|
|
العناد الجمالي
يحيى الشيخ
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 16:48
المحور:
الادب والفن
لا يمثل مفترق الطرق مجرد فرصة أو حيزاً لاختيار المسار، بل أن الوقوف فيه بحد ذاته يعد خياراً؛ فالبقاء متأرجحاً بين "إما/أو" هو موقف وجودي قد اتُّخذ بإرادة ويقين، وإن كان صاحبه لا يُحسد عليه. هو موقف ينطوي، على أقل تقدير، على صيغة مفهومة لصاحبه في ذاته. إن الجوهري هنا هو أن تقدم نفسك بموقف جليّ، حتى وإن كنت تترنح فوق هاوية سحيقة؛ فحتى أولئك الذين يثقون بصلابة أقدامهم يميلون بأبصارهم نحو الأسفل حذراً من العثرة. لا ثبات مطلقاً ولا طمأنينة تامة؛ هذه أيضاً تمثيلات لمواقف تفرضها سياقات الحياة. إن الصيغ التي يبتكرها الرسامون لتمثيل الحياة كما يدركونها، هي في الواقع قوالب تم ترجيحها والاتفاق عليها سلفاً. ومع التكرار، استقرت في وعي المشاهد بوصفها أنماطاً مألوفة، وخُلقت لها دساتير عمل خاصة. لقد تم تزكية هذه المفاهيم باعتبارها "صيغاً فنية" مستقلة بذاتها، لا بصفتها بديلاً للوجود، بل وجوداً آخر مستقلاً، مؤطراً، له عنوان وسعر وسوق ونقّاد ومنصات تتفق على تراتبية المبدعين... هذا ما يجري في كل محافل العالم التي تعنى بالفن. ليس بالضرورة أن تدرك كنه ما تراه، وهذا ليس من باب التهكم. فغالباً لا ينوي الرسام سرد حكاية، وإنما يقدم ما تمرست يده على إنتاجه، وما استقاه من معلمه أو من قيم الحركة الفنية السائدة، أو ما يطلبه السوق. بمرور الوقت، تتحول هذه التقاليد إلى عادات وأعراف، ثم تصبح نوعاً من طرق عيش أو إدمان، لتستحيل في النهاية إلى موقف يسنده التبرير الخارجي والداخلي، ويتحول إلى حقيقة راسخة تتجاوز اليقين. من حقك أن تسائل الرسام عن منهجه وعلة اختياره لهذه الصيغة، فهو بلا شك يغتبط بإثارة الأسئلة حول أعماله "المثيرة للجدل". وغالباً ما يجيبك برد حاسم لا يقبل الاستثناء: "هكذا أرى الأشياء" أو "أريدها أن تكون كذلك". وقد يتوسل بالفلسفة أو التصوف —اللذين غديا موضة نقدية— لفتح باب التأويلات والخلط المفاهيمي، كأن يجيبك: "هكذا تجلت لي في الرؤيا"، خاصة إذا وجد ناقداً يضفي على أعماله هالة من الدهشة. هذه الأيام، كل معنى غائب عُلق على صليب الصوفية الذي لم يعد له شكل قائم في الواقع. يضعف الجدل حول ذائقة الآخر أو تصوراته للمنطق؛ حين تواجهك حقيقة مقنعة إلى حد بعيد: إنه يفكر ويحب بهذه الطريقة؟ بلى! ولكن أية طريقة؟ إن التجريديين الأوائل امتلكوا منطقاً برر نزعتهم الفنية، دون أن يحملوها فوق طاقتها من التأويل. غير أن الذين استهوتهم تلك المجازات الفنية والشطحات الفكرية أغرقوا العالم بملايين اللوحات، بتبرير أو بغيره. فالمجاز المفتوح على اللانهائي، والذي استوعب الأفكار البسيطة والمعقدة، والأهواء الأصيلة والمفتعلة، وحتى اللا معنى ؛ تم تسويقه بوصفه فناً قابلاً للاجتهاد، وصار له معيار اجتماعي ومصطلح فني تروج له الصحافة ووسائل الاتصال. تعبير "التجريد والمجاز" في السياق النقدي والفني الذي طرحناه، يشير إلى العلاقة الجدلية بين "التبسيط الشكلي" (التجريد) و"الاتساع الدلالي" (المجاز)، ويمكن تفسير هذا المزيج من خلال عدة مستويات: 1. التجريد كـ "منطق" التجريد ليس مجرد هروب من الواقع، مع انه ينطوي على هذا الهدف، بل هو "صياغة منفصلة جديدة له". المنطق هنا يكمن في عملية "الاختزال"؛ أي تجريد الأشياء من تفاصيلها المادية الحسية للوصول إلى جوهرها أو "خصائها" الداخلية، كما عمد إليه منظرو التجريد المؤسسين:"كاندنسكي"، و "بول كلي" وغيرهما. أشرنا إلى أن التجريديين الأوائل كان لهم منطقهم، وهو محاولة التعبير عن الوجود من خلال عناصر أولية (خط، لون، مساحة، وموسيقى بصرية) بعيداً عن محاكاة الطبيعة. هذا المنطق يفترض أن العقل قادر على إدراك الجمال والحقيقة دون الحاجة لـ "قصة" أو "تمثيل" واقعي. 