أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - حوار في محطة خارج الجهات















المزيد.....

حوار في محطة خارج الجهات


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


إبراهيم عبد ربه:
أفضلُ البدء معك من آخر ما وصلتَ إليه، وتحديداً من نصك المحمول على اشراقة شهاب الدين السهروردي، الذي حمل عنوان رسالته الأهم: (الغربة الغربية)، واحاورك تحت سقف مفاهيمه.
في هذا النص عبرت عتبة محطة جديدة في رحلتك الأدبية والفنية التي اجيز لنفسي بتسميتها: محطة "الغرابة"، وارى أنها رحلة ستدوم طويلا لما تحمله من متاع سفر لا ينضب: تطبيقات في الرسم والكتابة مع غربة روح متنامية تحاول الخلاص...
دائماً تكون المحطات الجديدة هي الأجمل والأخطر في حياة المبدع، لأنها المكان الذي يتوقف فيه عن كونه "مُستَخدِماً" للأدوات، ليصبح هو "الأداة" ذاتها، من مقتنص للرؤيا، إلى الرؤيا. وهذه هي محطة نصك الحالية (الغربة الغربية)، التي سأطيل وإياك البقاء فيها، وهي محطة "الإحتمال". فأنت لا تفعل شيئاً هنا، بل "تحدثُ لك الأشياءُ".
في هذا المحطة أعلنت "الاستقلال الروحي" عما سبق. لم تعد تكتفي بما يراه الآخرون أو بما سطره الأقدمون، بل أصبحت تنتظر "نورك الخاص" الذي لم يسقط في عين من قبل. هذه المحطة هي "الاشراق" الذي تحدث عنه السهروردي؛ حيث تشرق الشمس من داخل الذات لا من الأفق الخارجي. فعودتك للسفر مع السهروردي استقبال صريح لشروق الشمس.
سؤالي لك الآن: بعد أن أعلنت أن الحقيقة ليست في الأماكن ولا في الكتب، هل تشعر أن هذه "الغرابة" التي تسكن المحطة الجديدة هي المنتهى، أم أنها بداية لنوع جديد من الوجود لا يحتاج إلى وجهة؟
يحيى الشيخ:
_ نعم ولا... إنها نهاية رحلة وبداية أخرى مفتوحة بلا نهاية لأني لم اكن استهدفها، أنا وصلتها لأني امشي، وسأغادرها بلا هدف إلى غيرها، لم تعد هناك قضية واحدة اتوجه نحوها، بل أرى امامي منظومة رؤى لم أعدُ اميّز بينها، اختلطت ملامحها وخصائصها في حيّز واحد؛ شاسع جداً وضيق جداً في نفس الوقت. لم تعد امامي فرص للتفضيل بين هذا وذاك، وقد امتزجت كلها في صيغة واحدة وتركزت في افق واحد كلما سعيت إليه يبتعد، وما عليّ إلّا أن أمشي ما دمتُ استطيع المشي... لا تنس أنّي من "المشّائين".

