|
|
تمائم الشيخ
يحيى الشيخ
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 13:39
المحور:
الادب والفن
(خلاصات في قصيدة يحيى الشيخ "التمائم الوثنية"*)
____________________ إبراهيم عبد ربه ______________________
كما تدور أغلب نصوص يحيى الشيخ في مدار الفلسفة الغنوصية المشوبة برواقية شرقية لم تتخلص من جذورها الهيلينية، تتحرك هذه (الملحمة) أيضاً، فهو بوعي جلي يمزج فيها جماليات ثلاثة مصادر: جماليات الأفكار الغنوصية والفلسفة الرواقية وعناصر الأسطورة الرافدينية البابليّة، لتتشكّل القصيدة بوصفها "ملحمة شرقية" تطرح جدلية الوجود والعدم، في كفتي ميزان الانتماء الجذري والاغتراب. تبدأ القصيدة/الملحمة بوضوح النية من عنوانها "التمائم الوثنية" كعتبة إيحائية تحيل فورًا إلى وعي أنطولوجي قديم؛ فالتميمة في جوهرها الأنثروبولوجي هي حيل السحرة والكهنة الأوائل لترويض قوى الطبيعة وتثبيت الكينونة الإنسانية ضد الفناء، ووصفها بالـ "وثنية" يعيد الاعتبار إلى حيوية الأرض وبكارتها البدائية، بعيدًا عن لاهوت الميتافيزيقا المنفصلة عن العالم. يفتتح الشاعر قصيدته بإعلان "غياب القصيدة"، ورغبتها للمغادرة، والانتقال من حالة "القول اللفظي" إلى "الكينونة المتجذرة" في المادة الصوفية: (آنَ للقصيدة أن تغادر، وحانَ للوثني الصلاة كي يشهد غيابها)، ويظهر الأثر الفلسفي فيها عبر مستويين رئيسين، يتنازعان وعي الشاعر: أ. الرواقية وحكمة التسليم تتبنى القصيدة بوضوح فلسفة الرواقية الإغريقية، وتحديدًا مبدأ "الانسجام مع الطبيعة"، وكأنها واحدة من "التأملات" لماركوس أوريليوس، فالشاعر هنا يعلن تصالحه المطلق مع تحولات الغابة وتقلباتها الموسمية: ( وكل ما يلائمك؛ يلائمني... شتاؤك القطبي، وربيعك قصير العمر، وصيفك الماطر، وخريفك الأحدب). هذا القبول هو ارتقاء بنظام الفضيلة العقلية الرواقية التي ترى في العالم جسدًا واحدًا متكاملًا، حيث الأجزاء كلها تخدم الكل: ( أنتِ مثل رواقي يحمل الرؤيا؛ تنفرين من الاسراف). وتتجلى قمة العقل الرواقي في قوله: ( فمن أين يأتي الخطأ وفضيلتنا الفهم الواضح؟) حيث المعرفة الواضحة بالطبيعة هي التي تقود إلى السكينة النفسية والحرية الذاتية الكامنة في الوعي: ( لا حرية إن لم تكن فيَّ، مثل كمون العقل في العاقل). ب. الغربة الغنوصية وسجن الجسد بالمقابل، تنفلت القصيدة نحو تيار صوفي غنوصي حاد، يرى في الوجود المادي أرضًا للمنفى والاغتراب. الشاعر يصف نفسه بـ"الغريب المشّاء"، ويعود ليشير إلى أصله المتعالي عن هذا العالم متخفيا في جلباب كاهن مندائي يقرأ في "كنزا ربا": ( فأنت لم تكن من هنا وجذرك ليس من هذا العالم، أنت نزيل غربتك مذ كنت وحيداً ومنفرداً). الجسد في هذه المقاربة يتحول إلى سجن للروح، أو كما يسميه الشاعر بتعبير جمالي مكثف: "تابوته اللحمي - صناعة المجهول". هذا التأرجح بين التسليم الرواقي للأرض وبين التوق الغنوصي للانعتاق من أسر المادة، يخلق توترًا دراميًا خلاقًا يدفع بحركة القصيدة نحو الأمام كما هي الحياة: سجن وانعتاق. تتكئ لغة الشاعر على عمق أسطوري وتاريخي موغل في القدم، لغة نقية لم تصدأ، مستدعيًا الرموز الرافدينية الكبرى (السومرية والبابلية)، ليعيد تمثيل طقوس الخصب والموت والولادة بوضوح في فضاءات ميثولوجية محددة: (خلف هذا الجبل الناقع بالثلج وكأنه شيخ مندائي يغتسل، غايات بابلية دفينة تحت العتبة... أنا ابنك مهما تقيأت الأسود البابلية لحمي المرّ). الارتماء في حضن الطقس المندائي (التعميد بالماء الجاري) يمثل رغبة الشاعر في التطهر والعودة إلى البدايات الأولى، حيث (المياه تلثغ بأسمائي). أما الأسود البابلية واللوائح الطينية وقراءة الممحي، فهي استرجاع لصورة الإنسان الأول (كلكامش أو أديبا) الذي يسعى لكشف الخرافات ومواجهة الفناء من خلال التدوين والكتابة. يحفل النص بإشارات إلى ثنائية الماء والبحر التي تذكرنا بأسطورة الخلق البابلية (الإينوما إيليش)، حيث كان "الغمر" الأول أساس كل شيء: (بحر لم يروّض، يذكّرنا بكلمة الخلق الأولى). (مسكن غير موجود على الأرض - ذاب في الغمر). الماء في النص هو دلالة على المعجزة الكونية المرتدة إلى الداخل، إلى مجاري الدم: (نسغ الحياة الصاعد ضد الجاذبية).