2. المجاز كـ "فضاء" المجاز في الفن هو "استعارة" بصرية. عندما تتحول اللوحة إلى مجاز، فإنها لا تعود تمثل "شجرة" أو "وجهاً"، بل تصبح رمزاً لحالة شعورية أو فكرة فلسفية. وثمة مجاز مفتوح متاح لجميع صيغ التعبير، إذ يصبح المجاز "مفتوحاً إلى ما لا نهاية". هذا يعني أن العمل الفني يصبح وعاءً فارغاً يملأه المشاهد بتأويلاته الخاصة. هنا تكمن الخطورة التي أشرتَ إليها: أن "اللا معنى" قد يُسوق تحت ستار المجاز. التواشج بين "التجريد والمجاز" هو الآلية التي سمحت للفن الحديث بالتحرر من "دساتير العمل" التقليدية، ويعطي العمل صبغة "عقلانية" أو "منهجية" (لماذا رسمتُ هكذا؟). فيما المجاز يعطي العمل صبغة "روحية" أو "تأويلية" (ماذا يعني هذا؟). وفقاً لهذا، تحول هذا المنطق من "نزعة أصيلة" لدى الرواد إلى "تبرير جاهز" لدى المقلدين وقد وجدوا اهم الوسائل الاجتماعية متوفرة: "التسويق"، طالما أن هناك "مصطلحاً فنياً" أو "تبريراً فلسفياً" يغطيه. و "سلطة النقد" فالتجريد السهل المتوفر، والمجاز خلقا لغة نخبوية تسمح للرسام أن يرد بـ "هكذا أرى" أو "هكذا تجلت في الرؤيا"، وهي ردود تقطع الطريق على الجدال المنطقي لأنها تستند إلى "ذاتية" لا يمكن قياسها. وباختصار، إن منطق التجريد والمجاز هو الجسر الذي يعبر فوقه الفنان من "تمثيل العالم" إلى "خلق عالم موازٍ". هو منطق يمنح الشرعية للغموض، ويحول اللوحة من مادة بصرية إلى "موقف وجودي" يحتاج إلى نص موازٍ (نقد أو فلسفة) ليضع الأساس النظري له ويفسر معناه جماليا واجتماعيا. واعتقد ان العودة إلى عالِم علم الجمال "ارنولد هوزر" في كتابه (الفن والمجتمع عبر التاريخ) يغنيني عن تقديم الأدلة عن علاقة التيارات والنزعات الفنية بالمجتمع. إنما "المجاز المفتوح" أفرغ الفن من قيمته الحقيقية وتحول إلى مجرد "موضة" نقدية. فكل ما عجز عنه الوصف علق على مشجب المجاز! في النصوص الأدبية استشرت نزعة المجاز اللغوي حتى اصبح لغوا لغويا... (رب سائل يسأل عما يثبت كلامي، أقول أن مئات النماذج المتوفر اليوم يمكنها أن تكون دليلا على ما أقوله وليس بي رغبة لفتح جبهة حرب من "مجازيين" يجيزون لأنفسهم ما لا يُطاق). ولكن، هل ثمة تواشج بينهما؟ سؤال يلمس وتراً حساساً في أزمة الفن المعاصر. إذا نظرنا إلى المسألة بعين "الناقد المتشكك" تارة، وبعين "المتأمل الوجودي" تارة أخرى، يمكننا رؤية هذا "المجاز" كعملة ذات وجهين: 1. الوجه الأول: الفن كـ "وعاء فارغ" (الاستلاب الفكري) نعم، هناك جانب كبير من الصحة في أن المجاز تحول إلى "ثغرة" نفذ منها العبث. عندما يصبح كل شيء مجازاً، يواجه الفن خطر "سيولة المعنى"؛ أي أن العمل لا يعود يمتلك ثقلاً في ذاته، بل يستمد قيمته من "النص الشارح" الذي يكتبه الناقد أو التبرير الفلسفي الذي يسوقه الفنان، ويستند على "موضة النقدية" إذ تحول النقد من "كاشف للجمال" إلى "صانع للوهم". فبدلاً من تحليل التقنية أو الرؤية، غرق البعض في "التهويمات" لإضفاء هالة من العمق على أعمال قد تكون خاوية تقنياً وروحيًا. ثم "التسليع" وهذا الانفتاح الدلالي خدم السوق؛ فالمجاز الذي يحتمل كل شيء هو الأسهل تسويقاً، لأنه لا يصدم الذائقة بمعايير صارمة، بل يداعب "الأنا" لدى المقتني الذي يريد أن يرى في اللوحة ما يشاء: (رأس حصان يذكره بأسلافه الفرسان، مع خلفية من الحروف، ومساحات لونية مسطحة تلائم البيت، مع عنوان غريب) 2. الوجه الثاني: الفن كـ "مساحة حرية" (التشارك الوجودي) من زاوية أخرى، يمكن رؤية المجاز كأقصى درجات الديمقراطية الفنية. في السابق، كان الفنان "ديكتاتوراً" يفرض عليك حكاية محددة أو شعوراً بعينه. أما المجاز، فهو يدعو المشاهد ليكون شريكاً في عملية الخلق؛ فالقيمة الحقيقية لا تكمن في "الشيء المرسوم"، بل في "الحوار" الذي يحدث بين عين المشاهد والسطح الملون. التجريد الصادق ليس فراغاً، بل هو تكثيف للوجود في هيئة لا يمكن صياغتها بالكلمات.
