يحيى الشيخ
الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 16:00
المحور:
الادب والفن
يشرفني تقديم دراسة الأستاذ إبراهيم عبد ربه ل "أماكن لا تصلح للكتابة" مذلة بالقصيدة المعنية.
رجل البراري
(بخصوص قصيدة يحيى الشيخ " أماكن لا تصلح للكتابة")
___________________ إبراهيم عبد ربه ____________________
الذي قرأ الملحمة الشعرية "التمائم الوثنية" أو "سيرة الرماد" ورواية "الشوق" أو "الخرائط السماوية" ل يحيى الشيخ يمكنه ببساطة الدخول إلى هذا النص النثري/ ذو الشعرية الكثيفة ويفهم عفويته الخام وارتباطاته العضوية بالطبيعة، ويصدق، كما أصدق أنا، أن هذا الرسام الشاعر لا يؤمن بالطبيعة اماً له وهو ابنها البار وحسب، إنما مبشراً برسالتها الكونية... فهو يفكر بها ويضع لها مخطوطات ورسوم وقصائد ويكتب سيرتها ضمن سيرته، ويسلك كما تسلك، وارتبط بنظامها وتعلم منها الانضباط وفهم الضرورة كيف يعيش، ويفكر و "يمشي حافياً".
في اعماله عموما، وفي هذه القصيدة تحديدًا، تتحول الكتابة من فعل ذهني بارد إلى ممارسة حيوية تقع في مرتبة الحاجات البيولوجية والنزعات الفطرية. إنه بلا تكلف يخلع حذائه ويمشي حافيا ليثبت انسانيته المرتبطة بالأرض، في الحقيقة أنه يبرهن في هذا النزوع على إنسانية اللغة والكتابة الدافئة المشمّسة، التي قطفها من البرية... لغتان في متناول قلم الشاعر: لغة الوجدان، ولغة الطبيعة الخام.
يأخذنا النص بوداعة وثقة عالية إلى خارج القواميس المجلدة الجاهزة للغة الشعرية التقليدية، ويعرض لنا بسخاء مفردات من الحقل البيولوجي واليومي: (الجنس، الطعام، الجوع، حذاء ضيق، والنعناع -عدو الافعى-). هذا الاختيار يمنح النص لغة طازجة وحسية تفوح منها رائحة البراري، ويخترع مناخاً لا توفره الطبيعة لوحدها، بل الرغبات؛ مناخ مستحضر من مجموعة فضاءات ينأى بالقصيدة عن التجريد النظري ويدخل بها مباشرة إلى حيز التجربة المعيشة، يزرعها في البراري ويتركها للريح والمطر والخِراف.
يتجلى جمال اللفظ في الانتقال من العام (البراري والنهر) إلى الخاص والدقيق في وصف الطبيعة، فيختار الشاعر أسماءً محددة ذات جرس بيئي دقيق سبق وله قضمها مثل جدي يرعى في البرية: (الخُبَّيز، الحندقوق ذو الفلقة الحمراء، النعناع البري) وهو يجمع (بعر الخراف، وصِرْو الحَمير) للمواقد. هذا المعجم الرعوي الذي عكف الشيخ على جمعه منذ طفولته وما زال، منح القصيدة لون الأرض وخشونتها، وحقق ما يمكن تسميته بـ "الجماليات الرعوية". وهي جماليات وضع يده عليها في الرسم قبل الكتابة، وحقق فيها اختراقاً للمألوف في الرسم العراقي. اعماله في الستينات والسبعينات من القرن الماضي شاهد تاريخي لما أقوله. (لابد من وقفة خاصة لهذا الجانب المركب من حياة هذا الرجل "المركب"، فهو رسام مكرس، ومصمم وشاعر وروائي وسيّري، وقاص، ومسرحي، وناقد...).
ينتقل النص في مقطعه الأخير من واقعية حرة ملونة بانطباعية جزلة بالوان النباتات والارض والسماء والشمس والنهر، ينتقل إلى فضاء أسطوري يعيد تشكيل علاقة الإنسان بعناصر الكون، فالصور هنا مركبة ومدهشة: الولادة المشتركة مع النهر من رحم واحد بشهادة القابلة اليهودية، التي تمنح السرد بعداً تاريخياً وأنثروبولوجياً وابتلاع النهر ثم خروجه من الرئة... هذه المشهدية السريالية حوّلت النهر من مجرد عنصر طبيعي (جغرافيا) إلى كائن حي، وتوأم وجودي للشاعر (ميثولوجيا).
نهر ولد مع الشاعر وخرج من فهمه، وعاش بجواره، يرمي بنفسه في لجته ويغرق؛ فيجد النهر فرصة ليعود إلى رحمه "رئة الشاعر": (بعد لحظات موت ابيض، خفيف، شفاف، خرج النهر من رئتي وعاد إلى مكانه) نهر بهذه المواصفات، لابد أن يكون نهراً أسطوريا لا يعرفه غير الشيخ وحده... ولا بد أن يكون قرينه السري.