تنبثق جمالية القصيدة من قدرتها العالية على صهر المشهد الطبيعي الحسي داخل رؤى تجريدية بالغة النقاء، معتمدة على آليات تفكيكية توفرها لغة ايحائية غنية بدلالتها، تحيل غير الممكن إلى ممكن؛ إذ تتحول الغابة من مجرد فضاء بيئي إلى ذات حية، واعية، ومفكرة: الأوراق تُنسج بالظنون، والأشجار تخبئ الأسرار، والنهر يُوصَف بالمراوغ والمتحذلق والوسيط المريب. هذا التشخيص الكوني يمنح الأشياء الصامتة صوتًا، ويجعل الكائنات كلها (من ديدان ونمل وقنافذ) رعية للكاهن/الشاعر، مما يذيب الفواصل بين الذات الإنسانية وموضوعها الطبيعي.
تتحرك اللغة جماليًا عبر توليد مفارقات ثنائية تحرك بركة المعنى الرواقي: • الحرية والكمون: الحرية لا تتحقق بالانفلات، بل بالكمون داخل الذات، تمامًا كالعقل. • الوضوح والغموض: الشاعر الواضح المشّاء يقترب من الغامض الكامن؛ والعدم يلد العدم وينكره، والعلة تخلق ذاتها وتنفيها. هذه الجدلية تعكس حركة الفكر الفينومينولوجي الذي يرى الوجود في حالة صيرورة مستمرة لا تستقر على حال.
تفصح القصيدة عن وعي جمالي حاد بطبيعة الأداة اللغوية، حيث يطالب الشاعر ذاته بتحرير لغته: ( آن لك أن تحرر لغتك من الرمزية والبلاغة المجازية المباشرة، ما ثمَّ مجاز أصلاً، الكلُّ حقيقةٌ ). هذه العبارة تمثل تحولاً جماليًا خطيرًا؛ فالقصيدة تريد أن تتجاوز "المجاز" بوصفه زينة لفظية أو كذبًا فنيًا، لتصل إلى "الحقيقة العارية" للأشياء. اللغة هنا لا تنوب عن الحياة، بل "ترنو إليها" وتحترق في سبيلها، كالحطب الذي يتأكد وجوده بالاحتراق والتسامي دخانًا ورعًا.
تكتمل الدائرة الجمالية للقصيدة حين تعود في مقطعها الأخير إلى نقطة البدء: ( اُترك قلمي ينقش لوحده... آن لهذه القصيدة أنّ تغادر، وحان للوثني الصلاة كي يشهد غيابه). هذه الدائرية البنائية تعزز فكرة "العود الأبدي" الفلسفية؛ فالقصيدة تنتهي لتبدأ الكينونة، والشاعر الذي أعلن نفسه كاهنًا منذ البدء، يختتم رحلته بالصلاة لغياب الكلمات، لأن الحقيقة النهائية لا تقال، بل تُعاش في صمت الغابة وفي اندماج الذات الكلي بالعدم والوجود معًا. إنه نص من طراز رفيع، ينهض على أنقاض الحكمة البائدة ليتوه في "التيه الخلاّق" المصنوع من الذاكرة والمصير.
تحمل لغة هذه القصيدة في نسيجها البنائي والتركيبـي صدىً أسلوبيًّا وروحـيًّا غائـرًا يرتدّ مباشرة إلى أدبيات الملاحم والترانيم الرافدينية القديمة (السومرية والبابلية)، وتحديدًا "ملحمة كلكامش" و"ترانيم إنخيدوانا" و"قصيدة الفلاح الشقي (لوغال أديرا)". كما تتميز بـ"الفخامة البدائية"؛ فهي لغة جزلة لكنها ليست معجمية جافة، بل تكتسب قوتها من حقيقية وبساطة العناصر التي تسميها (الحجر، الطين، النهر، الطائر، الجبل). ويمكن رصد أبرز سماتها اللغوية في النقاط التالية: • البناء التكراري والترتيل الكهنوتي: تعتمد القصيدة على الجمل القصيرة المتعاقبة التي تبدأ بأدوات التعميم أو التتابع (كل...، تأتي...، لا...)، وهو الأسلوب الحاضر في التراتيل البابلية القديمة لتقديم القرابين وتوصيف الآلهة. هذا التكرار يمنح النص إيقاعًا داخليًّا يشبه الـ(Chant) أو التعزيم السحري. • اللغة الشيئية (المادية): لا تغرق اللغة في التجريد الرومانسي، بل تظل ملتصقة بالأرض. الأفكار هنا تتحول إلى أشياء ملموسة ( الحكمة البالية ذاتها، التي سوّقها الأول)، ( تابوته اللحمي)، (نخاع الحاضر) هذه النزعة المادية تجعل من اللغة أداة لحفر الوجود لا لمجرد وصفه، إنما لرسمه بمنقاش حاد. • التطهير من البلاغة الفائضة: يمارس النص وعيًا نقديًّا ذاتيًّا تجاه لغته، فالشاعر يدعو نفسه صراحةً إلى الكف عن الاستعارات البعيدة: ( آن لك أن تحرر لغتك من الرمزية والبلاغة المجازية المباشرة). اللغة هنا تريد أن تكون "هي الشيء ذاته"، لا قناعًا للشي، لا توصيفًا. عند وضع هذه القصيدة في مواجهة النصوص والملاحم