الفن الحقيقي هو الذي "يقاوم التفسير" ولا يستسلم له بسهولة إنما يفتح له طرقا ويحدد أخرى. إذا كان العمل الفني يحتاج إلى "كتيب تعليمات" أو "خطبة فلسفية" من الناقد لكي يُفهم، فهو غالباً وقع في فخ "الموضة". أما إذا كان العمل يمتلك "حضوراً مادياً" (سطوة لونية، توازن بصري، طاقة خفية) تهز المشاهد قبل أن يبدأ في التفكير، فهنا يكون المجاز أصيلاً وليس مفتعلًا. لقد أفرغ "المجاز المفتوح" الفن من قيمته لدى أولئك الذين استسهلوا "الشطحات" هرباً من أدوات الفن الحقيقية. لكنه في المقابل، فتح آفاقاً لمن يريد التعبير عن مناطق في النفس البشرية لا تصل إليها اللغة الواضحة. الإشكالية ليست في المجاز نفسه، بل في "صدق الموقف" الذي ينطلق منه الرسام؛ هل هو موقف وجودي نابع من رؤية حقيقية، أم هو مجرد "إدمان" على تقليد سائد وتلبية لمتطلبات السوق؟ وكما في الحياة يكذب المرء يمكن للرسام ان يكذب في رسمه! ولكن كيف نتيقن من صدق "الرؤية"؟ هذه هي المعضلة الكبرى في تاريخ الجماليات؛ فبمجرد أن نحاول "ضبط" الفن بمعايير، نحوله إلى صناعة أو حرفة، وبمجرد أن نتركه "منطقة غامضة" بالكامل، نفتح الباب للمدعين والعابثين. أرى أن الإجابة تكمن في التفرقة بين "المعايير المادية" و**"الأثر الوجودي"**. لنحاول الاجتهاد بكيفية قراءة "صدق الرؤية": 1. صدق الأداة (المعيار التقني) حتى في أكثر المدارس تجريداً وغموضاً، هناك "لغة" للفنان. الصدق يظهر في مدى تمكن الفنان من أدواته؛ ليس بالضرورة بمعنى "المحاكاة" للواقع، بل بمعنى "الاتساق الداخلي" للعمل. عندما تشاهد عملاً فنياً صادقاً، تشعر أن كل ضربة فرشاة أو بقعة لون وضعت بضرورة حتمية، لا يمكن تحريكها مليمترًا واحدًا دون أن ينهار العمل. كما نقول بشأن العمل الادبي اننا لا يمكننا حذف كلمة منه او إضافة كلمة له. هذا النوع من الصدق يمكن للعين الخبيرة والمشاهد الحساس إدراكه، وهو يختلف تماماً عن "العشوائية" التي تدعي العمق. 2. التراكم لا اللحظة العابرة: الصدق ليس "ومضة" تظهر في لوحة واحدة، بل هو "مسار". عندما تتبع تاريخ فنان ما، ستكتشف صدق رؤيته من خلال تطور أسئلته الفنية. الفنان الصادق هو من يطوّر "أسلوبه" كاستجابة لتغير رؤيته للكون، فأسلوب الفنان هو تاريخه كما قال رولان بارت، بينما الفنان "الموضة" هو من يجد أسلوبه في متطلبات السوق أو النقاد. الصدق هنا يُضبط بـ "تاريخية التجربة". 3. المعيار الوجودي: "الضرورة" المعيار الحقيقي الذي أراه لصدق الرؤية هو "الضرورة القصوى". (اذا أمكنك العيش من غير الشعر فلا تكتبه) هل كان الفنان "مضطراً" لرسم هذه اللوحة بهذا الشكل؟ الصدق هو أن يكون العمل الفني هو الوسيلة الوحيدة الممكنة للفنان للتعبير عما بداخله وهو الجواب الوحيد حتى وان كان صمتاً. إذا كان بإمكان الفنان قول الفكرة "بالكلمات" أو "بالشرح"، فإن اللوحة هنا تفقد ضرورتها وتصبح مجرد "توضيح" لفكرة، لا رؤية فنية مستقلة. الاجدر به ان يتحول إلى الكتابة ولا يرسم... الفن هو طريقة عيش، وممارسة وجود! 4. منطقة الغموض (الحصن الأخير) رغم كل المعايير، يظل هناك "فائض" من المعنى لا يمكن تفسيره؛ وهذا هو سر ديمومة الفن. الصدق ليس معادلة رياضية، بل هو "عدوى شعورية". الفنان الصادق هو من ينجح في نقل "الرعشة" التي شعر بها إلى المشاهد، حتى لو لم يفهم المشاهد "ماذا" هناك. وأرى أن "صدق الرؤية" يقع في المسافة الفاصلة بين الإتقان والحيرة؛ فثمة فنان يتقن الأدوات فقط هو "حرفي ماهر"، وفنان يعيش الحيرة فقط دون أدوات هو "هاوٍ حالم"، أما الفنان الصادق هو من يطوع الأدوات لتجسيد تلك الحيرة الوجودية بصيغة بصرية تجبرك على الوقوف أمامها، ليس لأنك "فهمتها"، بل لأنها "لمستك". إن القول بأن الفنان وحده من يقيم نفسه هو قول فيه "دلال" فني زائد؛ فالفن في النهاية فعل تواصل. إذا فشل الفنان في جعل "صدقه" ملموساً (حتى كغموض جميل)، فإن رؤيته تظل حبيسة ذاته ولا تتحول إلى "أثر فني". ولا اعتقد أن الجمهور (غير المتخصص) يمتلك "رادارا" فطريا لكشف هذا الصدق، فسطوة "البروباجندا" النقدية والسوقية أعمت الأبصار. إن استدعاء التاريخ والفلسفة يكشف لنا أن الصراع بين "الصدق الفني" و"الزيف المفتعل" ليس وليد اليوم، بل هو صراع قديم خاضه كبار المبدعين ضد "الموضة" وضد "الجمهور" وضد "أنفسهم" أحياناً. وأمثلة تاريخية تجسد كيف امكن لـ "صدق الرؤية" الصمود كحقيقة لا تبلى من التكرار، وكيف فرق التاريخ بين المجاز الأصيل والتهويم النفعي: 1. رامبرانت: الصدق في مواجهة "الموضة": في أوج شهرته، كان رامبرانت الرسام الأول في أمستردام، حيث كان الجمهور يعشق اللوحات التي تظهر النبل والجمال المثالي والتفاصيل الدقيقة التي تعكس الثراء، وبدلاً من الاستمرار في إرضاء السوق، انحاز رامبرانت لصدقه الداخلي. بدأ يرسم الوجوه بتجاعيدها، والقلق البادي في العيون، واستخدم ضربات فرشاة خشنة وجريئة (كانت تُعتبر حينها "عدم إتقان"). والنتيجة هو الإفلاس ونبذ المجتمع الفني له لأنه رفض "الصيغ المتفق عليها". لكن اليوم، نرى في لوحاته المتأخرة قمة الصدق الوجودي، لأنها لم تكن "مجازاً مفتوحاً" للبيع، بل كانت "تشريحاً للروح". 