|
|
الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
يحيى الشيخ
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 12:46
المحور:
الادب والفن
القسم الثاني من دراسة الأستاذ إبراهيم عبد ربه لرواية "الخرائط السماوية" المعنونة ب (الرسالة الزرقاء في خرائط السماء) تمحورت حول مجموعة "الرسائل" التي اختتمت بها الرواية. ولأهمية الدراسة واعتزازا وفخراً بها اعيد نشرها مع النصوص التي تناولتها الدراسة. سبق لي نشر القسم الأول منها بعنوان "تشريح الوجود وترميم العدم" في 30 نيسان على صفحتي في الفيسبك. دراسة الأستاذ إبراهيم كشفت حقيقة أن النقد عمل معرفي يستمد وسائله من ثقافة رصينة تستطيع التغلغل بين طبقات الكتابة وانسجتها الرقيقة، كما يتغلغل الماء في طبقات الأرض ويتلمس حجارتها ورمالها ويسقيها. العمل النقدي عمل ابداعي مستقل يوازي موضوع النقد.
"الرسالة الزرقاء" في خرائط السماء (خلاصات بشأن رواية يحيى الشيخ "الخرائط السماوية") _____________________ إبراهيم عبد ربه ______________________
اعتاد الرسام والكاتب يحيى الشيخ تضمين رواياته رسوماً أو نصوصاً تفتح في بنية الرواية حيزاً يضاعف من دلالاتها ويوسع أفقها الجمالي؛ كما ورد في أول رواية له: "بهجة الأفاعي"، التي انطوت على مجموعة من رسوم الطلاسم، صدرت 2016، قال عنها الشاعر والمترجم المصري محمد عيد إبراهيم: (الرواية تمسك بالقارئ) ... أو يضمن الرواية قصائد كما في روايته الاخيرة "سليمان الرياحي"، صدرت 2026، كتب عنها الأستاذ عبد الله إسماعيل: (بلاغة هذا العمل تتجلى في قدرته على الحفاظ على خيط ناظم يربط بين الجنون العاقل والعقل المجنون). وكذلك هذه الرواية "الخرائط السماوية"، التي صدرت 2024، وضمت اثنتي عشرة رسمة لبغداد القديمة، مرسومة بريشة خشنة بالحبر الأسود، وستة عشر نصاً نثريا، بعنوان " الرسالة الزرقاء"، كتب صباح الانباري عن الرسوم فيها: (... ساهمت بشكل جدي في بلورة الرواية، ودعم أفكارها، وتعزيز دورها في التطور الناجز اجتماعياً وفنياً).
قدمت مجموعة الرسائل صورة تأويلية لكائن أمسك بطرفي معادلة الوجود بقوة، كما امسكت المعادلة به بقوة أعظم؛ إنها معادلة "المادة والروح"، ميزان الانسان منذ سؤاله الأول عن طبيعة ومعنى وجوده، سؤال الفلسفة والفن؛ المعادلة التي امتزج فيها الحسي بالمتعالي وحاول "عطاء الله" بطل الرواية، فهمها والعمل بنظامها. وقبل أن أفتح الرسائل، لا بد لي من الإشارة إلى أن صاحبها بطل الرواية وقطبها عطاء الله، (كما جاء في الرواية)، دخل مدرسة الرهبان في عمر يناهز عامين ونصف؛ ليتعلم، غير أنه نهل إلى جانب المقررات التقليدية تعاليم الرهبنة وثقافة اللاهوت، ما صبغ حياته بالتقشف ونزعة الجهاد مع النفس، وانتهى بعد فقدانه لكل ما يربطه بحياة الناس: الأم والبيت والعمل والعقل، ليكون "لاجئاً" في دير للرهبان برعاية معلمه الأول، مكلفاً بالعناية بالحديقة والزرع. "الرسائل" هي قلب الرواية العرفاني، وإذا ما قاربناها بمنظور "أركيولوجي" نجد أننا أمام بنية مركبة. أحاول تفكيك أنسجتها بحذر شديد لرقتها وتداخلها، ولا أخفي ارتجاف يدي وأنا افرز الروحي عن المادي. امتازت النصوص بلغة عالية الشفافية تقترب من التجريد، المفردة فيها تشف عما سبقها وعما يأتي بعدها، والأفكار تخيط بعضها بعضاً، حيث تصبح المعاني صوراً لظلال الأشياء لا للأشياء ذاتها. هكذا هي لغة "الشيخ"، وكأنها مرسومة بقلم رصاص على ورق خشن. في هذه الظلال وفي جمالية مدهشة تتحطم ثنائية أكبر قيمة تتحكم في حياة البشر: (الربح والخسارة) داخل اطار صورة واحدة "كفة واحدة في الميزان.. كلنا فيها". هذه الصورة البليغة تلغي الصراع وتوحد المصائر في بوتقة العدمية الجميلة... وأراها تلغي علل الصراع من جذورها؛ لكن هذا الالغاء كان حلم من أحلام "عطاء الله" وحسب. الرواية تضع يدها على ينابيع ازمات النفس البشرية؛ لكنها لا تتورط في اقتراح حلول لها، فليس في يد الكاتب غير قلم للكتابة وورق للرسم يتأمل نهر الحياة الهادر. يستخدم الكاتب الرسام التضاد لتعميق المعنى الجمالي: "ليس الذي يحطم قلب الإنسان خيانة حبيب أو موت صديق، أو غضب آلهة، بل لكونه مصاباً بهوس الحياة ووهم اليقين؛ إذ يعتقد أن الموت يأتي فيما بعد، بينما هو يكتنفه في الواقع، يسبقه، ويتلوه، وكل ما كان قبله". الجمال هنا يكمن في قلب التوقعات على رأسها؛ فالحياة هي العلة، والموت وجهها الآخر، وقد يكون وجهها الهادئ والمتطامن. (يمكن العودة إلى دراستي _تشريح الوجود وترميم العدم_ بخصوص الرواية، للإحاطة أكثر بمفهوم الحياة وكيف تمت معالجة الوانها). ولهذه العلة (الحياة) جماليات كمنت في كل جملة نقرؤها في الرسائل؛ خفية أو مكشوفة، تستند على بلاغة تجنح نحو تفكيك المفاهيم وإبقاؤها عارية في فضاء الرواية. في الرسالة الثانية عشرة، مثلا، نجد "جمالية الركود"؛ فالأشياء في المقهى (التخوت، الأزهار، الشاي، قفص الطيور الفارغ) كلها في مكانها، حتى "اسمك في قلبي أنيق.. في مكانه" كما جاء في احدى رسائله. هذا التشييء للمشاعر يعطي انطباعاً بالجمود الجنائزي والمهابة، حيث يصبح الحب جزءاً من ديكور العالم الذي يتهيأ للزوال. وفي الرسالة الرابعة، يطلب البطل حديثاً عن "أجنحة تنكر سماءها"؛ حيث تتكسر الوظيفة الطبيعية للأشياء، مما يخلق جمالية "التنكر للبديهيات"... يحيى الشيخ يرسم بقلم أسود قوي الأثر، ويمحو برفق ما رسم، ويبقي ما يشي بملامح شيء قد رُسم، إنها يد صائغ محترف. ليس في هذا الفصل الغامض والمعقد من الرواية، بل في كل ما كتبه. وهذا تحديداً ما شغل رولان بارت في مشروعه النقدي وفي دراساته عن الرواية والكتابة "في درجة الصفر". تؤسس الرسائل لـ "جماليات الحيرة"، حيث يصبح "الاعتراف" أمام "جبل" أو أمام الآخر فعلاً عبثياً، ولكنه ضروري لتثبيت الوجود في عالم يهدده المحو والتبدد، كما تضمنت الرسالة السابعة. إنها رسالة "الترميم"؛ ترميم الذاكرة عبر الرسائل القديمة، وترميم الوجه في المرآة، وترميم العلاقة مع الماضي. النص هنا يشتغل كـ "نسيج سيميائي" يربط