إبراهيم:
بناءً على الـ "نعم ولا" الحاسمة، وما دمت من "المشّائين" مثل اسلافك "الغنوصيين" اعتقد أننا سنصل إلى منطقة تصبح فيها "الغرابة" هي الموطن البديل، و "اللا وجهة" هي الطريق الأصح. وأرى أن المحطة هذه التي جسدها نصك ليست "نهاية" بالمعنى السكوني، بل هي "بداية محتملة". وبما أنك ذكرت "فائض طاقة"، فإن الفائض لا يمكن أن يكون نهاية؛ فالفائض بطبيعته يتدفق ويتحرك. إنك في هذه المرحلة لا تصل إلى محطة تقف فيها الرحلة، بل تدخل في تيار يجعلك في حالة "صيرورة" دائمة. الغرابة هنا هي الضمان الوحيد لعدم "التحجر" في فكرة أو مكان أو كتاب.
في محطاتك السابقة كان السؤال هو "أين الحقيقة؟" (في أي كتاب؟ في أي مكان؟). في هذه المحطة، سقط السؤال "أين"، وتحقق السؤال "كيف". كيف أستقبل المطر؟ كيف أسمح للنور أن يسقط في عيني؟ هنا يتحول الوجود إلى "كيفية إدراك" وليس "وجهة وصول".
عندما "تعثر عليك نفسك"، تنتهي الغربة "الموحشة" وتبدأ الغربة "المستأنسة" (الغرابة). أنت لست بحاجة لوجهة لأن الوجهة كانت دائماً هي "أنت"، وبمجرد أن يحدث اللقاء، يصبح كل مكان تمشي فيه هو المركز، وكل لحظة تعيشها هي المحور.
أرى أنك امام هذا الوجود الجديد، تتعامل مع الحقيقة كشيء "ينكشف" لك في كل لحظة بالغرابة، وليس كشيء "تمتلكه" وتخزنه. أنت الآن تشبه المرآة التي لا تملك الصور بداخلها، لكنها تعكس النور في كل مرة يسقط عليها. هذا النوع من الوجود الذي "لا يحتاج إلى وجهة" هو أعلى مراتب الحرية؛ لأنك لم تعد تطارد شيئاً فاتك، بل أصبحت الميدان الذي يلتقي فيه المطر والنور والحلم.
وسؤالي هو: هل تشعر أن "اللغة" الآن أصبحت عبئاً على هذا الوجود الجديد، أم أنها أصبحت أداة لرسم هذه "اللا وجهة"؟
يحيى:
_ كل ما في يدي هو أداة، حتى اصابعي، فأنا رسام في الأصل كما تعرف، الكتابة والرسم وسائل للتفكير. العبء الأثقل ليس في مادة لغة العمل، بل في "وضوح الرؤيا" واختيار الطريق لها. الطرق التي يجربها المبدع للوصول إلى (الرؤيا)، ليست بالضرورة تقدم نفس الحصيلة كل مرة! ولا بد من اكتشاف طرق جديدة... ليس في الوجود ما هو زائد عن الحاجة أو عبء كما تسميه. الوجود كما هو: وجود يستدعي كيفية فهم وتعامل...
اللغة والرسم كلاهما صيغة فهم لوجود محتمل يتشكل إلى ما لا نهاية. أنا لا املكه بقدر ما يملكني، اتصوره واتابع ظواهره واستجيب لتأثيراته مثل كل الكائنات. الرسم والكتابة نوافذ يدخل منها كل هذا كما يدخل النور... غاليا ما أشعر أنّني قنينة اختبار، دورق تقطير، أو ذلك الورق الحساس الذي يختبرون بواسطته الحوامض والقلويات، وكأني بلا إرادة احمل قدرة الاستجابة لا غير.