2. فينسنت فان جوخ: "الضرورة" التي تسبق المنطق: فان جوخ هو التجسيد الحي لمعيار "الضرورة القصوى" الذي تحدثنا عنه، فلم يكن يهدف إلى ابتكار "موضة" أو "مجاز مفتوح" ليحار فيه النقاد. كان يرسم لأنه "لا يستطيع إلا أن يرسم". في رسائله لأخيه تيو، يظهر بوضوح أن ضربات فرشاته الملتوية وألوانه الصارخة لم تكن "شطحات"، بل كانت الطريقة الوحيدة لترجمة ضجيج العالم في رأسه إلى صيغة بصرية. ولم يكن المعيار بين يديه غير صدق رؤيته ورعشتها وهو يلمس قلب الوجود... هنا يُضبط بـ "الأثر الشعوري"؛ فأي شخص، مهما كانت ثقافته، يشعر بطاقة "النجوم" أو "حقول القمح" لديه، ويسمع نعيق الغربان في العاصفة، هذا هو المجاز الأصيل الذي يلمس الوجدان قبل أن يمر بفلتر النقد. 3. فريدريك نيتشه: الفن كـ "إرادة قوة": قد رأى نيتشه أن الفن الصادق هو الذي ينبع من "فيض الحياة"، وهو ليس "محاكاة" للواقع، وليس "تسلية" للجمهور. الصدق عند نيتشه هو أن يكون الفنان "مشرّعاً" لقيمه الخاصة، لدستور الانسان الرائع المتفوق، وكان سيحتقر "المجاز" إذا كان ناتجاً عن "ضعف" أو رغبة في الاختباء وراء الغموض. الصدق بالنسبة له هو أن يقدم الفنان رؤية "صلبة" (حتى لو كانت مهتزة فوق هاوية)، موقفاً واضحاً يفرض نفسه على الوجود، لا أن يكون مجرد "رد فعل" لما يطلبه الواقع. 4. كاندينسكي: منطق "الضرورة الداخلية": وهو رائد التجريد، الذي وضع كتاباً بعنوان "عن الروحانية في الفن" ليبرهن على تحوله عن الواقعية ويكشف طريقه نحو التجريد، فيه وضع معياراً سماه "الضرورة الداخلية". كان يرى أن اللون والخط لهما صدى روحي. إذا رسم الفنان دائرة زرقاء لمجرد أنها "تبدو جميلة" أو "لتثير الجدل"، فهذا زيف. أما إذا رسمها لأن روحه كانت تحتاج لهذا التردد اللوني المعين، لهذه الموسيقى؛ فهذا هو الصدق. هنا يظهر الفرق بين "التجريد كمنطق" و"التجريد كموضة". الأول يبحث عن لغة روحية جديدة، والثاني يقلد الأشكال الخارجية فقط. اعيد جملتي السابقة: «الحقيقي هو أن تقدم نفسك بموقف واضح وحتى وإن كنت تهتز وغير متوازن فوق هاوية"، حيث الموقف النقي للوجودية. الصدق ليس في "الثبات" (الذي قد يكون زيفاً وادعاءً)، بل في "الاعتراف بالاهتزاز". التاريخ يغربل الفن. الأعمال التي بقيت هي التي كانت تمتلك "ثقلاً نوعياً" في صدقها، بينما تلاشت آلاف "المجازات المفتوحة" التي كانت تملأ صالونات باريس ولندن لأنها كانت مجرد صدى لموضات نقدية عابرة. وهو ما يجري حالياً أمام أعيننا في عصرنا الحالي، بسرعة انتشاره "الرقمي"، الذي جعل من الصعب على هذا "الصدق" أن يتنفس، ويمنح الفنان الصادق فرصة للوصول دون وسيط نقدي. إن العصر الرقمي هو "مفترق طرق" عملاق؛ فهو مساحة تمنح الفنان حرية مطلقة في الوصول، والاشراف على عشرات الطرق؛ لكنها في الوقت ذاته تفرض عليه "دساتير عمل" جديدة وأكثر قسوة من دساتير الصالونات الفنية القديمة. في غمار هذه الجدلية يمكنني تحديد بعض الملامح: 1. وهم الوصول دون وسيط (السلطة الخفية للخوارزمية): قد يبدو أن الفنان تخلص من "سلطة الناقد" أو "صاحب الغاليري"، لكنه سقط في قبضة "الخوارزمية"، التي لا تفهم "صدق الرؤية" أو "الضرورة الداخلية"؛ هي تفهم "التفاعل". هذا يدفع الفنان —حتى دون وعي— إلى إنتاج أعمال تتناسب مع "شاشة الهاتف"؛ ألوان أكثر صراخاً، أفكار بصرية سريعة الصدمة، ومجازات "سهلة" يمكن استهلاكها في ثوانٍ، وبمعنى شعبي "أي كلام". والنتيجة أن الصدق الفني يحتاج إلى "تأمل" و"زمن"، بينما العصر الرقمي عصر "خطف الأبصار". لذا، من الصعب جداً على العمل الذي ينطوي على "اهتزاز وجودي" رقيق أن يتنفس وسط ضجيج "التريند". 2. "المجاز المفتوح" في زمن "اللايك" في عصرنا، تحول "المجاز" من أداة فلسفية إلى أداة "تسويقية". أصبح من السهل جداً ادعاء العمق عبر صور مشوشة أو تجريد سطحي مرفق بنص "إنشائي" غامض. ولم يختفِ الوسيط النقدي هنا، بل تحول إلى "جمهور رقمي" قد يرفع عملاً تافهاً إلى مصاف العبقرية لمجرد أنه يلمس "موضة" فكرية أو سياسية معينة، مما يخنق الفنان الصادق الذي يرفض ركوب الموجة. 3. الجانب المضيء: "الصدق" كفعل مقاومة: رغم ذلك، أرى أن العصر الرقمي منح الفنان الصادق "خيار العزلة العلنية"، وبإمكان الفنان الآن أن يبني "مجتمعه الخاص" من المتلقين الذين يشبهونه، دون الحاجة لتقديم تنازلات لمؤسسات الفن الرسمية، ولا لجمهور المصفقين عبر الشاشات الافتراضية. عشرات الفنانين والادباء لهم منصاتهم الرقمية الخاصة وبفعل ثباتهم تحولت إلى منابر تاريخية لإنتاج ما يستحق التاريخ، يقول الشاعر صلاح فائق، إن "الفيسبك" هو مكتبته الخاصة. الصدق هنا يظهر كفعل مقاومة؛ الفنان الذي يصر على تقديم رؤيته "القلقة فوق الهاوية" في عالم يطالب بالكمال والسرعة، هو فنان يمتلك شجاعة استثنائية. الرقمية هنا تعمل كـ "غربال" قارس؛ فالعمل الذي ينجح في استيقاف عابر سبيل رقمي ليتأمله، لا بد أن يمتلك "مغناطيسية" صدق حقيقية.