عندما نضع هذا النص في سياق النقد المقارن، وتحديداً في إطار قصيدة النثر العربية ومقارنتها بالنزعات الرومانسية والسريالية الغربية، تبرز الملاحظات التالية: في أدب الرومانسية التقليدي (سواء عند شعراء المهجر أو رومانسية القرن التاسع عشر الاوربية)، كانت العودة إلى الطبيعة تتم بشكل مثالي وهارب، حيث الطبيعة ملاذ نقي من دنس المدينة، أما في هذا النص، فالعودة إلى الطبيعة عودة خشنة وغير مصفاة. الشاعر لا يجمع الورود، بل يجمع "بعر الخراف وصِرو الحمير"، ويمشي حافياً ليتفادى "الحذاء الضيق". إنها طبيعة واقعية تخلق من القبح جمالا يأتي مرة واحدة كما تأتي الحياة، وكما يأتي الموت. وقد قالها امرؤ القيس مبتكرا تلك الصورة الأخاذة البليغة: (تَرَى بَعْرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَا ... وَقِيعَانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ).
في صفحة وجهه الاخرى يتشابه النص مع أطروحات الحداثة الشعرية الغربية (مثل رامبو في "المركب السكران" أو مفهوم بودلير عن المراسلات) في جعل الجسد هو ممر التجربة ومختبر عواطفها، فالكتابة هنا تولد من استجابة الجسد للحياة. ومع ذلك، يتميز النص بنكهة مشرقية خاصة؛ فالنهر ليس رمزاً للتطهير المطلق، بل هو كائن مخيف وشهي في آن واحد، يحمل ثنائية الموت والحياة.
قدم الشاعر نقداً داخلياً حاداً للشعرية السائدة، فهو يضع تجربته في كفة، وتجربة "الشعراء الذين يقضمون مجازات شعرية مجففة" في كفة أخرى. هذه المقارنة الضمنية تذكرنا بموقف أدونيس وأنسي الحاج في بياناتهما عن قصيدة النثر، حيث تصبح القصيدة فعلاً يرفض القوالب البلاغية الجاهزة، وينتصر للتدفق العفوي الخالي من التفكير المسبق. الغنيمة الحقيقية للشاعر هي "التجربة الحية" وليس "البلاغة الميتة". وتظهر المفارقة النقدية هنا من خلال التناقض بين المعرفة والممارسة؛ فالشاعر يعلن أنه "يجهل الموت" وفي الوقت نفسه يرمي نفسه في لجة النهر ليعيش "الموت الأبيض، الخفيف، والشفاف". النص يعيش على حافة هذه الثنائيات: الامتلاء بالماء/الاختناق، الحذر من الجرف/الارتماء في اللجة، وهي مفارقات تمنح النص عمقاً فلسفياً يغلف بساطته الظاهرية.
بإيجاز، يمثل النص نموذجاً متقدماً لقصيدة النثر التي تحفر عميقاً في اليومي والبدائي لتصنع منه ميثولوجيا شخصية، مستخدمة لغة جسدية أرضية تتجاوز البلاغة التقليدية لصالح حرارة التجربة الحياتية وعفويتها.
أماكن لا تصلح للكتابة...
أكتبُ لأني أحبُّ الكتابة، وأمارسها بتلقائيةٍ وبلا تفكيرٍ مسبق كما أمارس الجنس، وأتناولها كالطعام حين أجوع. لا أكتبها حين «يؤلمني حذائي الضيق»، إنما أنزعه وأمشي حافياً؛ فملمس العشب أو رمل الساحل يمنحني شهادةً بأني إنسان يمشي، لا يفكر بكتابة الشعر، بل يمشي وحسب، مشغولا بتلمس العشب براحة قدميه، ويعيدهما إلى الأرض التي فارقها مذ كان حافياً...
أخرج إلى البراري لأستنشق الهواء البكر الذي ينبعث من جوف الأرض، وأقطف الخُبَّيز والحندقوق ذا الفلقة الحمراء والنعناع البري عدو الأفعى... وأجمع بعر الخراف وصِرْو الحَمير، وأعود بغنائم لا يحسدني عليها غير شعراء يقضمون مجازاتٍ شعريةً مجففة.
أنا والنهر ولدنا معاً، نزل معي من الرحم في اللحظة نفسها، وقد شهدت القابلة اليهودية بأني نزلت غارقاً بمائه وأنقذتني بضربةٍ على قفاي؛ فخرج النهر من فمي وتدفق في البرية... وحين فطنتُ لوجوده يلهو خلف البيت، كان قد ابتلع أخي في دوامته الربيعية ولم يعده؛ فحذرتني أمي من الاقتراب من جرفه أبعد من خطوة... لكني ابنها البار الذي يجهل الموت، غافلتها وهي نائمة في الظهيرة، ورميت نفسي في لجته، غطستُ، وشهقتُ مختنقاً، وقد بلعت النهر كله، وهجم عليَّ كلبي وأنقذني... بعد لحظات موتٍ أبيض، خفيفٍ، وشفاف، خرج النهر من رئتي وعاد إلى مكانه.
#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