بين الأضداد "ماذا يقول الكائن إزاء ترادف الأضداد وتفككها...؟" وبين المعاني الفلسفية الكبرى للاغتراب والبحث عن الأصل. في هذه الرسالة كما في الرسائل كلها، ننتقل إلى "قراءة الدال"، حيث تتحول النصوص إلى جسدٍ مليء بالرموز التي تتقاطع وتتشابك. هنا، لا نبحث عما يقصد "عطاء الله" في قوله، إنما نبحث عن كيفية "اشتغال" النص وتوليده للذة القلق: تتمحور هذه الرسالة حول مفهوم "الغياب"؛ فالرسائل التي يكتبها عطاء الله لا تصل إلى مكان، هي مخاطبات لأرواح تعيش معه واشارات إلى انقطاع التواصل الوجودي. المكان في هذه الرسالة "فضاء نصي" يضيق ويتسع تبعاً للحالة الشعورية، وليس مجرد خلفية: الغرفة، المكتب، الزوايا المظلمة؛ كلها تشكل "شفرة مكانية" تعكس انحباس الذات داخل لغتها الخاصة: اختناق! في هذه الرسالة تحديداً، (السابعة) يظهر عطاء الله وكأنه يفقد السيطرة على كلماته، فالكلمات تهرب منه لتكتسب حياة مستقلة: "أنا اريد محكمة لا ريب فيها" وهذا هو جوهر "موت المؤلف" عند "بارت" حيث ينبثق الشك فيما يجري، وتنحو الكتابة نحو البياض الخالص. في الرسالة تمارس الكتابة نوعاً من "الإغواء اللغوي"؛ فهي لا تقدم إجابات، بل تراكم أسئلة. حين يصف البطل "البرد" و "الانتظار"، فهو لا يصف مشاعر، بل يبني "نظاماً من العلامات" يجعل القارئ يشعر ببرودة النص ذاته ويبحث عن سؤال دافئ.. أما في الرسالة التاسعة، حيث يظهر بوضوح النفس الهرمسي (نسبة إلى هرمس الهرامسة)؛ تتجمد اللغة تماما، فالإنسان غريب جاء من "الماء الحي" وسُكب في "المياه الراكدة". وفي الرسالة العاشرة، تنتفض الروح وتشهر في وجهنا مفهوم "الصدفة" كقوة كونية بديلة للمنطق الصارم؛ الصدفة التي "تبتلع الجسد كما يفعل إسفنج المحيطات". الصدفة التي تبدد اليقين، وتلد الاحتمال الذي يعتنق الكاتب فكرته... (العودة إلى الحوار المنشور على صفحة "الحوار المتمدن" في 28 نيسان 2026 بعنوان _حوار في محطة خارج الجهات_ يوفر فهما كاملا لمعتقدات الكاتب واسلوبه في الكتابة). يفرق رولاند بارت بين "المعنى العام للنص"، و"التفصيلة" التي "تخز" القارئ وتصيبه بالدهشة. في هذه الرسالة يقول "عطاء الله": "لا أنكر الأسباب التي ساقتني إلى هنا، من الممكن أن تكون دنيئة" تتمثل هذه التفاصيل في واقعية فجّة تكسر رتابة التفكير المجرد، محدثةً "صدمة جمالية" تربط القارئ بجسد النص... إنها واحدة من جماليات الكتابة، اذ تأخذك بسلاسة وهدوء وطمأنينة في أُرجاء الحدث، ثم تفتح لك باباً بليغاً على هوة سحيقة في قعرها: "أسباب دنيئة". في الرسالة الرابعة، ننتقل من "سيمياء الذات" إلى بناء "الميثولوجيا الشخصية"؛ حيث يبدأ عطاء الله في تحويل الأشياء العادية والمواقف العابرة إلى "أساطير صغرى" تمنح حياته المضطربة تماسكاً رمزياً يمزج بين "أساطير" رولان بارت و"أركيولوجيا" فوكو. فيها لا يتعامل عطاء الله مع الأشياء كأدوات وظيفية، بل كـ "أيقونات". الأسطورة الصغرى هنا تشتغل عبر "تأليه" المادة؛ فالرسالة تحول فعل الكتابة من مجرد تدوين إلى "طقس عبادي". الأشياء الصامتة تصبح شريكة في الوجود، وكأنها تملك روحاً تراقب البطل وتملي عليه حقيقته. إنه يتصرف ويفكر كونه أصغر الموجودات في العالم وهو يفهم أن هذا ليس ضعفاً، بل حقيقة موضوعيةً: "حدثني عنك، يا معجزتي التي لم تتحقق". إنه يفهم أن هناك معجزات ومنها حبه، لكنها معجزات "لن تتحقق"! الأساطير الكبرى عادةً ما تحتفي بالقوة، لكن أساطير "عطاء الله" الصغرى تحتفي بـ "الهشاشة". هو "بطل" لا يغزو مدناً، بل يغزو أعماق صمته بعنف. في الرسالة الرابعة، تبرز ملامح هذه البطولة المنكسرة؛ حيث يصبح "الانتظار" فعلاً ملحمياً، و"الخوف" رفيقاً أسطورياً. هذا الانزياح يحول الضعف الإنساني إلى قيمة جمالية عليا، ويجعل من الهزيمة الشخصية انتصاراً لغوياً، لطالما الاعتراف به قائماً. تشتغل الرسالة على ترسيم حدود عالمين: عالم "الرسالة الزرقاء" (المقدس/المعرفة) وعالم "الخارج" (المدنس/الضجيج/التكرار). عطاء الله في الرسالة الرابعة يبدو ككاهن يحرس حدود أسطورته الخاصة ضد اقتحام الواقع. هذا الفصل ليس جغرافياً، بل هو "نظام خطابي" يعزل الذات داخل شرنقة من الرموز التي لا يفهم شفرتها إلا هو، مما يعمق من شعور "الغربة المختارة". تتأسس الجمالية في الرسالة الرابعة على ما يمكن تسميته بـ "فتنة الناقص". الإنسان عادةً يمجد الإنجاز، لكن النص يمجد "حطام رغبات تحققت". استعارة "أي سرمد يكذب علينا" تزيح الضوء عن عرشه؛ فالنور (الوضوح/التحقق) هو الكذبة، بينما العتمة (المجهول/الذي لم يأتِ بعد) هو الحقيقة. وفي ختام الرسالة، تظهر الذروة الجمالية في وصف الحبيب بـ "المعجزة التي لم تتحقق". الجمال هنا ينبع من بقاء المحبوب "فكرةً" أو "خيالاً" عصياً على التجسد، لأن التجسد يعني النهاية، واللمس يعني التبخر. لغة هذه الرسالة ليست لغة سردية، بل هي لغة يمكن العثور عليها في "المناجم" تعتمد على التضاد الحاد الصلب: "ليس عطشي للماء في النهر، إنما لآخر قطرة في راحة يدك". هنا بلاغة "الاختزال"؛ تحويل النهر (الكثرة/المتاح) إلى قطرة (الندرة/المستحيل) في راحة الحبيب. الجمال البلاغي يكمن في قلب مفهوم "الارتواء"؛ فالارتواء الحقيقي ليس في الكمية، بل في المصدر والمعنى: "آخر قطرة في راحة يدك". وعن قلوب "يعصرها الحب مثل حبات رمان تهصر في الفم وتتفجر". هذه صورة حسية فائقة البلاغة؛ فهي تجمع بين العذوبة والألم (العصر)، وبين الحياة والموت (نشوة موت دفينة). استخدام فعل "تهصر" يوحي بقسوة عذبة، وهي استعارة تصف كيف يحول الحبُّ الكيانَ من صلب إلى سائل متفجر. تنسلخ العاطفة في هذه الرسالة عن مفهوم "التملك" المعتاد في قصص الحب، لتصل إلى "الوجد الصوفي": العاطفة هنا تخشى "الامتلاك"؛ لأن الامتلاك يقتل الدهشة. "أنا أبغض ما تحقق فعلاً" هي صرخة عاطفية ضد الملل الوجودي. العاطفة هنا تريد أن تظل في حالة "جوع دائم" لأن الجوع هو دليل الحياة. وهناك عاطفة "جنائزية" لكنها مبهجة؛ الربط بين الحب والموت يعكس عمقاً سيكولوجياً يرى في الفناء في