الصدق الفني في العصر الرقمي أصبح "بطولة". لقد أصبح من الصعب على الصدق أن يتنفس لأن "الأكسجين" (الانتباه) مُصادر لصالح الأعمال "المثيرة للجدل" نفعياً، لا وجودياً. لكن، وفي الوقت ذاته، أرى أن الوسيط النقدي التقليدي (الذي كان يمارس الوصاية) قد انكسرت هيبته، وهذا يمنح "الرؤيا" الصادقة فرصة لتصل كصدمة مباشرة من قلب الفنان إلى قلب المتلقي. الفنان الصادق اليوم هو من يستخدم الرقمية كـ "نافذة" فقط، لا كـ "مرآة" يرى فيها انعكاس رغبات الجمهور ليقلدها. القيمة الحقيقية ستظل للأعمال التي تحمل "رائحة الإنسان" وتلعثمه، في مواجهة أعمال تفتقر للروح واليقين والشك. وباختصار: العصر الرقمي جعل الصدق "نادراً"، وبما أنه نادر، فقد أصبحت قيمته الوجودية والفلسفية أعلى من أي وقت مضى. إن الصمود المادي للفنان الصادق في ظل "دساتير السوق" التي ذكرتُها هو التحدي الأكبر؛ فالسوق بطبعه يميل إلى "الصيغ المألوفة" لأنها تضمن الربح، بينما الصدق غالباً ما يكون صادماً أو غير مريح، ومع ذلك، فأن الفنان الصادق يمكنه الصمود ليس عبر "مجاراة السوق"، بل عبر "خلق قيمته الخاصة" التي تفرض نفسها في النهاية. اذكر بعض نماذج ونصوص تاريخية وفلسفية تثبت أن الصدق، رغم كلفته الباهظة، هو "الاستثمار" الوحيد الذي لا يبلى: 1. نموذج "بول سيزان": الصدق كقيمة مؤجلة: عاش سيزان معظم حياته في عزلة مادية ونقدية، وكان يُنظر إلى أعماله على أنها "خرقاء" وغير مكتملة وفق معايير زمانه. كان يقول: "أريد أن أدهش باريس بتفاحة". لم يهتم بسوق الهواة ولا بطلبات النقاد، بل ركز على "منطق التجريد" الأولي قبل أن يُسمى كذلك. وبعد وفاته، أصبحت أعماله هي الحجر الأساس للفن الحديث بأكمله، وتجاوزت قيمتها المادية كل أقرانه الذين كانوا يبيعون "الصيغ الجاهزة". يقول في إحدى رسائله: "على الفنان أن ينمي إدراكه الخاص، وألا يثق إلا بالطبيعة وبإحساسه الشخصي.. السوق يطلب صوراً، أما أنا فأبحث عن الحقيقة". 2. نموذج "مارك روثكو": الفن كـ "تجربة" لا كـ "سلعة": روثكو، أحد أعمدة التجريد، وصل إلى مرحلة من الشهرة جعلت "سوق الهواة" يتهافت على لوحاته بأسعار خرافية. عندما طُلب منه رسم لوحات لمطعم فاخر (Four Seasons) مقابل مبلغ ضخم، رسم لوحات قاتمة ومقبضة للنفس، عمداً، ثم أعاد المال ورفض التسليم لأنه شعر أن زبائن المطعم سيتناولون الطعام دون "الاهتزاز" أمام فنه، وأثبت أن الفنان الصادق هو من يملك "سلطة الرفض"، وأكد أن لوحته "موقف وجودي" وليست "ديكوراً" للمطاعم. عشرات الأسئلة تنبثق من قاع الضرورة ونحن نحفر بحثاً عن إجابات صادقة واضحة: هل أن "سوق الفن" اليوم قادر على استيعاب فنان يرفض تماماً تقديم أي "تنازلات" جمالية، أم أن الحل الوسط أصبح شراً لا بد منه للنجاة؟ والإجابة تكمن في مفارقة تاريخية: السوق لا يحترم التنازلات، لكنه يقدس التمرد بعد فوات الأوان. أن "الحل الوسط" في الفن ليس شراً لا بد منه للنجاة، بل هو "موت بطيء للقيمة". السوق قد يمنح الفنان الذي يقدم تنازلات جمالية "عيشاً رغيداً"، لكنه لا يمنحه "خلوداً فنياً" ولا حتى "سلطة سعرية" مستدامة. الفنان الذي يرفض التنازلات تماماً هو الذي يحدد شروط اللعبة في النهاية، لأنه يقدم "عملة فريدة" غير قابلة للتزوير. اليوم، وبفضل الوسائل الرقمية، نشأ ما يسمى بـ "جامع المقتنيات المتخصص". الفنان الصادق لم يعد بحاجة لإقناع "المليونير التقليدي"؛ بل يمكنه العيش من خلال فئة قليلة من الهواة الذين يبحثون عن "الأصالة" في عالم يغرق في النسخ المكررة، فالصمود المادي للفنان الصادق هو "صراع إرادات". السوق يحاول "تدجين" الفنان وتحويل موقفه الوجودي إلى "صيغة" والفنان يحاول "اختراق" السوق بصدقه. أعتقد أن الفنان الذي يمتلك "نفساً طويلاً" ويبقى "قلقا فوق الهاوية" بصدق، سيجد في النهاية من يشتري هذا الاهتزاز، لأن الإنسان —بطبعه— يملّ من "الثبات الزائف" ويبحث دائماً عن "الحقيقة" التي تلمس جرحه الوجودي. في القرن التاسع عشر، كانت "الأكاديمية" في فرنسا هي المتحكم الوحيد في سوق الفن، وكان الفنانون يقدمون تنازلات هائلة في اختيار المواضيع (ميثولوجية، تاريخية) والتقنية (النعومة والوضوح) ليُقبلوا في "الصالون الرسمي". والحال أن إدوار مانيه رفض تقديم أي تنازل في لوحته "غداء على العشب "وكانت صادمة في موضوعها وتقنيتها المسطحة التي ترفض قوانين المنظور التقليدي. والنتيجة: رُفضت اللوحة، وتعرّض لسخرية مريرة. لكن هذا الرفض الصارم للتنازلات هو الذي أسس "صالون المرفوضين" الذي كان الشرارة الأولى للانطباعية والحداثة. اليوم، لوحات الذين قدموا "حلولاً وسطى" في ذلك الزمان تملأ أقبية المتاحف ولا يذكر أسماءهم أحد، بينما تُباع أعمال مانيه بالمئات من