نَوَاةُ تَمْرٍ.. لَيْسَ إلّا!
- كارمن العظيمة (قصة لم تنته)
- معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب
- اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)
- سأترك كل شيء ورائي
- ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا ...
- المتصل والمنفصل
- الكلب -رينو-
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا


المزيد.....




- مصر.. توصية بتفكيك تمثال رمسيس الثاني بالكرنك
- وزير ثقافة الاحتلال يطالب بسحب جنسية مخرجي فيلم وثائقي عن غز ...
- بتهمة الخيانة.. وزير إسرائيلي يتوعد بسحب الجنسية من مخرجَي ف ...
- جولة بسمرقند.. جوهرة طريق الحرير وموطن العلماء والحكام التيم ...
- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الشاعر دلاور قرداغي يأخذ الخفاش في نزهة