إبراهيم:
_ هنا تكتمل الصورة تماماً! كونك رساماً في الأصل يفسر لماذا لم تكن "اللغة" في نصك مجرد وعاء للمفاهيم، بل كانت "مساحة بصرية" وكتلاً من الضوء والظل. كثيرون يقولون أنك رسام كلمات... وبصفتك رساماً، أنت لا تستخدم الكلمة لتشرح، بل لتشير إلى ما وراء الكادر. اللغة عندك الآن لم تعد عبئاً لأنك تتعامل معها كـ "فرشاة" وليس كـ "قاموس".
بما أنك رسام، فاللغة أصبحت عندك "مادة وسيطة" مثل الزيت أو الأكريليك؛ غايتها ليست شرح الحقيقة، بل إحداث "أثر بصري" في وعي المتلقي يجعله يرى "النور" الذي تتحدث عنه. أنت الآن لا تكتب قصيدة، أنت ترسم "بورتريه للميتافيزيقا"، حيث نموذج الرسم (الموديل) هو "الغرابة"، والإضاءة هي "فائض الطاقة"، والحامل هو "الوجود" نفسه.
هنا يبرز سؤال فني: هل تجد أن "اللون" في لوحاتك يمنحك حرية في التعبير عن تلك "الغرابة" أكثر مما تفعله "الكلمة" في نصوصك، أم أن كليهما يصب في نفس ذلك "المطر الذي لم يهطل بعد"؟
يحيى:
_ مع سنين التجربة والتمرين اليومي، أصبح كلاهما يسعيان في سماء واحدة وأغلب الأحيان يختفيان مع اختفاء المطر... الحرية التي تسأل عنها، ليست في الرسم والكتابة، بل في "المطر الذي لم يهطل بعد"، في "الاحتمال"، الذي يستدعي صلاة استسقاء متواصلة. لكي تتوصل إلى فكرة واضحة عني، فأنا باختصار؛ رجل احتمالي؛ أدين بفكرة "الاحتمال"؛ ما يحدث في الطبيعة، يحدث في اللوحة، ليس في بشكل طبيعي، بل جوهر العملية الفزيائية، وما ينتقل بين عناصر الطبيعة من تأثيرات وما يتشكل من روابط، أحاول تطبيق صورتها.
في الكتابة والرسم فيزياء كذلك! ثمة سلالم موسيقية تربط الألوان والخطوط وتنتقل من مكان إلى آخر، (كان يراها كاندنسكي) وثمة جسور بين فكرة أخرى لا تتحكم بها الكلمات، بل قوانين الدلالات: (قوة الجذب) الكامنة في المفردة وطاقتها.
سباكة المعادن تعتمد قوانين عمل (تقنيات) أتذكر منها وقد جربته بنفسي: خلال صهر الذهب مع نسبة من النحاس ونسبة من الفضة، تطفو على سطح الذهب المنصهر في البوتقة شوائب من أكسيد النحاس أو الفضة، وافضل مادة لإزالة هذه الشوائب هو مسحوق الكبريت الأصفر. نرمي قليلا منه في البوتقه، فيشتعل ويبعث بخاراً بالوان قوس قزح (لون أكسيد النحاس واكسيد الفضة)، عملياً، فالكبريت المحترق يحرق الشوائب ويبخرها.
في الرسم والكتابة ثمة وسائل تشبه بوتقه صهر المعادن والكبريت، والمعضلة ليست في حرية التعبير، إنما في سباكتها، ولكل مبدع كبريته الخاص!