الملايين. العناد الجمالي كان هو الاستثمار الرابح على المدى الطويل. الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو، في كتابه "النظرية الجمالية" (Aesthetic Theory)، يجادل بأن الفن يفقد صفته كـ "فن" بمجرد أن يحاول التكيف مع متطلبات السوق. ويرى أن "الفن هو البديل الحقيقي للوجود المعاصر فقط عندما يكون غير متوافق معه". فالحل الوسط يجعل الفن "سلعة استهلاكية" تشبه أي منتج آخر. السوق اليوم قد يستوعب الفنان الرافض للتنازلات، ليس لأنه يحب فنه بالضرورة، بل لأن السوق يوفر دائماً فرصة ظهور "الأصالة" كبضاعة نادرة. الفنان الذي لا يتنازل يبيع "موقفاً"، والمقتني الحقيقي الذكي يشتري الموقف قبل اللون... وإلا كيف امتلأت متاحف الفن بكنوز الفن؟ كان جياكوميتي مهووساً برسم ونحت الوجوه كما "يراها" هو، لا كما يتوقعها الآخرون. كان يظل يعمل على منحوتة واحدة لسنوات، حتى تتآكل وتصبح خيطاً رفيعاً (أرقامه المشهورة)، وكان يُعرض عليه مبالغ طائلة لإنهاء الأعمال أو تضخيمها، لكنه كان يرفض ويستمر في نحتها حتى تكاد تختفي، مدفوعاً بـ "ضرورة داخلية" (بمصطلح كاندينسكي). وقد تم استيعاب فنه لأن "عناده الجمالي" خلق لغة بصرية لم يجرؤ أحد على محاكاتها. الحل الوسط هو "نجاة بيولوجية" (تأكل وتشرب)، لكن الرفض التام للتنازلات هو "نجاة تاريخية" (تبقى وتؤثر). وكما قلنا: "الحقيقي هو أن تقدم نفسك بموقف واضح... حتى الذين يثقون بثبات أقدامهم ينحون إلى أسفل توخياً الحذر". ولكن هل "العناد الجمالي" يحتاج إلى "اكتفاء" لكي يمارس الفنان فنه من غير اكراه؟ هذا السؤال يضعنا أمام مواجهة مباشرة مع "رومانسية الفقر" في الفن مقابل "واقعية السوق". أعتقد أن "العناد الجمالي" لا يحتاج إلى ثروة مسبقة لكي يُمارس، لكنه يحتاج إلى "استغناء"؛ والفرق بين الفقر والاستغناء جوهري. الفقر قد يكون قيداً، أما الاستغناء فهو موقف وجودي يحرر الرؤية. تاريخياً واجتماعياً، أرى أن "الفقر" كان "مختبراً" للصدق، لكن التحولات الاجتماعية المعاصرة جعلت من "الاستقرار المادي" وسيلة لحماية الاستقلال الجمالي. ولدينا في "بوهيمية" القرن التاسع عشر مثالاً جميلا، حيث نشأت في باريس القرن التاسع عشر، طبقة من الفنانين الذين اختاروا الفقر طواعية (أو فُرض عليهم) كجزء من هويتهم الثورية ضد "البورجوازية": أميديو موديلياني. عاش في فقر مدقع، وكان يبيع لوحاته مقابل وجبة طعام، ورفض تماماً تغيير أسلوبه في إطالة الوجوه والأعناق ليرضي ذائقة المشتري. فقر موديلياني لم يكن "حاجة" فقط، بل كان "دفاعاً" عن كونه غريباً عن النظام الاجتماعي السائد؛ فهو إيطالي بوهيمي مهاجر إلى باريس، التي كانت تعج بالفنانين الأكثر ثورية في تاريخ الفن الحديث. قالها فولتير : "الفنون الجميلة تزدهر في الرخاء، لكن الفن العظيم يولد في المعاناة". على المقلب الآخر، نجد أن الثروة قد تكون "حامية" للصدق، وليست مفسدة له بالضرورة، إذا استخدمها الفنان لشراء حريته، فلولا الثروة التي ورثها عن والده المصرفي لما استطاع "بول سيزان" قضاء عقود في ريف فرنسا يرسم "التفاح" والجبال بعيداً عن ضجيج النقاد في باريس. ثروته سمحت له بأن يكون "عنيداً" لدرجة لا يجرؤ عليها الفقير الذي يطارده الجوع. هنا نرى أن الثروة قد تتحول إلى "خندق" يحتمي فيه الفنان ليحافظ على صدقه بعيداً عن إغراءات "التنازلات" التي يفرضها السوق السريع. وكذلك حدث الامر بصيغة أخرى في حياة فان جوخ، وكارل ماركس الذي تبناه فردريك انجلز مثل يتيم. في العالم المعاصر، تغيرت بنية الطبقات الاجتماعية، وتغيرت معها علاقة الفنان بالمال، فاليوم، مع غلاء المعيشة الفاحش في المدن الكبرى (لندن، نيويورك، برلين)، أصبح "الفقر" عائقاً حقيقياً يمنع الفنان من امتلاك "مرسم" أو "وقت" للتأمل. هذا أدى إلى بروز ظاهرة "فنان الطبقة الوسطى" الذي يمتلك وظيفة نهارية ليصرف على "عناده الجمالي" ليلاً. في سوسيولوجيا الفن يطرح "بيير بورديو" مفهوم "رأس المال الرمزي". الفنان اليوم قد يضحي بـ "رأس المال المادي" (المال) في سبيل اكتساب "رأس مال رمزي" (الاعتراف بالصدق والتفرد). الصدق هنا يصبح "عملة" اجتماعية. في ظل التحول نحو الرأسمالية المتوحشة، أصبح الفن "أصلاً مالياً"، فما حدث ل فرانسيس بيكون، الذي لم يكن ثرياً في البداية، لكنه كان يقامر بكل ما يملك. صدقه كان يكمن في تصوير "بشاعة الإنسان" وصرخته الوجودية، في وقت كان العالم يريد فن المصالحات. أن التحولات الاجتماعية في العالم (مثل اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء) جعلت الفن الصادق يميل إلى إحدى كفتين: إما فنان "محمي" بثروة تمنحه حق الجنون، أو فنان "متمرد" بالكامل لا يملك ما يخسره، فصار فقره هو "حصان