الآخر (الذوبان) قمة النشوة. تتقاطع هذه الرسالة مع فكرة "الرغبة" عند جاك لاكان؛ حيث الرغبة تظل حية ما دام "موضوعها" مفقوداً، فإذا تحقق فُقدت الرغبة نفسها. في النص يترفع هذا المفهوم إلى مستوى قدسي: الحب في الرسالة الرابعة هو "دين من لا دين له"؛ معجزته هي عدم حدوثه. و "أجنحة تنكر سماءها": صورة رمزية للروح التي ترفض الاستقرار والسكينة، وتفضل القلق والبحث الدائم. هذه الرسالة هي "نشيد الظمأ". إنها لا تريد من الحبيب أن "يكون"، بل تريده أن "يظل وعداً". بلاغتها تكمن في قدرتها على جعل "العدم" يبدو أكثر امتلاءً من الوجود، وجعل "القطرة" أكثر غزارة من النهر. هي رسالة تُعلِمنا أن أجمل ما فينا هو ما لم نصل إليه بعد، وأن أصدق أنواع الحب هو ذلك الذي يظل "معجزة لم تتحقق". الرواية منذ كلمتها الأولى وحتى آخر كلمة فيها اعترافات وجودية صرفة! تراكمت مفاهيمها في الرسائل كلها، إذ تجلت "الوجودية" فيها لا كترف فكري، بل كـ "تجربة كيانية" يعيشها البطل وهو يواجه العدم. النصوص تعكس بوضوح أطروحات وجودية لا لبس فيها، لكنه يصبغها بصبغة إشراقية صوفية خاصة، تجلت في سلوك الأبطال وانعكاسات النزعة الوجودية في حياتهم، وهو سلوك شرقي بامتياز حرص الراوي على العناية به وتقديمه على سليقته. ابطال الرواية بغداديون بررة: (الجدة التي تقرأ خريطة بغداد في خطوط كفها، وبائع الكتب في سوق الكتب القديمة، الذي يهب وجدانه ومعرفته بلا منّة، والأم وريثة الجائحة بنت بغداد، وابنها عطاء الله رسام خرائط بغداد ومكتشف أزقتها ومجالس أهلها واسرار خرابها، والأب الراهب جرجيس المعلم الأول والأخير، وركاب الحافلة، والبساتين، والنهر حامل التاريخ). الرواية باختصار شديد: هي مرثية لبغداد. الوجود في الرواية ليس منحة إلهية أو قدراً مرسوماً بعناية، بل هو "انبثاق" من الفراغ. حين يقول: "صدفة ستمحو الهواء وتمحو أثره فيّ"، فهو يقرر أن الإنسان "مشروع" طارئ، لا يحمل ماهية ثابتة، بل هو "خليقة أوهامه وعِظَم يقينه"؛ وهو صنيعة صدفة لا غاية، ويظهر هذا العمق في الرسالة العاشرة، حيث يغيب "التصميم المسبق" للكون، وتحل محله الصدفة. يمثل البطل "عطاء الله" نموذج "الغريب" كما عند ألبير كامو، الذي يكتشف أن العالم "أخرس" ولا يستجيب لندائه الإنساني. يستهل الرسالة التاسعة بتقديم نفسه بوضوح لا مثيل له: "جئت إلى هذي الحياة الغريبة من مكان مجهول.." فيها تنبثق الغربة لا في المكان، بل في الجوهر: "أنت لم تكن من هنا وجذرك ليس من هذا العالم". هذا الشعور بأن العالم "منفى" وأن الجسد "تابوت لحمي" هو جوهر القلق الوجودي؛ حيث يشعر الكائن بأنه أُلقي به في وجود لا يشبهه. الغنوصية في لغة الرسائل تشي بجذورها المعرفية التاريخية العميقة، فهذا المقطع هو استعارة من "كنزا ربا" المندائي. يأتي مفهوم "النقص" كاكتمال وجودي؛ هذه هي النقطة الأكثر عمقاً وفلسفية في (الرسالة الثامنة). الوجودية الكلاسيكية ترى النقص عجزاً، لكن النص يراه شرطاً للتحقق: "كل وجود مكتمل بنقصه". هنا يقترب الكاتب من فكرة أن "العدم" هو الذي يمنح "الوجود" معناه؛ فلو اكتملت الأشياء لتوقفت عن الصيرورة. الوجود هو حركة دائبة لملء فراغ لن يمتلئ أبداً، وهذا هو "العبث" الجميل الذي يصوره الكاتب. يرى مارتن هايدجر أن الإنسان "كائن من أجل الموت". الرسائل تعيد صياغة هذا المفهوم ببراعة، حيث القلق والمواجهة مع الموت يمثلان الحقيقة الوحيدة وحتمية النهاية: الموت في الرسالة الأولى ليس حدثاً يقع في النهاية، بل هو زميل الغرفة: "يعتقد أن الموت يأتي فيما بعد، بينما هو يكتنفه في الواقع". عندما يصل البطل إلى مرحلة "عدم الاكتراث"، فإنه يحقق "الحرية الوجودية". الخوف من الموت هو الذي يجعلنا نكذب وندّعي، وبمجرد قبوله كجزء من النسيج اليومي، يسقط "الادعاء" وتتحرر الروح. في الرسالة الحادية عشرة، نلمس الفلسفة الوجودية في موقفها من الكينونة: "أنت الصفر، فيك تتأكد الأوزان". هذا الاعتراف يمثل ذروة الوعي الوجودي بأن "المعنى" لا يُستقى من الكتب أو القوالب الجاهزة، بل من "النهر" (الحياة في تدفقها الخام)، من التجربة! اللغة عاجزة عن احتواء تجربة الوجود، وهي مجرد "همهمات احتضار" أمام جلال الصمت. تؤكد الرسالة الأولى والسادسة على فردية الخلاص الوجودي: "الملائكة لا تتبرع لك بأجنحتها، ما دمت مربوطاً إلى نفسك". الفلسفة الوجودية تضع العبء كله على عاتق الفرد؛ لا قوى غيبية ستنقذه. هو "الصفر" الذي تتأكد فيه الأوزان، كما ورد في احدى الرسائل، وتستقيم عنده المعادلات. وهو الوحيد المطالب برسم خرائط بغداد كما يلزمها وكما يحلم بها أن تكون. يكمن العمق الوجودي في الرسائل في تحويل "اليأس" إلى "قوة". إنها فلسفة لا تبحث عن تعزية، بل تبحث عن "حقيقة عارية". الإنسان/عطاء الله في "الخرائط السماوية" كائن عابر، محكوم بالنقص، محاصر بالصدفة، لكنه يملك شجاعة الاعتراف بهذا كله وفهمه، وهو ما يجعله "متسامياً خارج الميزان".؛ إنه رواقي أمين على رواقيته. تهيمن على الرسائل فلسفة "النقص المكتمل". الكاتب يطرح رؤية وجودية تقلب الموازين التقليدية؛ فالكمال ليس في التمام، بل في تقبل الفراغ. في الرسالة الثامنة، يقرر الكاتب حقيقة فلسفية مذهلة: "كل شيء ناقص ما دام موجوداً، وكل وجود مكتمل بنقصه". الوجود هنا ليس حالة من الامتلاء، بل هو سلسلة من الفراغات (نقص الهواء في الولادة، نقص النجوم في السماء). هذا التصور يعيد تعريف "الكمال" بوصفه فهماً للثقوب التي تشكل كينونتنا. نفسياً، تمثل هذه الرسائل مرحلة "التعالي على الاكتراث". إنها تعبر عن ذات وصلت إلى ذروة الصدمة فاستحالت إلى برود فلسفي: في الرسالة الأولى، يظهر ميكانزم دفاعي نفسي عميق: "كان عليّ التدرب على عدم الاكتراث منذ الصغر". هذا الانفصال الوجداني وسيلة لحماية القلب من "هوس الحياة ووهم اليقين". النفس هنا تحاول فك "الشراكة مع الأذى". تتجلى في الرسالتين الطويلتين (العاشرة والحادية عشر) لغة مشحونة بكثافة وجودية، تنتقل من شمولية "الكون" وعمى "الصدفة" في الرسالة العاشرة، إلى تقشف "الذات" وانكسار المعرفة في الرسالة الحادية عشرة. في الرسالة العاشرة، يحل "مبدأ الصدفة" محل "مبدأ العلة والمعلول". الصدفة كخالق للوجود، هي القوة المغناطيسية التي "خلقت العدم من الممكن وصورت الوجود من غير الممكن". الفلسفة هنا تتجه نحو "لا أدريّة" التي ترى الإنسان "خليقة الفراغ"، مما ينزع عن الوجود صفة القصدية ويجعله حدثاً طارئاً. يتأكد هذا في الرسالة التاسعة، حيث يظهر انتماء البطل لـ "مكان مجهول". إنه غريب لا بالمعنى الجغرافي، بل بالميتافيزيقي: "أنت لم تكن من هنا وجذرك ليس من هذا العالم". هذا استحضار للفكر المندائي والإشراقي الذي يرى الجسد "زنزانة مظلمة" والروح "غريبة" تحن لأصلها النوراني. تُطرح "الصدفة" لا كحدث عابر، بل كقوة ميتافيزيقية واهبة للوجود وساحقة له في آن واحد. إنها صدفة "خلقت ذاتها من ذاتها"، وهذا توصيف يعيدنا إلى فكرة المحرك الأول لكن بنزعة مادية عدمية. الصدفة هنا بديلة للضرورة، وهي التي تمنح "الزمن كينونته الشفافة". الفلسفة الكامنة هنا هي فلسفة التشتت؛ حيث الإنسان ليس إلا "سبيكة صُهرت في بوتقة الصدفة"، مما ينزع عن الوجود البشري أي غائية مسبقة. اعتمد النص على ثنائيات ضدية (الصلابة/الهشاشة، الوجود/العدم، الممكن/غير الممكن) ليعكس اضطراب التكوين. لغة النص "معدنية" مكابرة (معدن ذائب، رماد كبريت، وهم فولاذي، أقدام حديدية)، وهذا يمنح الصدفة طابعاً جبرياً ثقيلاً. تحويل "الصدفة" إلى كائن له "مسامات" و"زعانف" هو استعارة بارعة لتحويل المفهوم المجرد إلى "وحش بيولوجي" يبتلع الذات. ينجح النص في تصوير "السهر الأبدي" كحالة من الوعي بعد الفناء. إن فكرة "الوجود الموميائي" تعبر عن خلود ساكن وموحش، حيث يتفسخ الصوت ويختفي المنطق، مما يجعل النص ينتمي إلى أدب العدمية الجمالية، حيث الجمال ينبع من بشاعة التلاشي وصدق الفراغ. تتأسس الرسالة الحادية عشرة على "المفارقة الكلبية" (بالمعنى الفلسفي لديوجين الكلبي)، الذي حمل المصباح في النهار بحثاً عن الظلمة. هذا القلب للأدوار يعكس اغتراب المعرفة. فبينما يبحث الناس في النور عن اليقين، يبحث الكاتب عن "الظلمة" كحيز للحقيقة التي لا تشوهها الأضواء الزائفة. تأتي مقولة (الصفر) "أنت الصفر، فيك تتأكد الأوزان!" ذروة الفلسفة الوجودية في النص؛ فالإنسان بصفته "عدماً" أو "صفراً" هو الوحيد القادر على منح الأشياء قيمتها (أوزانها)... بدون الذات الملموسة لا وزن للكون. يختتم النص بقطيعة معرفية حادة: "اللغة لا تشبه الحياة". هذا إقرار بقصور "الدال" عن احتواء "المدلول" الحي. اللغة سكونية، بينما الحياة تدفق (نهر). الجمال في هذه الرسالة ينبع من تكثيفها الشديد؛ فهي تنتقل من البحث عن "الحكمة" إلى اكتشاف "الحياة" في بساطتها المائية بعيداً عن ضجيج الكتب. في الرسالة العاشرة، يذوب الفرد في شمولية الصدفة الكونية، بينما في الحادية عشرة، يستعيد مركزيته كـ "صفر" يزن الوجود. يشترك النصان في فكرة "الفقدان"؛ فقدان الهواء والضغط في الأولى، وفقدان الذاكرة والمعنى في الثانية. الرسالة هي مرثية فلسفية للوعي الإنساني الذي يدرك أنه نتاج صدفة عمياء، وأنه يحاول عبثاً تأطير الحياة داخل لغة "لا تشبهها". القوة الجمالية تكمن في هذا الاستسلام الواعي، حيث يصبح "السهر الأبدي" و"حكمة الماء" هما الملاذ الأخير أمام "النبؤة الملعونة" والمنطق المفقود. تستمر هذه الرسالة في تعميق الهوة بين "الوعي" و"الوجود"، حيث تنتقل من فكرة الصدفة والعدم (في الرسائل السابقة) إلى فكرة الانكسار الجمالي وقصور الأدوات التعبيرية. في الرسالة الثالثة عشرة تظهر فلسفة "النقص والاكتفاء" إذ تطرح الرسالة رؤية لافتة للنظر: "كل ناقص مكتفٍ بنقصه حتى تكتمل الدائرة". هذه العبارة تحيلنا إلى فلسفة العدمية الإيجابية أو فلسفة "السيولة"؛ حيث الجمال لا يكمن في الكمال، بل في القبول بالثغرات. الظلمة هنا ليست غياباً للمحيط، بل هي كيان له "ضمير مستتر" و"ثياب حداد"، مما يمنح العدم شخصية أخلاقية واعية. يقرر النص تلازماً وجودياً حاداً: "إذا غاب الزمان غاب مكانه". هذه المقاربة تشبه رؤية مارتن هايدغر في كتابه "الوجود والزمان"، حيث لا يمكن فهم الوجود إلا من خلال "الآنية" (Dasein) المرتبطة بالزمن. المكان في الرسالة ليس حيزاً جغرافياً، بل هو "ترجمان للزمان"؛ أي أنه مجرد صدى للحدث التاريخي أو الشعوري. استخدام "اللحن الناقص" المقيم في خشب العود يجسد فكرة المثالية المجهضة؛ الجمال موجود "كموناً" لكنه يفتقر إلى الأداة أو اليد التي تخرجه. النص يعزف على وتر "الاستحالة الجمالية". تبدأ الرسالة بشاعر فلتت من يده قصيدة؛ وهي صورة تذكرنا بهوس ستيفان مالارميه بالقصيدة المستحيلة التي لا يمكن الإمساك بها، لأن "المرايا" (التأويلات أو الذات) تظل تكذبها. الرسالة الثالثة عشرة هي نص عن "الخيبة الوجودية بامتياز". الحجر خيبة، الصمت جنون، والجذور مرثية. الجمال هنا ليس في الأمل، بل في "الرضا" الذي تعرفه الشبابيك المغلقة، وفي قدرة الكائن على إلقاء العزاء الأخير على نفسه قبل التلاشي. النص يعيد تعريف الصمت كـ "رسم اندثرت قوانينه"، مما يجعل العجز عن الكلام هو أرقى أنواع الفصاحة المتبقية. المعتاد في الأدب والفلسفة أن "الأغصان" هي التي تتجه نحو القمة، بينما تظل الجذور وفية للظلمة والعمق. لكن في النص هذا، يحدث انقلاب أنطولوجي؛ الجذور ترفض دور "الحامل الصامت" وتخرج لتعلن عن ذاتها. هذا الفعل يمثل لحظة "المكاشفة النهائية"، حيث يقرر اللاشعور أو المسكوت عنه في النفس الإنسانية أن يخرج إلى العلن، حتى لو كان ثمن هذا الخروج هو الموت (لأن الجذر يموت إذا فارق التراب). لفت نظري أن الجذور لم تصعد لتبحث عن حياة جديدة، بل صعدت لأنها "صحيت على حقيقتها المرة". الخروج هنا هو فعل "تطهري". هي قررت نسيان التاريخ المعفر بالتراب، وهذا يعني فلسفياً أن الإنسان قد يصل إلى لحظة يرفض فيها حتى أصوله وثوابته إذا كانت مرتبطة بالخنوع، مفضلاً القمة (رغم برودتها ووحدتها) على العمق (رغم أمانه)، وأجمل ما في الصورة هو وصف الجذور