الرافدينية، نكتشف تناصًّا بنيويًّا ومفهوميًّا عميقًا يتجلى في محاور رئيسية: أولاً في ملحمة كلكامش، تمثل "غابة الأرز" مكان الغموض البكر، والوحشية النبيلة، وموطن الآلهة، بينما تمثل "أوروك" مدينة الأسوار والحضارة والخوف من الموت حيث ينحاز الشاعر بالكامل إلى فضاء الغابة البدئي على حساب المدينة: (كل شيء يأتي منك، أيتها الغابة ... حيواناتك غير المدجّنة، التي تنتمي لغرائزها النبيلة) هذا الانحياز هو استعادة لروح "أنكيدو" قبل ترويضه، حيث تكون الغريزة نبيلة، وحيث يتوحد الإنسان بالحيوان والطبيعة بسلام كوني يسبق وعي المأساة البشري. وثانياً في المأثورات البابلية، يعيش الحكيم أو الكاهن أزمة اغتراب مأساوية ناتجة عن "المعرفة الزائدة". الشاعر في النص يعلن بوضوح: ( أنا كاهن معبدك مهما جنحت الخطى بعيداً عن مذبحك... الذي نقش لوائح الطين في الهاجرة، وقرأ الممحيّ منها وحقق الخرافات). هذا المقطع احالة مباشرة إلى شخصية "أوتا-نابشتيم" (نوح البابلي) أو الحكيم "أدابا" الذي نال الحكمة وحُرم من الخلود. لغة القصيدة هنا تتماثَل مع لغة الألواح الطينية المفجوعة بوعي الفناء: ( الالتحاق بهذا العالم بقلبٍ مُوجَعٍ وجَفنةٍ مهجورةٍ... نهاجر اخيراً بكومة عظام وحكمة بائدة". تستدعي القصيدة واحدة من أقسى الصور الملحمية والتاريخية للرافدين: ( أرأيتم الفرات يصطبغ بحبر الكتب؛ بكى!... وحين تلون بدماء الرجال؛ غاض!). هذه الصورة تختزل التاريخ التراجيدي للبلاد الكائنة بين نهرين؛ حيث "الحبر" (المعرفة/الكتب التي أُلقيت في النهر إبان الغزوات) و"الدم" (الحروب الابدية) هما اللذان شكّلا هوية النهر. إنه التناص مع فكرة النهر ككائن حي يشعر، يبكي، ويغيض، وهي فكرة ميثولوجية رافدينية أصيلة ترى في دجلة والفرات عروقًا دموية لجسد الأرض العظيم. إن لغة هذه القصيدة هي "لغة استعادية" بالمعنى الأنثروبولوجي؛ ترفض بوعيٍ الزخرف البلاغي الحديث المتكلف لتستعير نبرة الطين الأول، أنها لغة خام نجح الشاعر في جعلها تبدو وكأنها "مترجمة عن لوح بابلي مكسور"، مستفيدًا من تكرار التراتيل، وقسوة المفردات المادية، وجلال العبارات الختامية، ليعيد صياغة مأساة الإنسان الرافديني القديم (الغرابة، السعي وراء الخلود، مواجهة الأقدار) في قوالب شعرية حديثة شديدة الحساسية والجمال. ________________ • انجز الفنان/ الشاعر يحيى الشيخ مخطوطة يدوية للقصيدة على ست وأربعين صفحة، ترافقها رسومات نفذت بالطباعة اليدوية (مونوتايب) على ورق 250 غ، قياس 40/30 سم. عام 2022، ويمكن الاطلاع على المخطوطة في صفحته على الفيسبك : https://www.facebook.com/photo/?fbid=766068237891706&set=pcb.766073107891219
التمائم الوثنية آنَ للقصيدة أن تغادر، وحانَ للوثني الصلاة كي يشهد غيابها! جئتُ أبحث عما لا أراه، وافتقده بقوة! كل شيء يأتي منك، أيتها الغابة؛ في وقته، وما يتأخر عن المجيء، أو لا يأتي أبداً، وكل ما يلائمك؛ يلائمني... لا أقاتل على أرضك المعبودة غير ظلي، وأكنسه حين أغادر. فما يرضيك يرضيني؛ ما كان وما سيكون. شتاؤك القطبي، وربيعك قصير العمر، وصيفك الماطر، وخريفك الأحدب، وكل ما تأتين به، هو ثمرتي، ثديٌ أرضعني وأنا مستسلم للنعاس. حيواناتك غير المدجّنة، التي تنتمي لغرائزها النبيلة، الأوراق في صميم البراعم، وحبات الفطر الخبيئة تحت ترابك، كل ريشة سقطت من جناحها، الحجارة في قاع الجدول أو على هامش الأقدام، البيوض المخصّبة في الأعشاش... كل غصن كسير وقنطرة غشيمة، كل أفق لاذ بأشجارك هرباً من الوحدة، الهضاب التي استلقت خلف الأدغال، وأنا أيضاً، الغريبُ المشّاءُ في شعابك، كلنا فكرة مباركة من أفكارك، فكرة قابلة لعدم أو ندم العيش. ***** أنتِ مثل رواقي يحمل الرؤيا؛ تنفرين من الإسراف. أوراقك نسجتها ظنونك خلافاً لما تضمره الريح، ما من واحدة تطاولت، وليس من غصن قلّد الآخر أو غار منه، مثل جنود في استعراض عسكري يوم التحرير، يتبارون بالقامة الممشوقة ويغالون بروح الفداء... فيضك الباطني الأخضر، ما من نبي عرف سره! صبغة الحناء على جذوعك المتغضنة، والعفن الكركمي، وذرق الحمام المتكلس، أكسبك حرية لا نقيض لها: حرية أن تكوني كما أنتِ، في الكلام وفي الصمتِ! فمن أين يأتي الخطأ وفضيلتنا الفهم الواضح؟ لا حرية إن لم تكن فيَّ، مثل كمون العقل في العاقل، ولأني سأكف يوماً أن أكون، أتركها لزنابقك الثلجية. ****** هشيم الحقول: يقين أرضي بعدالة الكون، فيما الأغصان تجهل أرومتها، تلوذ تحت المطر، والقنافذ في الأكمات، الفطر الأحمر القاتل يغري بالموت، التفسخ في المستنقعات الملفقة، وبخار الميثان، والزغب في الأعشاش التي هوت بلا رحمة، وما فوق الهضاب النائية أيضاً سماءٌ تشوبها الأسرار، جبالٌ حطّت رحالها كيفما شاءت الصِدفُ تفرح بالأقدار، وبحر لم يروّض، يذكّرنا بكلمة الخلق الأولى: كلها رعيتي! فمن قال إنّي كاهن بلا رعية! ***** لا شيء ينقص هذا العالم! نهار، وليل، وقمر يطفو مثل فقاعة، وأنا لا شيء ينقصني؛ معطف من الجوخ السميك، وحذاء مبطن بفرو الأرانب الأليفة، تغطي رأسي حتى الأذنين طاقية صوف، بلونها تماماً يطوقني شال طويل تائه الأطراف، يداي مغلولتان في الأكمام والآلام، أنفاسي تضاعف الضباب... لستُ وحدي يفتقد نفسه ويختفي في أسرارك، الكلمات أيضاً. تتوارى في ممرات الضوء الرطب بين الأشجار، وتختفي خلف دلالاتها الغامضة... وحده النهر في عمق الوادي يخترع طريقه، من مثله، بلا ضغينة يكشف مخابئنا؟ ***** تسقط أشجار القيقب ثمارها بلا حشمة ولا ندم، على ضفاف المياه العمياء المتعثرة، الهادرة بين الصخور المهجورة، مثل حكاية ساذجة لسنين مضت... هناك ندرك جيداً، كم هي ضئيلة أعمارنا، وكيف يكون الشغف ضرورياً، وسماداً لأزهار الربيع القادم. ظلال هجينة تذكّر الأرض بما كانت عليه قبل دهور، فتنبت ما كان يوماً عليها، يُوهمنا بالاعتقاد أن لا شيء جديدٌ، فما نراه اليوم، كان من قبل! هل سمعتم تضليلاً أشد ضلالة من هذا؟ نحن نعرف أن الأزهار تعطي بكارتها، مثل العذارى لمرة واحدة بوخزة فرح مباركة غير قابلة للتكرار. البحيرة في منعطف الوادي راكدة مستسلمة للبعوض والنسيان؛ لا تتذكر الشلال ولا تسمع غير دبيب الديدان في الحقول، فأي شهود يشهدون لنا، حين يتحطم القلب وتضيع المسالك؟ أجَلْ، وكأني لم أكن، سأرحل! ولكن؛ أليس من واجب الأشجار في ساعة الحفل الأخيرة، دعوتي لرقصة في العراء! ويكون من حظي العثرات بجذور السنديان الناتئة كأضلاع تحمي قلباً مسروقاً من صاحبه ! أواه، أيها الحب، الذي اخترت المدى الأبعد، اقترب قليلاً لأبكي على صدرك. ***** أنا نباتي بغريزتي، دمي من إكسير ثمارك الفجة والناضجة، والتي في الجفاف. ألم نشرب معاً من الينابيع ذاتها، وأمطرت علينا السماء رمادها؟ فما الذي يدعوك للنطق بغير لساني، وتصطفين الغريب؟ تذهب كلماتك إلى حنجرة النهر المتسوّل، المتجوّل، مثل نبي بلا عباءة انبثق من جوف حوت! أنتِ لا تتعاطين الصدى، يحشرج الصوت في الأدغال الكثة، حتى يصعب على الترجمة... لا تعرفين الاستثناء! الصدف فيك أكثر وفرة من الحشائش، وليستِ بحاجة للحجج. النشوة البدائية التي تعتريك، تعتريني، يا من تعبدين نفسك بلا كلفة مثل آلهة الإغريق، أيّاً منّا علّة الآخر؟ البردُ القاتل يوحد العالم، حيث يصعب البكاء، تتعلق بلورات الدمع على الأهداب، تسقط قطعاً خزفية على الحجر وتتهشم... فأية كلمات نحرقها لندفئ أصابعنا، ونحيي المزاج الخامل في اللغة؟ **** الضباب المعتم يملأ الكون، وأنا متخم بحقائق باردة من حولي وفي داخلي. ما من شيء في هذا المكان يتنصل عن مسؤوليته في الوجود. إذن، ما نفع التخيّل بلا عدم! أسمع انسحاق الثلج تحت حذائي الجبلي، ومفاصلي، فأمعن في تأكيد الخطوات وسماعها... ليستْ من مأساة أكبر من الاعتراف أمام جبل ينزف شلالات صغيرة، فيما يبدو الاعتراف مثل حصاة يجرفها التيار، حصاة من ماضٍ بعيد يجدر نسيانه... كل اعتراف يضمر نية؛ باطلٌ! إن لم يكن حجراً على قبر يهودي، فيما تواصل الشلالات الفتية سقاية البحر المالح بصبر متوارث. **** تغيبُ خلفيَ الأشجارُ وأنا أغيب خلف الأشجار، أتوشحُ بظلال رقيقة، شبكة عنكبوت توشح سماء عمياء، ولدت للتو بين الأكمات، اختطف الخوف زرقتها... كثير من الكلمات لا نعرف في أي حقل نبذرها حائلة في فمي! خلف هذا الجبل الناقع بالثلج وكأنه شيخ مندائي يغتسل، تكمن بلاد لا أراها؛ لكنها ليست بعيدة؛ أسمع طفلاً يلعب في باحة الدار، ونباح كلاب برية، أشم رائحة حطب حيواني يُحرق بالجوار... أنا كاهن معبدك مهما جنحت الخطى بعيداً عن مذابحك، مهما أنكرت الآلهة أبوّتي، الرسّام الذي زخّرف الباب والمحراب، وحمل سلال الطين وسلالم الطوب، كنس الباحة المختومة حجارتها بالختم الملكي، وبخّر الحيطان بعود الصندل... أنا ابنك مهما تقيأت الأسود البابلية لحمي المرّ، وأكلت الضباع عظام أجدادي... فما زالت المياه تلثغ، كلما لامست الضفاف، بأسمائي، واشتعل العاقول في المواقد... الذي نقش لوائح الطين في الهاجرة، وقرأ الممحيّ منها وحقق الخرافات، أنا الذي عمّ الموت وما مات. ابنك أيتها البلاد العاقّ، الذي بكى في أسرك قبل بلوغ الفطام، عرف دروبك كما تعرفها الكلاب، أيتها البلاد الموشومة بالذباب، العمياء الممسكة بذراعي. أرجوك، أيها الماضي، ارفع يدك عني! ***** لا يشغل النار من يسمع هسيسها ومن يتدفأ، إنما ما يحترق! هكذا تتأكد حقيقة العناصر، وتعلو قيم الجمال النبيل للغرائز، بلا شهود ولا براهين يتسامى الدخان بورع شديد، كل كائن هنا مسؤول عن كونه مهجوراً، وتكفيه الإشارة... في الغروب أشفق على الشمس، وأشفق على نفسي في الشفق حين يتلطخ الأفق الثقيل بالأحمر القاني، أفقد الثقة بالأرض! لا أتذكر كم مرة فقدت الثقة بما أرى، وكم مرة آمنت بما لا أرى! بعد المغيب لا أشفق على أحد، تهطل على الأرصفة الحجرية موسيقى الجاز عبر النوافذ، أحرّر نفسي، وأسكب الخمرة على ثيابي. يا "حافظ"، تعال نسكر سوية ونتحدث: أحدثكم عن الليل... كان لطيفاً لولا السلالم المثلومة والغانيات، والعذابات القديمة. هناك سمعت أغنية الحياة الشائعة، للانتظار المخدوع، الكلُّ يعرفها ويغنيها بطريقته، ينسون كلماتها، ويضيفون عليها من عندهم، وهكذا تكبر ولم يعد ممكناً حفظها... هي ذاتها الأغنية في الخرافات والحكايات، في المعارك البشرية الأبدية، في الأسفار البعيدة وليالي السهاد، في الزنازين والحقول، عند الشرفات المفتوحة... هي ذات الأغنية، التي تبدأ بلحن صاخب، وتنتهي بصمت كئيب. **** في الغابة، لا يغويني غير الضوء واعتلال الخريف... كل ما قيل عن الورد؛ تساقط مع أوراقه، كل ما قيل في النساء؛ انتهى مع العمر، كل ما قيل عن المياه، أصبح من نصيب الأسماك، كل ما قيل عنك أيتها الحياة؛ جرى مع نهري الهادر إلى البحر. لا أستبدل ماضياً بماضٍ، ولا حاضراً بحاضر، أقايضك أيتها الأيام القادمة بما قيض لي... فدعينا نتفاهم على هاوية بيننا. جئت إلى هذي الحياة من مكان مجهول لستُ متعالياً ولا أضمر غير غربتي، أعيش منذ آباد أشبه قدراً وحيداً... سلكت الدروب في عالم ملغوم بالمخاطر، ولم أهتدِ إلى طريق المنزل! لكن أي منزل يعوز الغريب أكبر من تابوته اللحمي - صناعة المجهول - الذي فيه كل الحقيقة! فماذا ينغّص على الغريب غربته المحببة؟ أليست هذه لعنة... بلا امتعاض! مع أني جئت من غامض؛ لكني صريح وواضح، ليست من ورطة أشد قهراً من الالتحاق بهذا العالم بقلبٍ مُوجَعٍ وجَفنةٍ مهجورةٍ! نهاجر أخيراً بكومة عظام وحكمة بائدة؛ الحكمة البالية ذاتها، التي سوّقها الأول، وسوّقها الأخير ... أما حكمتك أنت؛ فهي التيه بين هذا وذاك، وأنت تسعى إلى مخرج من هذا التشابه، نفسك شقيّة لا تجد لها مخرجاً في فوضى مريرة تبحث عن مهرب، ولا تدري كيف تنفذ. خلاصك في الرحيل المتيسّر، المتاح، العسير، وفكّ الأسر... ملايين الأيونات تمتد بين النفس وغايتها، وأنت تطوف وتطوف، وليست سوى طريق طويلة شاقة في شعاب ذاكرة فُقدت وما تم استعادتها لكي تصنع مصيرك. تمكثت أنت هنا أجيالاً بعد أجيال، حتى ننسى نحن ذكراك تماماً، وأنت لا تنسى أن المصير ذاكرة! لكننا نظل نشتاق لهيئتك الحبيبة المشرقة، فأنت لم تكن من هنا وجذرك ليس من هذا العالم، أنت نزيل غربتك مذ كنت وحيداً ومنفرداً، آن لك أن تخلع جلبابك، تغادر زنزانتك المظلمة وترحل، فأنت حر. _ لكني ما جئت من أجل هذا، إنما قدمت من خارج نفسي، لأسكن خارج نفسي! ها أنا أقف على حافة العوالم؛ لأفهم اختلاف الأنبياء على شكل السيف، وأعداد القتلى. _ آن لك أن تحرر لغتك من الرمزية والبلاغة المجازية المباشرة، المنزل الذي جئت من أجله طارئ يمكن نقضه، مسكن يُستبدل بآخر يمكن تركُه، الترخيص بتخريبه، مسكن غير موجود على الأرض - ذاب في الغمر-. _ لكني، ما زال ذاك الصوت ينخر أذني: "إنك، أنت، لم تكن من هنا، وجذرك ليس من هذا العالم"... أنا هو أنا، أيها العالم! ابن اللحظة اللطيفة: تلاحم الذكر والأنثى، متاع الدنيا ومنحى الموت، الذي أمسك الأيام وفرّقها في كل مكان. يا ويلي، أية لعنة هذه؛ أصبحت أعرف نفسي؛ جمعتها من كل مكان... ***** أقرأ غوامض الماضي في نخاع الحاضر، في القراطيس، في الحبر تحت أظافري، جحافل كلمات تأبى التشكيل. أرأيتم الفرات يصطبغ بحبر الكتب؛ بكى! وحين تلون بدماء الرجال؛ غاض! أين الأخوّة التي تتشدقين بها، أيتها الأشياء، أين آلهتك؟ هل فشلتُ في الوصول، وعجزت عن تعريف نفسي! أيكون ملفقاً اسمي؛ من كواكب خادعة وخراب، أيكون هذا الكائن سراباً؟ ها أنا أفضح سري! حين جئت كانت تحدوني غايات: غايات بابلية دفينة تحت العتبة، لم أجد غير التبن والأشجار الباكيات، والتراب، بعد سنين آمنت أن الماء بكاء، والبكاء ماء مالح. من بين الصخور، بزغ كائن من كهرب يشبه القشعريرة، كلّمني: "يبدو لك لا نهاية لهذي الطريق، تفكر بأفعال جديدة وكأنك ولدت بالأمس، ولم تفهم؛ إنها قبض ريح! دائماً تسرف الطبيعة اللامبالية بسذاجتها؛ الثلج القتيل فوق الأرض يحيا في الشمس، النقيض والنقيضة، الحار والبارد... لا مكان للصمت في الأشجار، نقّار الخشب يضبط إيقاع النبض، الأعشاش تضج بالغناء والبيوض، الشرفة البعيدة تفتح بابها لهواء عابر... الغراب الغريب فوق سمت الشجرة، يفكر بالمسافة ويرصد نهايتها! أجل، لكل شيء العودة إلى رحمه؛ الغيوم تهاجر عبر السماوات وتعود إلى ينابيعها، وتنكرها! يقطع المخلوق الطرقات، يبدد أيامه تحت الشمس، يتقاتل، ويعود مستسلماً وغريباً عن ذاته، وينكرها! المسافات تعود إلى صفرها في الكون، وتنكره! العدم يأتي بعدم من رحمه، وينكره! العلّة تخلق علّة ذاتها وتنفيها! أجل، الكائن محض ضرورة بائدة! على صخور منخورة ترتاح الآن نفسي، أنتظر النهر يعبر القنطرة: النهر المراوغ، الفضولي، المتحذلق، الوسيط المريب، العامّي، السلام عليك! كلانا غريب... مثل قدر وصاحبه دعنا نتعارف. _ شهدتُ سكرات كثيرة، وكانت خمور الكهان أشدها مرارة، حتى سكرة الموت شهدتُها، قطعتُ دروباً تنتهي حيث تبدأ، سكنتُ مدناً تجهلني أبوابها وترتاب النوافذ، رطنتُ بلغات لا أقرأ حروفها، وكنتُ غير مفهوم، وقالوا عني حكيماً. ... أوصيك يا ملهمي؛ لا تغنِّ أغنيتي! وقد أتخم الحب قلبك، دع الآخر يتكفل بالذاكرة، اترك ما سرّك يوماً لغيرك يُسر به، دعْ نفسك تتغلغل في الأشياء، وليكن مكانك شاغراً وكفك فاغراً، واعلم أن جميع الأفعال بلا معنى بعيدة عنك. "ما ثمَّ مجاز أصلاً، الكلُّ حقيقةٌ" كما يحدث أن تولد الشمس في جوف الظلمة، مثل أمنية مستحيلة، هكذا، يشع ضياءٌ بنفسجيٌ أولاً، يحرث الأرض، يزرع الأفق، ثم يعلو الأخضر، ثم الأزرق الزنبقي، مثل زورق بلا مجاذيف، ثم الأصفر الخجول، ثم