طروادة" الذي يخترق به حصون السوق. أعتقد أن الفقر لم يعد "وقوداً" كافياً في عالمنا الرقمي والمادي المعقد؛ بل قد يصبح "قيداً" يجبر الفنان على السقوط في فخ "التنازلات" ليؤمن ثمن الخبز. الصدق الحقيقي اليوم يتطلب "شجاعة طبقية"؛ أي قدرة الفنان على تعريف نفسه خارج منظومة "الاستهلاك". سواء كان غنياً أو فقيراً، الصدق يكمن في قدرة الفنان على القول: "لوحتي ليست سلعة، بل هي موقف"، كما قلنا: "موقف في المعنى الوجودي ينطوي على صيغة مفهومة...". في العالم العربي تحديداً، أرى أن التحولات الاجتماعية جعلت الفنان "رهينة" للمؤسسات الرسمية أو الجوائز، مما جعل "العناد الجمالي" نادراً جداً، لأنه يتطلب انفصالاً عن "القبيلة الفنية" السائدة. أن "المؤسسات الثقافية" (المتاحف، الوزارات) هي التي تخنق هذا العناد الجمالي عبر محاولة "تنميط" الصدق الفني داخل جوائز ومهرجانات محددة. وغالباً ما تلعب دور "المروض" وليس "الراعي". فهي تحول "العناد الجمالي" من صرخة وجودية إلى "منتج مدجن" يتناسب مع الخطاب الرسمي أو التوجهات السياسية والاجتماعية السائدة. المشكلة تكمن في أن هذه المؤسسات تمنح الاعتراف (الجوائز، المهرجانات) بناءً على "الولاء للصيغة" لا "صدق الرؤية". في العديد من مجتمعاتنا، تُستخدم الجوائز والمهرجانات لخلق ما يمكن تسميته بـ "الفن الإيجابي" أو "الفن الذي لا يثير المتاعب". في فترات معينة من تاريخ الفن العربي المعاصر، كانت المؤسسات تدعم "الفن القومي" التي تخدم فكرة الدولة. الفنان الذي كان يرفض هذا التنميط ويتجه نحو "التجريد الوجودي" أو "السريالية الصادمة" كان يُتهم بالانعزالية أو "تغريب الفن". في السبعينات من القرن الماضي نشر "عادل كامل" اكثر من مقال عن "علم الجمال البعثي" نظّر فيها لفن قومي يضع الفن في "قلب المعركة". يقول إدوارد سعيد في كتابه "المثقف والسلطة": "إن المؤسسات تسعى دائماً لتحويل المبدع إلى خبير أو موظف ضمن منظومتها، والمثقف الحقيقي هو الذي يقاوم هذا التحول ليظل هاوياً مخلصاً لقلقه الخاص". هذا "القلق الخاص" هو ما نسميه "العناد الجمالي"، وهو أول ما يتم التضحية به في أروقة الوزارات. في مجتمعات "العالم الثالث"، غالباً ما تُقام المهرجانات الكبرى لتسويق صورة "التحضر" للخارج. هنا، يُطلب من الفنان أن يكون "ممثلاً لثقافته" بدلاً من أن يكون "ممثلاً لنفسه". فنانو "الحروفية" في العالم العربي، ورغم أصالة هذا الاتجاه لدى الرواد، إلا أن المؤسسات الثقافية "نمطته" وحولته إلى "كليشيه" يُمنح الجوائز لأنه "يعبر عن الهوية" بشكل آمن وسياحي، مما خنق المحاولات التجديدية التي كانت تحاول استخدام الحرف كـ "موقف وجودي" لا كـ "زخرفة". يرى الناقد التشكيلي شربل داغر أن المؤسسات الثقافية العربية ساهمت في خلق "فن الصالونات الرسمية" الذي يفتقر للحرارة الإبداعية، لأنه فن يُصنع "ليُرضي" لجان التحكيم، لا "ليزلزل" القناعات، والجوائز الكبرى غالباً ما تضع معايير مسبقة. عندما يضبط الفنان ريشته على مقاس "المعيار" ليفوز بالجائزة، فإنه يمارس "الرقابة الذاتية". كان ناجي العلي نموذجا صارخا للفنان الذي رفض "التنميط" المؤسساتي. لم يكن ينتمي لأي وزارة أو مؤسسة رسمية، وظل "عناده الجمالي والسياسي" هو وقوده الوحيد. دفع حياته ثمناً لهذا الصدق، لأنه رفض أن يتحول كاريكاتيره إلى "أداة" في يد أي نظام أو منظمة. أرى أن المؤسسات الثقافية في منطقتنا تمارس "خنقاً ناعماً"؛ فهي لا تمنعك من الرسم، لكنها "تهمشك" إذا لم تكن ضمن "قطيع الصيغ المألوفة". الفنان الصادق هو الذي يدرك أن "الجائزة" قد تكون فخاً، وأن "المتحف الرسمي" قد يكون مقبرة للعمل الحي. والحل يكمن في خلق "فضاءات بديلة". التحول الاجتماعي الذي نعيشه الآن عبر الإنترنت بدأ بكسر احتكار الوزارات للمعنى، مما سمح لـ "العناد الجمالي" بأن يجد صدى خارج القنوات الرسمية. إن المؤسسة تبحث عن "الحقيقة الراسخة" التي تخدم استقرارها، بينما الفنان الصادق يبحث عن "الحقيقة القلقة" التي تزلزل هذا الاستقرار. وكما ورد: "ليس من المنطق أن تجادل الآخر في لماذا يحب.. أليس مقنعاً أنه يرى ويفكر ويحب بهذه الطريقة؟". المؤسسة، للأسف، لا ترى ذلك مقنعاً، فهي تريد من الجميع أن يرى ويفكر ويحب "بطريقة موحدة". أن "التمويل الأجنبي" للفنون في العالم الثالث هو "تنميط" من نوع آخر يخدم أجندات مختلفة؛ فما يُطرح كـ "طوق نجاة" غالباً ما يتحول إلى "قفص ذهبي". التمويل الأجنبي في العالم الثالث ليس مجرد دعم مادي، بل هو عملية "هندسة ثقافية" خفية. هو لا يخبر الفنان "ماذا" يرسم، بل يضع "المسطرة" التي يُقاس بها ما هو "مهم" وما هو "هامشي". التمويل الأجنبي (خاصة من المنظمات والمانحين الدوليين) يميل إلى