إبراهيم:
_ إذن، أنت لا تمارس فنين منفصلين، بل تمارس "فعل الاستسقاء" بوسيلتين مختلفتين، عملية "صهر وسباكة" بصفتك رساماً وشاعراً، أنت تدرك أن "المطر الذي لم يهطل بعد" هو اللحظة الصفرية التي تسبق التجسيد؛ هي تلك الرعشة في يد الرسام قبل أن تلمس الفرشاة بياض القماش، وهي الصمت الذي يسبق نطق الكلمة الأولى. عندما يصبان في نفس المصب، يصبح: اللون: هو "صوت" بمثابة الصمت في الغرابة، والكلمة: هي "لون" بمثابة المعنى الذي استعصى على التحديد.
في لوحاتك، ربما يكون المطر هو "الضوء" الذي لم يجد مكانه بعد في المشهد، وفي نصوصك، هو "الوجود" الذي ينتظر أن تعثر عليه نفسه. أنت تجعل من الفن (بشقيه البصري واللغوي) حالة من "الاحتمال الخلّاق"؛ حيث لا تهم النتيجة بقدر ما تهم تلك الطاقة الفائضة التي تسكن المرحلة التي تسبق الهطول.
بهذا المعنى، أنت لا "تُنهي" عملاً فنياً أبداً، بل تتركه دائماً في حالة "استعداد للهطول"، تماماً كما تركت نصك مفتوحاً على احتمالية أن "تعثر عليك نفسك". أنت ترسم وتكتب لكي تُبقي ذلك "النور الذي لم يسقط في عين" في حالة توهج، لعلنا -نحن القراء والمشاهدين- نستطيع أن نرى من خلال أدواتك ما عجز الآخرون عن العثور عليه. استشهد بما كتبه عنك صديقك سهيل سامي نادر في مقالته المهمة "يحيى الشيخ، أكثر من سيرة"، وكان تشخيصه المبكر لهذه الحالة دقيقاً: (.. في سياق سيرته تظهر بوضوح اللحظة التي ينتقل فيها الفنان (يحيى الشيخ) من حقل إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى، ومن انقطاع إلى اكتشاف. إن سيرته الفنية تشتمل على كل هذا، بل هناك رماد حقاً أراه شخصياً تعبيراً عن ولادات متتالية تسبب آلاماً جسدية وروحية، يزيدها ألماً عقل قوي اعتاد عدم التصديق والشك!).
وسؤال آخر: لقد جعلت من فنك ممرّاً لهذه "اللا وجهة" الجميلة، فهل تعتقد أن وظيفة الرسام/الشاعر الحقيقية هي أن يُبقي هذا المطر "غير هاطل" لكي يظل الأمل في الاكتشاف حياً؟
يحيى:
_ الاكتشاف الأهم يكمن في احتمال الخلاص وليس في الأمل... ثم، واعتذر من تصويبي لجملتك، ليس هناك أمل حيّ وأمل ميت، هناك أمل وحسب! فكرة مرتهنة بمستقبل غامض اعمى، وأنا لا اتعاطاه (الامل). الأمل لا يُنزل المطر، بل احتمال الرياح، الاحتمال الحيّ المتجدد هو المحرك الداخلي للطبيعة والانسان. وأنت تواجه "لا جهة" ليس من أمل ولا حتى يأس، وما عليك إلى اغماض العينين والعمل حتى تسقط مغشياً عليك. العمل اليومي طيلة ستين عاماً من حياتي، أعفاني من واجب السؤال واسقط عني واجب الجواب. أنا اشتغل من خارج ارادتي، بإرادة الاحتمال محكومٌ عليّ بالرسم والكتابة والتفكير...