الأشد اصفراراً... آه، ماذا لو يفصل الله بيننا، ويقول كلمته الأخيرة: لا تنتهك الزريبة! لا تسرج الحصان وتترك المهرة وحيدة! لا تكسر الجرة الخاوية! لا تخلع الباب! دع الحجارة أينما كانت! يا بني، ليس بإمكانك العودة إلى الوراء، حيث كل زهرة كانت في طريقك فرصةٌ يانعةٌ، ذبلت... كل ليلة سهرتها تعدّ النجوم، كانت فرصة لهذا الاعتراف المتأخر _ أنا هنا لأني أحب أن أكون هنا، فلا مكان أتوارى فيه أبعد من هذا، حيث أشهد قساوة الصخور، وهي تمزق المياه، وأتعلم مهنة الموت الشاقة، وأشد مشقة؛ أن أتعلم. بلا مغالاة، تعوزني حياة أخرى، تاهت سنواتي في الحقول ولم أسمع ما قالته الأزهار لحظة قطافها. تعوزني نجوم أكثر لأخترع ليالي جديدة، أرسم سماوات ترعى فيها الأبقار... لا تعوزني الأحلام أيها الليل السرمدي، فلا تبخل عليّ بالقلق والسهاد! أريد أكثر من يد قبل جفاف الحبر، وعافية الثيران لأحرث الكتب.. يعوزني النسيان لأنباء رأسي المهجور... آه، كم يعوزني من الظمأ لاكتشف طعم الملح على شفتيك أيتها الحياة. في الليل تتسرب الدقائق؛ تترسب طبقات فوق طبقات، بين طياتها الرطبة أشواق وأفكار شاردة، تترسب الدلالات، تتراكم الصور السالبة وتختلط... يتطرف المنطق في الأحكام عادة، حين يختفي الخيال ذو العمق، وتضمر الاحتمالات المتاحة... ويلٌ للإنسان وريث النسيان، ويلٌ لصاحبه الزمان، ويلٌ للأنساب الهجينة، للتلفيق بين الحلم والواقع، بين السلالة والسلّم، الذي يقبل الصعود والتدهور معاً... دعونا من هذا الهذر، لننحني للحقول في الشمس قبل المغيب، قبل درس السنابل، ليس العفن في البيدر، إنما في المنجل. لستُ وحدي! الضفادع في الساقية تقيم أعراسها؛ لكني لا أثق كثيراً بما أسمع، فهي تقول شيئاً الآن، وشيئاً آخر بعد حين، تثير بعضها ثم تتركها نشوانة، وتنطّ على أخرى تداعبها! ليست خيانة كما أرى، إنما هو الفعل الأصيل الأكثر جدوى؛ أن تترك العالم نشواناً من بعدك. أصبو إلى سماء تنزل على راحتي وتنسى همومها، إلى زمنٍ يلتفت للوراء، يتوقف مندهشاً من خطوته، إلى امرأة خالية من الظنون، وفجر مثل عين الديك صافٍ، أصبو إلى مكان بعيد... بعيد جداً، إلى فكرة بلا تاريخ، إلى لغة من حطام القلب، إلى ورقة تحنو على حبري، ورسم ينكرني حالما أرفع يدي، أصبو إلى نفسي، إلى نهاية بيضاء كالبرق خاطفة. رأيتُ، وأنا مغمض العينين، الماءَ يقودُ إلى الماءِ والمعجزة الكبرى في الداخل، في قنوات الدم والعروق، في النسغ الصاعد مخالفاً للقانون... أما الأحلام فأعجوبة الحالم ويقظته، التي تكتفي بموسيقى الكلمات والصور الصامتة... أية حسنة هذه؛ تتلقى الفضائل بلا منّة، وتكتشف عند الهاوية، أنك خلّفت الينابيع وراءك، وأنت تماشي النهر، وتذكّره بما كان عليه قبل الذاكرة... وتكون قد توغلت بعيداً في ممرات الدم الخاثر، تجمع الملح من شواطئ قلب خائر لم يعرف السلام يوماً... تكون قد نسيت اسمك وسكنكَ كائن شفاف! ربما هناك، تعثر على ما يحببك بالحياة، أو يحبك، ربما تشرق الشمس قبل أفولها وتأنس برفقة ظل أحدب، يسقط قبلك في الهاوية. من البحر القريب زحفت موجة تترنح، دخلت الحقل وغفت بين السنابل، كيف أعيدها للبحر وأنا أكثر منها ثمالة؟ من بعيد أيضاً، (كل ما هو بعيدٌ يأتي، أما القريبُ فيرحل)، تأتي نفحة من جناح طائر، لم أفهمها وقد شغلتني الصورةُ: كلما ينخفض الجناحان تتسع السماء، وحين يعلوان ويتضح إبط الطائر، تضيق. ما نفع تأمل لا يصل إلى إدراك ملموس! أقترب من الذي أريده بقوة، أقترب من قلقي، من تسنم روح جديدة، ماذا أفعل بها؟ ماذا تفعل بي؟ أنا الواضح أقترب من الغامض، أنا المشّاء وهو الكامن، هو العاقل وأنا المجنون، هو الهادئ وأنا المحتدم، أنا الضعيف وهو المغالي بقوته، هو الفكرة وأنا التكوين، هو الصفر وأنا العدد المعدود، هو العنصر وأنا الظاهرة العابرة. أدوّن سجل رعيتي: صلبان على الجلجلة، كانت بيادر الحطب فوق الهضاب، الديدان مرعوبة تتلوى؛ هُدمت خنادقها، كذلك النمل، الذي ينصت لي ويسمع ارتطام عظامي حين أسقط... شرائعك والكلمات التي قرضتها الأرضة وجرفتها السيول، وهذا الثراء المبالغ بوجوده، ووفرة التنوّع المسرف بأشكاله وألوانه... ورائي البحر يعبر إلى الجهة الأخرى، والشتاء ينزع الذاكرة، شجرة التفاح تنتظر بصبر شديد، تزهر ما يشبه التفاح، ربما تلمس الأشياء معناها الأخير، فكل شيء ينتظر ما سيكون عليه... الحكمة في قلب النار: لا شيء في الحياة يشبه اللغة، إنما كل شيء في اللغة يرنو إلى الحياة. بأية لغة أمدحكِ، يا من تستقبل جسدي كما يستقبل ساحلٌ زورقاً أباده الملح! كيف أكتب تميمتكِ ما لم أعرف متى خُلقتِ! سأمجدكِ إذا فهمتكِ، كما أفهم شيئاً يعود لي ويخضني! أنتِ كل ما أستطيع تصوره، كل ما كنته وما سأكونه... بربكم، كيف يمجد غنوصي غنوصه! كيف أمجدك يا ضرورتي وأنا لم أسدّد ديني، وقد تلقيت هباتك التي لا تُردّ وأنا في المهد، حملتها مراكب هندية مشرّعة، ما فتئت راسية خلف البساتين، مخبأة في عناقيد الخرّوب خلف السور؛ غذائي الذي منه كومة لحمي وعظامي... هبات حملتها طيورك المهاجرة، التي تخسر دائماً في الشباك! يا سبب أسبابي، وسبب الأشياء الحقيقية، كيف أمدحك؟ يا ضرورة الإحساس العالي، ضرورة الأنثى التي تديم الزمن والحواس، ضرورة الفهم الذي يحل كما يحل النور، ضرورة الأعشاب والأصماغ والتوابل، في المباخر أمام النار. يأتي الكهنة، يحملون أذيالي! تأتي الترانيم، تأتي البدايات المتلاطفة مع قدر نهايتها، تأتي الهبات بلا منّةٍ، تأتي ضرورة المؤنث كامل الحسن، والتأنيث مكتمل العافية... كما تأتي الخصوبة في الأعضاء، تأتي الطاقة في المادة، كذلك هبات الألم والأخوة المطعونة بالإرث، وجوع الأشياء للأشياء النقيضة، هبات الشبق الذهني، والتصور المحيط. أجل، أذعن لك، أيتها الضرورة الكامنة فيّ؛ ولكن، من يمنحك التصديق غيري، واحتباس الرغبة! أنا المحطّم لفرط هياجي وشطحي، لا أتحرك قبل أن أفهم أين كنت، وما كنت أفعل، وكيف عشت... (دائماً كنت مع نفسي، ولم يكن غيري ينكرها. لا أفهم إلى أين أمضي ومتى، ماذا آخذ معي غير المصادفات؛ الأكثر اختلافاً مع الواقع والحدس... آه، نسيت، دائماً ثمة مصادفات ملفقة! سفينة تترنح فوق الأفق، حياتي، وكأنها دمعة يوم الأمس، تحمل ملح البحار... ساعة خفية في جسدي فاجأني رنينها أنتظر دقّتها الأخيرة كي ألتفت وأرى، ما كان وما سيكون... "الكل متّصف بعجزه". أترك قلمي ينقش لوحده، لولاه لما أمكن لهذه الكينونة أن تكون، علّه يرسم كينونة أخرى تسأل عني، فقد آن لهذه القصيدة أن تغادر، وحان للوثني الصلاة كي يشهد غيابها.
#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
-
الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
-
حوار في محطة خارج الجهات
-
العبّار والنهر
-
العناد الجمالي
-
عشر وصايا في الرسم
-
قصص مجهرية
-
سركون بولص يضاعف انتباهنا
-
بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها
المزيد.....
-
المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب
...
-
إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو
...
-
ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى
...
-
مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية
...
-
المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق
...
-
-بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا
...
-
هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي
...
-
تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب
...
-
أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
-
قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته
...
المزيد.....
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|