بأنها تسلقت الجبل "مثل مرثية". المرثية عادةً ما تكون كلاماً يُقال بعد الفوات، لكن الجذور هنا أصبحت هي "القصيدة الجنائزية" المتحركة. صعودها هو إعلان نهاية الشجرة (الكيان)، فهي حين تبلغ القمة لا تبلغها لتنتصر، بل "لتلقي علينا العزاء الأخير". تنتهي الرسالة الأخيرة (السادسة عشرة) بسؤال هو تلخيص للرحلة البشرية برمتها، التي جسدها عطاء الله: "ماذا يكون هذا كله غير مقترح وجود، وأنا مقترحٌ إنسان فيه" هذا التعبير يزيل عن الإنسان صفة "التحقق النهائي" ويضعه في خانة "الاحتمال". نحن لسنا كائنات ناجزة، بل نحن "مسودات" أو "مقترحات" في كون هو نفسه مجرد مقترح... "الاحتمال" هو أطروحة يحيى الشيخ المركزية واطارها الفلسفي. الرسالة الزرقاء تعد الرسالة الزرقاء (أول رسالة في المجموعة) بوابة الحصن الذي شيده عطاء الله بصمت خارج الرواية، وحفظ خلف اسواره مفتاح الرواية السري ودستورها الروحي. في الرسائل قال ما لم يكن ممكنا قوله في الرواية، لا في اماكنها ولا مع الناس الذين عبروا في احداثها، إلّا مرة واحدة في البراري وهو يسمع نداء أمه. على ورقة زرقاء صاغ دستورها في غرفة ضيقة بسرير على حجمه وطاولة كتابة ومقعد قصير الارجل، ورف كتب. تحول المكان من جغرافيا صامتة إلى "نظام وجود"، بينما مثّل "عطاء الله" الذات التي تحاول الانفلات من هذا النظام عبر الكتابة الزرقاء... اللون الأزرق في الرسالة الأولى يؤسس لـ "إبستيمولوجيا" (نظام معرفي) جديد، حيث تصبح الحقيقة مرتبطة بالغياب والبعد أكثر من ارتباطها بالحضور المادي. تظهر الرسالة كنسيج روائي يتجاوز مفهوم "السداة واللحمة" وثنائية "الذات والموضوع". حين يصف عطاء الله شعوره بالوحدة أو الغربة، فإنه يمارس ما يسميه بارت "لذة النص"؛ حيث تتفتت الهوية لتصبح مجرد أثر في الرسالة، والصمت فيها "صمت فصيح" يمنح الكلمات ثقلاً وجودياً، ويجبر القارئ على البحث في مدى الكلمات البيضاء العابرة للمعنى: " هطلت سكينة الليل، وحلّق العقل إلى المجهول...". في هذه الرسالة، لا يقدم عطاء الله نفسه ككيان مكتمل، بل ككيان قيد التشكيل. الهوية هنا "مرجأة" (بالمعنى التفكيكي)، تُبنى عبر الرسائل ولا تنتهي فيها. الكتابة هي الأداة التي يحاول من خلالها البطل ردم الهوة بين كينونته المفقودة وعالمه المتغير. تطرح الرسالة تساؤلاً جوهرياً: "من أين يأتي الخطأ وفضيلتنا الفهم الواضح؟". هذا التساؤل يفكك فكرة "اليقين"؛ فاللغة التي تملأ الكون بالضباب (كما تصف الرسالة) تجعل من الفهم الواضح مجرد وهم. ويظهر فيها مفهوم "الميزان ذو الكفة الواحدة" بمثابة هدم لمبدأ الثنائيات (ربح/خسارة)؛ فالوجود هنا يُقاس بالبصيرة وليس بالنتائج. عطاء الله كان "دارساً للوجود"، ولم يكن مجرد شخص يعيش. كان يحمل مصباحاً في عز النهار يبحث عن الظلمة (كما ورد في الرسالة الحادية عشرة)، وهذا هو جوهر البحث عما هو غير ظاهر. في "الرسالة الزرقاء"، نجد أنفسنا أمام "تصفية حساب أخير" مع الحياة واللغة والقدر. إنها إعلان عن انتصار "الصدفة" على "القدر"، وانتصار "النقص" على "الوهم". هي نص يكتبه إنسان يقف على "حافة العوالم"، حيث لم تعد اللغة أداة للتواصل، بل أداة للوداع الأخير، وتمثل عتبة نصية بالغة الكثافة، تخلع الذات الكاتبة عنها رداء اليقين الزائف لتدخل في طور "المكاشفة" الأخيرة. الجمالية هنا ليست مجرد تزويق لفظي، بل هي جمالية "التجريد" والمواجهة الصفرية مع الوجود. يرتكز النص على بنية التضاد لإحداث صدمة معرفية لدى القارئ، وهو ما يمنح الرسالة عمقاً فلسفياً يتجاوز البوح العاطفي: في صيغتين قطعيّتين: 1. "الأسباب التي تبقينا هنا هي ذاتها التي تدفعنا للمغادرة": تبرز هذه الصورة جمالية "التواطؤ مع القدر"، حيث يتحول النقيضان إلى وحدة واحدة، مما يعكس حيرة الإنسان أمام حتمية النهاية. 2. "الميزان ذو الكفة الواحدة": يكسر النص الصورة التقليدية للعدالة أو المنطق (كفتي الميزان) ليقدم صورة سريالية: "هناك كفة واحدة في الميزان ... كلنا فيها". جمالية هذه الصورة تكمن في إلغاء فكرة المقايضة أو الربح والخسارة؛ فالجميع محكوم بالمصير ذاته. ينطلق نص الرسالة من رغبة عارمة في "فك الشراكة" مع الأذى والكذب. البلاغة هنا تنبع من الصدق الصادم: "انقضى الوقت الذي أعلمك فيه.. فأنا الآن أتعلم منك". قلب الأدوار بين العقل والقلب يمهد لمرحلة "السيولة الوجدانية" حيث تسقط السلطة المعرفية للعقل أمام دهشة المجهول، وخفقة القلب. يطرح النص تساؤلاً جمالياً حول قيمة الوعي؛ فالبصيرة قد لا تكون طوق نجاة، بل عبئاً يجعلنا ندرك "ضراوة الغرق" خلف "وجه المياه الضحوك". واستخدم الكاتب صوراً مستمدة من الطبيعة لتعميق الإحساس بالوحشة والوجود: "يتدرب صياد السمك على السباحة، ليفهم أن أعماق المياه ليست هي وجهها الضحوك". هذه الصورة تمنح "عدم الاكتراث" مهارة وجودية، وكأن التخلي عن الأمل هو "تقنية نجاة" في عالم غادر، ويصور الموت لا كحدث مستقبلي، بل ككائن يكتنف الإنسان (يسبقه ويتلوه). هذه الجمالية تخرج الموت من إطاره الزمني الضيق لتجعله "حالة وجودية" مستمرة. يتحول النص في نهايته من التأمل الذاتي إلى خطاب "الحبيب" بنبرة تخلو من الوعود الوردية: «لا تنتظر الوقت يزف بشرى نهايته السعيدة". يرفض النص "البلاغة التخديرية" التي تمنح أملاً كاذباً، ويستبدلها بجمالية الواقعية المرة، التي تشير إلى أن الخلاص فرديٌ، وأن القيد ليس خارجياً، إنما هو "الأنا" التي تمنع التحليق: " الملائكة لا تتبرع لك بأجنحتها، ما دمت مربوطاً إلى نفسك". يتسم الإيقاع في الرسالة بالتوتر: جمل قصيرة، تساؤلات وجودية، ونفي متكرر (لستُ، لم أعد، لا تنتظر). هذا التلاحم بين المعنى والمبنى يخلق حالة من "الأنفاس المقطوعة"، كأن الكاتب يسابق الزمن لقول الحقيقة قبل "الوصول إلى النهاية". "الرسائل" هي "مانيفستو" للانعتاق؛ الجمال فيها ينبع من تحطيم "أصنام اليقين" (الربح، الخسارة، البصيرة، اليقين بالموت). إنها نص يحتفي بـ "التعري الروحي" أمام قدر لا يمكن رشوته بالكلمات أو الادعاءات. _______________________________________________________ الرسائل 1- الرسالة الزرقاء هطلت سكينة الليل، وحلق العقل إلى المجهول... انقضى الوقت الذي أعلمك فيه، أيها القلب، فأنا الآن أتعلم منك... هل عليّ أن أولد مرة أخرى كي أعرف أي سكن ينتظرني غير هذا الجسد؟ وحده الأذى الذي تعيشه الروح، الذي يرغمنا على الخوف، ويدفعنا نحو الادعاء واقتراف الكذب... سوف أفك معه هذه الشراكة، ولا ريب! فما بت أخاف الوصول إلى النهاية، ولست على يقين بأني قد بدأت أصلاً، فمن ذا الذي يكترث بالربح والخسارة؟ أنا لست ساذجاً لأسأل، إن كانت البصيرة طوقاً للنجاة، أم لعنة؟ فالسعادة الأكثر الآن في معرفة أن الأسباب التي تبقينا هنا هي ذاتها التي تدفعنا للمغادرة وكأننا متواطئون مع القدر. بت أقتنع أكثر، حين نرحل نأخذ كل القناعات معنا، إذا غاب المرء غاب زمانه، وما نترك وراءنا غير متاع المنفى وميزان الحياة الخاسر، كما ورثناه عن أسلافنا... أرجوك، لا تقل لي من يزن الأمور بميزان من كفتين من بعدي، وأن هناك متسعاً للمزيد من القناعات الجديدة! ناسياً أن هناك كفة واحدة في الميزان... واحدة فقط، كلنا فيها... لم أعد أكترث، كان عليّ التدرب على عدم الاكتراث منذ الصغر كما يتدرب صياد السمك على السباحة، ليفهم أن أعماق المياه ليست هي وجهها الضحوك، والغرق فيها أشد ضراوة. بت أقتنع أن السبب الذي يحطم قلب الإنسان ليس خيانة حبيب أو موت صديق، أو غضب آلهة، بل لأنه مصاب بهوس الحياة، ووهم اليقين، يعتقد أن الموت يأتي فيما بعد، بينما هو يكتنفه في الواقع، يسبقه، ويتلوه، وكل ما كان قبله... قل لي يا حبيبي، أين يختفي كل ذلك الهذر حين تكون معي، ونعود من تيهنا، نفرك أعيننا نستقبل سخاء الطبيعة الباذخ، ننشد البقاء على قيد الحياة؟ يا حبيبي، ليس فيك ما يجعلني أكذب عليك، لا تنتظر الوقت يزف بشرى نهايته السعيدة! لا تسأل نفسك عما تبقى من أيام تكفيك للعبور! لا تنتظر من يهديك! الكل في الحياة يسعى لمخرج منها إلى قاع أعمق ثقة، ويطلب النجاة في تقاطع الطرق... لا أنصحك بشيء، انتظر إذا كان الانتظار سبب وجودك وهدفه، أو لا تنتظر، في الحالتين لا يندم غيرك، فالملائكة لا تتبرع لك بأجنحتها، ما دمت مربوطاً إلى نفسك. الرسالة الثانية جئنا لنصدق! حتى الذين كذبوا؛ صدقوا كذبتهم، والذين قضوا حياتهم في معاقل الشك، صدقوا في آخر المطاف معاقلهم! لا أنوي الإتيان بحكمة بينما تنهار أمام أعيننا حكمة الإنسان الأكثر أهمية. مع هذا ما زالت نساؤنا يلدن بشراً يصدقون حياتهم ويصرخون فرحاً ساعة الولادة. صدقت موسى الحلاق الأعمى، وما زلت أدفن رأسي بين كتفيّ كلما مست ريح عنقي، ثم فهمت معنى المقصلة. صدقت تغريد الطيور، وأنا أهيل التراب على قبر أمي... صدقت حكمة سرعان ما تبطل الأيام مفعولها... صدقت الكواكب وحملت في عنقي تميمة بابلية تحميني من غائلة الدهر؛ غرقت في النهر وفقدتها... ولم أصدق ساعتها أن الآلهة قررت العودة إلى أعماق المياه، تبحث عن عشبة يابسة كانت تحت قدمي على الجرف، أم أنها راحت فدية وأنقذتني من الغرق... صدقت أفكاراً سرعان ما تخلت عن منطقها، صدقت مبادئ الفيزياء، وفي لحظة اكتشفت بطلانها في الأحلام. صدقت نفسي وكذبتها، وأنا مندهش مما يجري. الرسالة الثالثة لا تصدقي شاعراً مات من الحب، لطالما يكتب لوعته وهيامه وتضوره وسقامه، ولطالما يعي ما يكتبه، إنها حيلة مكشوفة: حيلة الحياة ذاتها، ومزيته أنه أدركها قبل غيره. لا تصدقيني، أنا أيضاً، يا حبيبتي، فقد عثرت عليك صدفة في حياتي بلا مسعى، وكنت أجهل طريقي إليك، وأنا الآن أجهل طريقي من غيرك. الرسالة الرابعة أي عدم نسعى إليه، وأي شمس تكذب علينا، وأي حزن يبعثه الصحو على حطام رغبات تحققت! حدثني يا حبيبي، عن رغبات لم تتحقق، فأنا أبغض ما تحقق فعلاً، وليس عطشي للماء في النهر، إنما لآخر قطرة في راحة يدك... حدثني عن أجنحة تنكر سماءها، عن قلوب لا تعرف النوم، يعصرها الحب مثل حبات رمان تهصر في الفم وتتفجر، مثل نشوة موت دفينة... حدثني عنك، يا معجزتي التي لم تتحقق. الرسالة الخامسة ادخري دموعك حتى رحيلي، يا أشجار اللوز، لا يسرني مرآك واجمة وكأنك مهاجر على الحدود، هل تعرفين أن الكواكب تكتم دموعها منذ ملايين السنين، ولا يسقط من السماوات علينا غير دموع الله؟ أنا أنتظر من يأخذني، يأخذ كل شيء، ورزمة رسائل كنت سأبعثها، ويحقق لي أمنية واحدة: أنسى ما حصلت عليه وما خشيته وما كان مستحيلاً. الرسالة السادسة تتقبل قدرك، الذي يحمل الفجر صورته الأولى، ذلك هو التحدي الأصعب! فكل ما يمكنك فعله، أيها الرجل العنيد، أن تهرول للحاق بغدك، الذي يهرب منك... تتوقف، تلتفت إلى الخلف، تستنجد، تنتظر الماضي العتيد يعود من ماضيه، لينقذك، أو هكذا يبدو... افتح دفتي الضمير على مصراعيها، ليدخل الغرباء، دع الموتى يدفنون موتاهم، امسح جباههم من غبار الظنون، واغسل أقدامهم من ذاكرة الطرقات الموحشة، وتفكر؛ هل كنت أنت أم قرينك، الذي ضاقت الفيافي تحت قدميه الحافيتين، واختبأ بين القبور يسحب خيط الأفق ويغزله؟ من ينجدك الآن وأنت منفى في نفسك النائية، ومن يعرف الطريق إليها، وأنت أكثر من واحد؟ تأكد، يرحمك الله، وانظر في المرآة قد ترى غيرك. الرسالة السابعة إذا كان لا بد من ذلك، فأنا أريد محكمة لا ريب فيها وأقول ما عندي: غادرت في ساعة المفتوحة بلا أبواب ولا رتاج، لفحتني ريح قارصة قطعت عنقي، فأخفيت رأسي بين الترقوة والنحر؛ تحسباً، كان القماط الصوفي السميك كفيلاً بما سيأتي... آه، كثيراً ما نخدع أنفسنا وننفيها، فأنا رجل لا أتصالح بسهولة، بسوء ظن أو حسن ظن، كما تتصالح الحروف في الكلمات، وأختلف مع نفسي قبل أن تختلف معي، لا أجيد اللف والدوران كما تفعل الأرض، وكما يخاتل القمر... حان وقتي المناسب لأرسم زهرة السياق على جبيني، أرسم نفسي كما ترسم الظلال نفسها بلا ريشة، تفرش ماضيها على حاضرها حتى النهاية. لا أنكر الأسباب التي ساقتني إلى هنا، من الممكن أن تكون دنيئة، ملفقة تم تطهيرها بالأعراف، لا أنوي استئناف ما يترتب عليّ، فالكل مستأنف لا محالة؛ المحكمة والحاكم وأنا على استعداد لتجرع كأس السم على شريعة الأسلاف... أعرف أن ليس من حياة معقولة تستغني عن أحلامها، وأني مارست الغواية وشعائر تأويل العلامات وقراءة الرؤيا، ليس تجنباً للقدر، إنما لتحمل آلامه القادمة بسقم مرير. حتى يزهر الزمان باشتقاقاته المجازية وتفضيل المحايدات، ماذا يقول الكائن إزاء ترادف الأضداد وتفككها، حتى يكشف المستقبل عورته ونكون، آنذاك، مستسلمين تمسح الريح وجوهنا رأفة ببقايا السنين؟ يا لبؤسه، وحده المستقبل يحتفي بالبقايا، نذهب إليه عراة، نقدم نذورنا المتأخرة المضمونة سلفاً... وأعرف: أني أشرفت كثيراً في عد النجوم في الظهيرة، وأشرفت في تلوين السماء حتى لم يعد للشمس سماء، وأشرفت في المكوث طويلاً في قلب المقبرة، فأي مكان أكثر عدالة منه نتحاكم فيه، ويجدر الاعتراف؟ وأنا أريد محكمة لا ريب فيها! الرسالة الثامنة في الأيام التي تمضي إلى حتفها، والأيام التي تأتي متأخرة، أو التي لا تأتي أبداً؛ ثمة نقص ما! في ولادتي كان ينقصني الهواء، هذا ما قالته القابلة اليهودية، في طفولتي كانت الرجولة تنقصني، في الرجولة كانت الطرق متقاطعة، فأصبحت وجودياً؛ لكن ثمة نقص ظل يرافقني، ومع هذا عشت كما يلزم النقصان، تحت سماء تنقصها النجوم، وليل ينقصه الليل، ونهار صمت رخيص... لم أعرف حتى اليوم ما الذي ينقص المرأة، ولم أعرف ما الذي يعوز الرجل ليكون ثور حراثة غير النير، الماء ناقص في البحر، الحجر ناقص في المعيار، الضوء ناقص في عيني الظلمة أيضاً، ما الذي ينقص الفكرة لتكون صاعقة؟ ما الذي ينقص الصاعقة لتكون قبلة؟ كل شيء ناقص ما دام موجوداً، وكل وجود مكتمل بنقصه. الرسالة التاسعة جئت إلى هذي الحياة الغريبة من مكان مجهول، أحمل رسالة من مجهول، لأعرفكم على نفسي كوني غريباً، وأعيش معكم كما يلزم الغريب. أنا لست متعالياً، إنما لا أملك شيئاً، ولا أضمر غير غربتي، وأعيش منذ آباد بينكم أشبه ظلاً غريباً مثلي. وهذه قمة التعالي ومعيار التسامي خارج الميزان. جئت أعرفكم على نفسي، وغير نفسي، إذا تمكن عقلي العبور إلى غير نفسي وحيد وعاجز سلكت الدروب المرسومة وغير المرسومة في عالم محفوف بالمخاطر، ولم أهتدِ إلى طريق الميل. وأي ميل يعوز الغريب أكثر من تابوته اللحمي، الذي صنعه الغامض، الذي فيه كل الحياة؟ إذن ماذا ينغص على الغريب غربته المحببة؟ أليست هذه لعنة... دون أن نبدي امتعاضاً، مع أني جئت من غامض؛ لكني صريح وواضح أقول لكم: ليست من ورطة أشد قهراً من الالتحاق بهذا العالم بقلب موجع وجفنة مهجورة! وأخيراً نهاجر بكومة عظام وحكمة بائدة: ذلك العالم لا يشبه هذا العالم. الحكمة ذاتها، التي سوقها الأول، أما حكمتك أنت، فهي التيه بين هذا وذاك وأنت تسعى إلى مخرج من هذا اللا تشابه، ونفسك الشقية لا تجد لها مخرجاً في فوضى مريرة تبحث عن مهرب، ولا تدري كيف تنفذ. خلاصك في الرحيل المتيسر، المتاح، السهل، وفك الأشياء. ماذا لو كان المنفى المتاح هو الشيء واللاشيء الأعظم؟ ملايين الأيونات تمتد بين النفس وغايتها، وأنت تطوف وتطوف، وليس سوى طريق طويلة شاقة مع ذاكرة فُقدت وما تم استعادتها لكي تصنع مصيرك! تمكث أنت هنا أجيالاً بعد أجيال، إلى أن ننسى نحن ذكراك تماماً؛ لكننا نظل نشتاق لهيئتك الحبيبة المشرقة، فأنت لم تكن من هنا وجذرك ليس من هذا العالم. أنت نزيل غربتك مذ كنت وحيداً ومنفرداً، وآن لك أن تخلع عباءتك وتغادر زنزانتك المظلمة، وترحل، فأنت حر... ما جئت من أجل هذا، قدمت من الخارج، وها أنا أقف على حافة العوالم الخارجية، في القطب، المكان الذي يتمناه الصوفي، لأفهم اختلاف الأنبياء على طبيعة السيف، وأعداد القتلى في الوادي. أرجوكم، حرروا أذهانكم من الرمزية والبلاغة المجازية المباشرة، فالميل الذي جئت من أجله، طارئ يمكن نقضه، مسكن يستبدل بآخر، يمكن تركه، وحي لا يختص بتخريبه، مسكن غير موجود على الأرض، وليس هناك دليل على هذا الفعل الجريم؛ ولكن ما زال ذاك الصوت ينخر أذني: "أنك، أنت، لم تكن من هنا، وجذرك ليس من هذا العالم". أنا هو أنا، ابن اللحظة اللطيفة: تلاحم الأنثى والذكر، متاع الدنيا ومناحة الموت... أنا هو أنا، الذي جاء من الماء الحي، وسكبوني في المياه الراكدة، الشعلة الباهرة المرمية في الظلام الحالك، النسيم النهري العليل، الذي تقاذفته ريح سموم... أنا الإحلال في الإحلال النهائي، الذي أمسك الأيام وفرقها، ورماها في كل مكان. يا ويلي، أية لعنة هذي؛ أصبحت أعرف نفسي، وجمعتها من كل مكان. الرسالة العاشرة صدفة غير مرئية خلقت ذاتها من ذاتها؛ غير مسموعة ولا يمكن تحديد مسار حركتها ولا مكانها... من الصدف التي كونت الكون من كل شيء نعرفه ومن شيء لا نعرفه، من الصدف التي حرثت الفراغ بأحزمة الضوء، وزرعت مليارات الكواكب خارج الإرادة بطبيعتها المستعصية على التصور والخيال، التي في ظلال هيكلها الهائل نسج الزمن كينونته الشفافة وتشكلت صلابة المكان وهشاشته... من تلك الصدف السود الغارقة في أعماق المجهول، ذات القوة المغناطيسية، التي استحلفها الإنسان الأول ليفهم كيف يخلق أدواته وكيف يحرث، التي مات في البحث عنها الأسطوريون، التي خلقت العدم من الممكن وصورت الوجود من غير الممكن، التي خاف الأنبياء من حفيف رياحها وسجدوا خاشعين... صدفة من هذه تلك الصدف ستمحو الهواء وتمحو أثره فيّ، وتمحو قياس الضغط ومعدل كريات الدم، تسحق الكواكب وتجمع الأشياء كلها في شيء واحد ثم تبدده وتعيد خلقه من جديد... من هذه الصدف، واحدة انبثقت من أجلي من أعماق بلا مخاض اختلطت بالمعدن الذائب ورماد الكبريت، ببطء بلا زمن تأتي وببطء بلا زمن تختفي وتخفيني معها. سيندثر الوجود الراهن وينبثق وجود موميائي أبدي من صلبه، مساماته تشي برائحة أيام تعفنت حيث تهبط الأحلام تجول في الطرقات بأقدام حديدية... حيث يتفسخ الصوت والصمت وتمحى اللغات من على الألسن، ويختفي المنطق. صدفة تشبه نبوءة ملعونة ستحل بدلاً عني في كل مكان، لولاها لما كنت، ولولاهما لما كنتم ولولاهما لن يكون لنا ما كان وما سيكون، صدفة تجمعنا في نطفة واحدة وتنفينا في رحم دبق واحد... لحظة من