إبراهيم:
_ بصفتك رساماً وشاعراً، أنت تختار أن تقف في تلك اللحظة الحرجة والمقدسة: لحظة "قبل". في اللوحة: هي تلك الطاقة الكامنة في اللون قبل أن يجف، وكأنه لا يزال قادراً على التحرك. في النص: هي المعنى الذي يرفض أن يتجمد في تعريف، ليبقى "غريباً" ومتجدداً. وترى أن وظيفة المبدع ليست تقديم "إجابات" (مطر هطل وانتهى)، بل حماية "الدهشة". فلو هطل المطر وانتهى، لصار حقيقة تاريخية، أما وهو "لم يهطل بعد"، فإنه يظل رؤيا مستقبلية تسحبنا نحو الأمام، نحو ذلك الاكتشاف الذي لا ينتهي للعثور على النفس. أنت تبقي القارئ/المشاهد في حالة "تأهب روحي". تجعله يرفع رأسه للسماء (الوجود) منتظراً ذلك النور، وهذا الانتظار في حد ذاته هو الوجود الحقيقي.
إذن، فنك هو "فنُّ الاحتمال". أنت لا ترسم ما حدث، بل ترسم "ما قد يحدث"، ولا تكتب عما وجدته، بل عما "سيعثر عليك". هذه هي قمة الإخلاص ل "لا وجهة"؛ أن يكون العمل الفني مجرد بوابة مفتوحة على الدوام، لا يغلقها هطول ولا ينهيها وصول. بهذا لخصت دور الفن كحارس للأسرار، لا ككاشف لها. فنحن نحتاج للأسرار لكي نستمر في العيش، ونحتاج للمطر "غير الهاطل" لكي نظل دائماً في حالة استسقاء روحي لا ينقطع.
يحيى:
_ في هذه المحطة، لدي حاجة للتوقف عند مقام "شهاب الدين السهروردي"، الذي سحرني في شبابي، والنظر في علاقته بالهرمسية والغنوصية المندائية. أرى أن المتصوف الاشراقي نهل من شمس افكارهم ما نهل... في رسالة "الغربة الغربية" يذكر سقوطه في البئر المظلم ونجاته منه بفعل رسالة من "نور الانوار"، حملها له الهدهد، هي ترجمة حرفية للفكرة المندائية، التي تنص على سقوط النفس من موطنها الأول؛ "عالم الانوار" في ظلمة الجسد المادي وعذابها فيه، وخلاصها النهائي هو "المعرفة": نور الانوار.
إبراهيم:
_ لقد وضعت إصبعك على أحد أهم الجسور المعرفية إثارة في تاريخ الفلسفة والروحانيات. إن الربط بين السهروردي والهرمسية والغنوصية المندائية، ليس مجرد استنتاج تاريخي، بل هو كشف لـ "وحدة الرؤية" التي تخترق الأديان لتصل إلى جوهر الوجود. وإليك رؤيتي لهذا التمازج العميق:
يؤكد هانس يوناس في كتابه "الديانة الغنوصية" أن الجوهر الغنوصي يقوم على فكرة "النفس الغريبة". في المندائية، النفس (النشما) هي شرارة من عالم النور سقطت في عالم الظلمة (الروهه - المادة). في نصك ونص السهروردي، هو بالضبط ما تصفه بـ "الغرابة". المتصوفة المسلمون، وعلى رأسهم السهروردي، استعاروا هذا "الهيكل الدرامي" للوجود: النفس لا تنتمي لهذا العالم، وبحثها ليس طلباً لشيء جديد، بل هو "تذكر" لأصل ضائع... أتذكر أني قرأت لك هذه الفكرة في قصيدتك الملحمية المرسومة: "التمائم الوثنية".
السهروردي لم يكن يرى الإسلام منفصلاً عما قبله، بل آمن بـ "خميرة الحكمة"، كما آمن البعض ب "حجر الفلاسفة" واعتبر "هرمس الهرامسة" هو والد الحكماء. هذا الفكر الهرمسي هو الذي سمح للمتصوفة بامتصاص الغنوصية المندائية؛ لأنهم رأوا فيها "لغة الضوء" ذاتها. المندائية تعبد "هيّي ربي" (الحياة العظمى)، والسهروردي يتحدث عن "نور الأنوار". كلاهما يرى الوجود "فيضاً ضوئياً" وليس مجرد خلق مادي.
يتحدث هانس يوناس عن "النداء" الذي يأتي من عالم النور لإيقاظ النفس النائمة. هذا النداء في المندائية يسمى "المنداي" (المعرفة)، وعند السهروردي هو "رسالة الهدهد"، وعندك هو "الحلم الذي سيعثر عليك". هنا نرى تأثر التصوف بالغنوصية في تحويل العلاقة مع الخالق من "طاعة وقانون" إلى "معرفة وكشف". الحقيقة لا تُنال بالجهد العقلي، بل بـ "الاستجابة للنداء".
يحيى:
_ المندائية لغة رمزية بامتياز، لقد حولت عناصر الطبيعة الخام (الماء الجاري، النور، البياض) إلى رمز روحي. المتصوفة المسلمون وغيرهم، وجدوا في هذه الرمزية وسيلة للهروب من جمود الفقهاء، ومن ضمنهم شهاب الدين السهروردي (القتيل) و "اخوان الصفا". أرى أنهم جميعاً لم "ينقلوا" عن المندائية حرفياً، بل "تفاعلوا" مع تيارها الباطني، الذي ينطوي على الحكمة الإنسانية. الغنوصية المندائية قدمت لهم "الخريطة الجمالية" للروح: العالم سجن (البئر/الطريق العام)، والنفس غريبة (الغرابة)، والخلاص هو المعرفة (العثور على النفس).
إبراهيم:
أنت كرسام وشاعر، تمارس "غنوصية حديثة"؛ فبدلاً من "الكتب المباحة" (القوانين الجاهزة)، تبحث عن "نور لم يسقط في عين" (المعرفة). هذا التوجه هو ثمرة مباشرة لتلقيح الفكر الإسلامي بالرؤى الغنوصية التي ترى في الفن والإشراق وسيلة للخلاص، برسمك وشعرك، تعيد إحياء هذا "القلق الغنوصي" الجميل. فالمطر الذي لم يهطل بعد هو "الفيض" الذي ينتظره الغنوصي ليتطهر من طين المادة. وسؤالي هو:
هل تعتقد أن ميلك لـ "الغرابة" هو استجابة لا واعية لـ "النداء الغنوصي" الذي يخبرك أن حقيقتك لا توجد في "الكتب المباحة" بل في ذلك النور المندائي القديم الذي لا يزال يشع في روحك؟ وبصفتك سليل الكهنة المندائيين، هل تشعر أن فنك هو (ماء حي "اليردنا") الخاص بك؟ هل اللوحة هي المكان الذي تمارس فيه طقس "التعميد بالضوء" لتعود بنفسك إلى أصلها النوراني؟
يحيى:
_ اسمح لي بتعديل ضروري لقولك: "استجابة لا واعية" التي وردت في سؤالك، وهذه حالة تحدث للريشة في مهب الريح، وهذا لا يخصني بشيء؛ الرسم والكتابة في حياتي هما استجابة واعية واختيار لطريقة عيش، وطريقة تفكير، هما دلالة وجود؛ يشبه تماماً ما تعنيه المندائية في أن المعرفة هي طريقة عيش، وهدف عيش، وهي الخلاص النهائي لهذا العيش. أنا لا انطوي على معنى غير أن أكون رساماً وكاتباً واعياً لنفسه ويستجيب لندائها الباطني، كما يستجيب لظواهر الوجود، وهذا الفعل ليس (استجابة لا واعية)!
بفضل نشأتي في مناخ كهنوتي، كان للطقوس المندائية الروحية والصارمة فعلها النفسي والفكري العميق في تكويني، ومع أني صبأت عنها ولم أعد أمارسها، لكني واصلت النظر لنقائها وصدقها ووضوح علاقتها بالطبيعة والكون؛ إنها مصدر ثقافة رصينة محكمة الجوانب نقية الجذور، واصلت البحث فيها حتى اليوم، أعتقد بفضلها "ميزتُ الأسود من الأبيض وعرفت نفسي"، كما تقول "كنزا ربا".
إبراهيم:
_ هذه ليست مجرد إجابة، بل هي "بوثا" كما في اللغة المندائية: (آية) وجودية تربط بين ممارستك للفن وبين طقوس أجدادك الضاربة في القدم. لقد تحول القماش الأبيض أمامك إلى "مندي" (بيت المعرفة)، حيث تمارس طقس التكريس بعيداً عن ضجيج العالم المادي. إن رؤيتك للفن كـ "يردنا" (ماء حي) تجعل من عملية الرسم تجربة طقوسية تتجاوز الجماليات لتصل إلى "الخلاص" بما توفر من ممارسات.
بما أنك تمارس هذا "التعميد بالضوء" على اللوحة، أعتقد أن كل لوحة تنهيها هي بمثابة "رسالة هدهد" جديدة ترسلها للعالم، لتذكّر الآخرين بأن هناك نوراً ينتظر أن يسقط في عيونهم أيضاً.
يحيى:
_ كل مخلوق يأتي حاملاً رسالته معه، بعضهم يفصح عنها وينجزها، وبعضم يتعذر عليه الأمر. أما أنت فيليق برسالتك أجمل ثناء، وأقف مندهشاً أمام سعة معرفتك وعمق فهمك للثقافة المندائية واصولها الروحية والفكرية، وهذا يندر في زمان تختفي فيه الثوابت والثقافات القومية... اشكرك صديقي الغالي لقد وضعت إكليل آس على رأسي في هذا الحوار.



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا
- بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها


المزيد.....




- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...
- مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل ...
- عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال ...
- وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط ...
- الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لح ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - حوار في محطة خارج الجهات