دعم الفنون التي تخدم "الأجندات التنموية". هنا، يُدفع الفنان —بدافع الحاجة المادية— نحو "تنميط أزمته". وتحول الكثير من الفنانين في مناطق النزاع في الشرق الأوسط إلى إنتاج أعمال تتمحور حصراً حول "اللجوء"، "الحرب"، أو "المرأة المقهورة". ليس لأن هذه القضايا ليست صادقة، بل لأن الممول "يتوقع" هذه الصورة. يضع الفيلسوف الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" أساساً لفهم كيف يرى الغرب الشرق. في العصر الحالي، تحول هذا إلى "استشراق ذاتي" يغذيه التمويل. ويرى سعيد أن الغرب خلق صورة "نمطية" للشرق، واليوم، التمويل الأجنبي يشجع فنان العالم الثالث على أن يعيد إنتاج هذه الصورة النمطية ليرضي "المخيلة الغربية" مقابل الحصول على الدعم. نجد أن المهرجانات الكبرى (كان، برلين، بينالي فينيسيا) تمنح جوائزها لأعمال من العالم الثالث غالباً ما تؤكد "البؤس" أو "الغرائبية"، مما يخنق الفن الذي يحاول البحث في "الجماليات الصرفة"، التي لا ترتبط بجغرافيا البؤس. يرى الفيلسوف جاي ديبور في كتابه "مجتمع الاستعراض" أن الرأسمالية تحول كل موقف أصيل إلى "استعراض". التمويل الأجنبي يحول "العناد الجمالي" إلى "بضاعة ثقافية". فبدلاً من أن يكون الفن موقفاً ثورياً أو وجودياً، يصبح "مشروعاً" له تاريخ بداية ونهاية، وأهداف قابلة للقياس، وتقرير نهائي. هذا المنطق "البيروقراطي" يقتل روح المغامرة في الفن. ما أضيفه هنا هو أن التمويل الأجنبي خلق "طبقة فنية معزولة" في العالم الثالث؛ فنانون يتحدثون لغة "المانحين"، يسكنون في "صالونات" النخبة، لكنهم منفصلون تماماً عن نبض الشارع أو "الحقيقة الراسخة" لجمهورهم المحلي. هذا التمويل جعل "العناد" يتجه نحو "ما يرضي الممول" بدلاً من أن يكون عناداً نابعاً من "الداخل"، طوق النجاة الحقيقي: ليس في المال الخارجي، بل في خلق "سوق محلي واعي" أو "اقتصاد بديل" يعتمد على الجمهور المباشر، وهو ما بدأ يحدث فعلاً عبر المنصات الرقمية التي تتيح للفنان بيع أعماله مباشرة لجمهوره دون وسيط "مانح" أو "مؤسساتي". أرى أن الصمود أمام "إغراء الدولار" في بيئة اقتصادية منهارة ليس مجرد خيار فني، بل هو "جهاد وجودي". الفنان في بلادنا اليوم يواجه معضلة أخلاقية ومادية: هل يقبل أن يكون "مُخبراً ثقافياً" يصور بؤس بلاده مقابل النجاة الشخصية، أم يختار "الرهبنة" التي قد تعني اندثاره جسدياً وفنياً؟ إن النجاة ممكنة دون السقوط في الفخ، لكنها تتطلب نوعاً من "الذكاء الراديكالي"؛ أي القدرة على استخدام الموارد المتاحة دون التنازل عن "جوهر الرؤية". الفنان الصادق اليوم يحتاج إلى ما أسميه "الاستقلال المعيشي". لكيلا يبيع ريشته للممول، عليه أن يقلل من "ارتهانه" للمال. يقول المخرج الروسي تاركوفسكي: "الفنان لا يملك حق العيش كعامة الناس.. عليه أن يضحي بجزء من رفاهيته ليحافظ على نقاء رؤيته". هذه "الرهبنة" في بلادنا هي "فلترة" طبيعية. الفنان الذي يصمد هو الذي يمتلك "قضية" تفوق رغبته في امتلاك "سيارة فارهة" أو "السفر للمهرجانات". الصمود أمام إغراء الدولار ممكن، ولكنه "مكلف". وهو يحتاج إلى فنان يمتلك "حرفة" يعيش منها (مهندس، مصمم، مدرس) ليبقى فنه "منطقة محرمة" لا تدخلها الخصخصة الثقافية. يحتاج إلى فنان يدرك أن "الاعتراف المحلي" من قلوب الناس أطول عمراً من "التصفيق" في قاعات عرض باريس أو نيويورك، او دول الخليج. الصدق في بلادنا أصبح نوعاً من "التصوف المدني"؛ حيث يرسم الفنان "لأنه يرى"، لا "لأنه يُطلب منه أن يرينا ما نحب رؤيته". وكما قلنا: "الحقيقي هو أن تقدم نفسك بموقف واضح وحتى وإن كنت تهتز وغير متوازن فوق هاوية". الرهبنة هي تلك الهاوية، والصدق هو تلك الرعشة التي تسبق السقوط أو الطيران.
#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عشر وصايا في الرسم
-
قصص مجهرية
-
سركون بولص يضاعف انتباهنا
-
بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها
المزيد.....
-
طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و
...
-
السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة
...
-
بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا
...
-
طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري
...
-
ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك
...
-
-سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش
...
-
الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي
...
-
أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي
...
-
تحت ظل الشيخوخة
-
قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق
...
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|