وهم فولاذي صلد أشد صلابة من يقيني إليه، سبيكة صُهرت في بوتقة الصدفة التي سميت باسمي... تشبه نبوءة بلا غاية ولا وسيلة غير ذات تتقيأ من ذاتها وتتعرى في الفراغ، في خلاياها المنتفخة أختفي، تبتلع جسدي مثلما يفعل إسفنج المحيطات ويبتلع حثالة القيعان... تحت أدمتها، في مساماتها الممتلئة ببلادة الأيام، تحت أصداف زعانفها الجانبية أكون هناك إلى جانب القوة الكامنة في باطن الأرض على هوامش التيارات الجوفية يكون سهري الأبدي في ليل سرمدي بلا براهين معفر بأنفاس الموت المتوفر قبلي وبعدي إلى ما لا نهاية... أما اليوم فلا يتوفر غير ماضٍ يشي بتعفن غداً ويخرج دوداً أسود بأسماء بلاغية عتيدة. الصدفة الخرافية التي انبثقت باسمي جاءت من الفراغ لتأخذني إليه؛ فأنا خليقتها، خليقة امتلاؤها المؤقت، خليقة لحم أوهامها وعظم يقينها... ستأخذني خلف يقظة الأشياء أسمع تفاعل الذرات في مملكة الذات الترابية على تخوم الآبار السحيقة. الرسالة الحادية عشرة دخلت الحياة أبحث عن الحياة، وكان قدري أحمل مصباحاً في عز النهار أبحث عن الظلمة، وكنت أجهل أن الأشياء عرضة لفقدان الذاكرة والمعنى... ما تعلمته من النهر يفوق ما في المدرسة، وما رواه لم أسمعه من غيره، قال: "أنت الصفر، فيك تتأكد الأوزان!" _ إذن، عن ماذا كنت تنبش في الكتب؟ _ عن حكمة تقول غير ما قاله الماء، ولم أكن أعرف أن اللغة لا تشبه الحياة. الرسالة الثانية عشرة كل شيء في المقهى في مكانه؛ التخوت الخشبية المفروشة بالبسط المزخرفة، الأزهار البلاستيكية الكالحة، إبريق الشاي براق وأنيق في مكانه، ابتسامة النادل المرهقة منذ الأمس في مكانها، فنجان الشاي أمامي أنيق وحميمي، يصعد منه البخار في مكانه، الناس أيضاً كلٌ في مكانه، الشمس الأكثر أناقة على إطار الشارع في مكانها، السماء وحيدة في مكانها، اسمك في قلبي أنيق... في مكانه. الرسالة الثالثة عشرة مثل شاعر فلتت من يده قصيدة تمادت المرايا فيها، كذبها وصدق نفسه في استعادة هدير الضوء الهارب مع أحلام اختبأت في حرير الأيام الأولى الناعمة، التي تجيد الغش لترويض القلب... حتى كانت الشمس تتجسس علينا في الظل، وكنا حينها نعرف لعبتها الخبيثة على مساحاتنا الضيقة وكنا نتجاذب الغياب مع القدر، الذي ولد في ساعة شؤم مصابة بيقظة حادة لا براء منها... كل حجر مثل مسكوكة أثرية مصروف بالخيبة! فيما تتبجح الأقدام بقدرتها على قضم جمرات الشمس في الطرقات وطوابير الأفكار مرابطة عند باب ذاكرة مواربة تطلب الغفران من النسيان. كل منعطف هو ترجمان للزمان في ذاك المكان، ولكل مكان زمانه، وإذا غاب الزمان غاب مكانه... دهش الصمت حين باغته الكلام الفصيح في الأعشاش وفقد الذاكرة ولم يعرف النطق بعدها، أصبح صمتاً متداولاً ورخيصاً جداً لا يفهمنا ولا نفهمه! ثمة لحن ناقص في الوتر، مقيم في خشب العود، أو في يد العوّاد، أو ريشة الطائر، مثلما ثمة ضوء ناقص في الظلمة لا يفارقها ضمير مستتر يؤنبها كلما حاولت نزع ثياب الحداد السود، إنما كل ناقص مكتفٍ بنقصه حتى تكتمل الدائرة فليس للظلمة سلالم ترتقيها غير شبابيك مغلقة على ضميرها تعرف الرضا والمجد التليد، مفعمة بالتواضع ورائحة الصندل اليابس. الشبابيك تقول إن الصمت ليس صوتاً، بل رسماً اندثرت قوانينه الموضوعية في الأزقة، وراح يبحث عن غيرها دون جدوى وقد مسه الجنون قبل أن يبلغ الفطام. في ساعة من تلك الساعات، لم تعد الطيور إلى أعشاشها وقررت التزاوج والمبيت فوق أسلاك الكهرباء وقد شككت بريش الأجنحة، ونوايا السماء... في ساعة من ساعات لا تشبه بعضها صحت الجذور على حقيقتها المرة وتاريخها المعفر بالتراب والذل، فقررت نسيان كل شيء ما دامت الأغصان تورق، خرجت من الباطن وتسلقت الجبل مثل مرثية إلى قمته، لتلقي علينا العزاء الأخير. الرسالة الرابعة عشرة ليس وجودي إنكاراً لوجود آخر، ولا حتى تأكيداً له، إنه وجود عابر في ليل بدائي خام يعتق الفراغ البنفسجي، الذي يقطر خمر الساعات والدقائق والثواني، وهنيهات لا تفضي إلى مكان... فما من مكان بلا زمن! متى وُلد ومتى يعود إلى سرمده؟ يا لقوة الحياة! تدمر كل شيء وتتذوق الموت بنهم المدمن... يا الله، إني ينتابني شعور مستحيل بنظام أوجدت فيه: نظام الأشياء. كيف يمكن عقلنة ذلك والخلاص من اللامتناهي، الذي يدحرجنا إلى السديم؟ قالوا هناك مناجم الخليقة وامتثالاتها، وهناك العلة والمعلول، الضمائر الصريحة والمستترة، حيث الأشياء مجردة تنتظر أسماءها، واللغة همهمات احتضار. يا لقوة الحياة! التي تتيح لي الكتابة عن كل ذلك دون إذن من أحد، ولا حتى من العدم. الرسالة الخامسة عشرة ليس مناسباً للعيش إن لم يكن لديك ما تعيش من أجله... إنه ذات يوم عليك أن تحمل عبء الإجابة، التي تتطلب روحاً صارمة لترويض الندم... فمثلما يموت المستقبل معنا يموت الماضي أيضاً! تصديقك هذه الحقيقة يخفف من الخوف المستعيض في العروق. ذات يوم لم يكن لديك مكان تذهب إليه غير الماضي: مكان مشاع غير مكتمل، مليء بملايين الشموس التي انطفأت، مليارات الكواكب التي تصادمت وتفتت، والسديم الذي لا يبلغ إلى شيء... مع هذا لم يكن لديك غير الماضي، حيث السكون والصخب. الرسالة السادسة عشرة ماذا يكون كل هذا الضياء، والسماء التي لا نعرف من أين جاءت هذا الصباح وإلى أين تنتهي في الليل... الأشجار متهمة بخطيئة خضراء، والبراعم ما زالت عمياء مثل قطط وليدة... ماذا تكون هذه الغيوم الشفافة غير شراشف سماوية مغسولة منشورة للشمس والهواء، والنوارس فوق النهر، ماذا تكون غير حويصلات جائعة وزعيق، والمياه بلون أعماقها... ماذا يكون هذا كله غير مقترح وجود، وأنا مقترحٌ إنسان فيه!
#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حوار في محطة خارج الجهات
-
العبّار والنهر
-
العناد الجمالي
-
عشر وصايا في الرسم
-
قصص مجهرية
-
سركون بولص يضاعف انتباهنا
-
بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها
المزيد.....
-
الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك
...
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|