|
|
جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
يحيى الشيخ
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 16:15
المحور:
الادب والفن
مستهل دأبتُ على دراسة أعمالي، في الرسم والكتابة، وتقديم شهادة عنها، وإضاءة تجربة إنجازها والتعريف بمناخاتها ومصادرها. وفي هذا، أقوم بنقد ما أنجزتُه بعين أخرى، من خارج العمل ومن داخله، مع إدراكي صعوبة التزام الحياد؛ إذ سيأتي النقد بصيغة ذاتية مهما تجردت الذات من نزعتها، غير أن «النقد الذاتي» هذا يشكل قيمة جمالية مضافة للتجربة، وتُضيء جوانبها الخفية. إن رصد التجربة الذاتية (تجربة الخلق) عمل جمالي بحدود اجتهاداته، حيث تكون مادته العمل المنجز، إذ يتجاوز الشرح إلى التفكيك وإعادة التشكيل. وهنا أقف أمام تجربتي في الكتابة للمسرح، وقد أنجزتُ أربع مسرحيات، نشرت دار «المعقدين» واحدة منها وهي «الدسيسة» عام 2015. من خلال أربعة نصوص مسرحية: (الشيصبان، المحطة، صاحب الزمان، الدسيسة) اعتليتُ خشبة المسرح متقمصاً أدوار الممثل والمخرج والكاتب ومهندس الديكور معاً. وقد تقاطعت أمامي الطرق على المسرح أوسع مما تتقاطع على الأرض! في هذا التقاطع الغامض، أضاءت مجموعة "أربع مسرحيات" أربعة مفاهيم فلسفية: (العبث، الزمان، التيه، والمصير)؛ تمحورت كلها حول قضية واحدة تلخصت في "جدوى النجاة"، الفكرة التي واصلت تهديد يقين الوصول إلى برٍّ آمن. جرت الأحداث على مساحات ضيقة جداً، بلغت حد الانغلاق: خنادق النمل تحت الأرض، محطة مترو أنفاق، كرة زجاجية مفرغة من الهواء، وسفينة معزولة تماماً؛ مما ضاعف الإحساس بمعنى "لا نجاة". الأفكار في المسرحيات الأربع هي أفكار وجودية أساسية ومتداولة، نشأت منها فلسفة الإنسان الأولى وبشأنها طرح أسئلته، وما زالت طاقتها لم تُستنفد حتى اليوم، فإن المسرحيات لم تنشغل بتقديم إجابات جديدة أو طرح أسئلة ممكنة، وكأنما كل شيء قد قيل وحُسم أمره! فمن العبث محاولة اختراع البارود من جديد، أو عرض ما يقلق توازن كفتي الميزان: (لا/نعم). فما جرى في المسرحيات الأربع هو تسليط ضوء كاشف على قضية: "النجاة" و"جدوى النجاة"، سواء أكان ذلك بسؤال أم بإجابة، بـ (نعم) أم بـ (لا). أمام هذا الهدف الواضح جداً "النجاة" ذي المسافة الغامضة، تكبلنا المسرحيات الأربع بحقائق قوية ومحكمة الإغلاق: إذا قلت "لا" فأنت لا تنجو، وإذا قلت "نعم" فأنت لا تنجو، وإذا لم تقل شيئاً، فأنت لا تنجو أيضاً! وليدوم مسرح الحياة، لا بد للميزان أن يظل هكذا. "لا نجاة، إذن لا جدوى!"؛ فبرغم إقرارهم بهذه الحقيقة وفهمهم لها، ما فتئ الناس يعيشون على المسرح منذ أن وُجدوا عليه، يقدمون ما كُتب لهم، أو ما كتبوه لأنفسهم. وفي نهاية الدور، وفي كل الأحوال، سوف يخرجون من المسرح كما دخلوه، سواء أكان ذلك بإرادتهم أم رغماً عنها.
أولاً: مسرحية "الشيصبان" تُعد مسرحية (الشيصبان) التي كُتبت في 2018، نصاً مسرحياً ينتمي إلى أدب الفانتازيا السياسية ومفارقات السخرية السوداء، حيث تستخدم "مجتمع النمل" كقناع درامي لإسقاطات شاملة على الطبيعة البشرية، وصراع السلطة، وتحولات الهوية. بخلاف "كافكا" في (المسخ) حيث يستيقظ البطل ليجد نفسه حشرة رغماً عنه، نجد بطل المسرحية (الشيصبان) يسعى بإرادته الكاملة للتحول إلى ذكر نمل (شيصبان). تعكس هذه الفكرة رغبة الإنسان المتأزم في الهروب من عبء "الإنسانية" إلى نظام غريزي صارم، لكن المفارقة تكمن في أن البطل حمل معه "عاهات البشر" (الأنانية، شهوة السلطة، التزييف) إلى مجتمع النمل الفطري المنضبط، مما أدى إلى إفساده. تطرح المسرحية فكرة "صناعة الطاغية"؛ فالشيصبان لم يصل إلى السلطة ببراعته، إنما وصل بـ "صدفة عنيفة" (قتل قائد الحرس بركلة دفاعية). ومن هنا يبدأ البناء الدرامي لتفكيك آليات السلطة، ومن أقوى ركائزها: 1- التضليل، ويمثله "القوّال"، الشخصية التي تجسد الإعلام المتملق الذي يحول الجهل إلى "غموض هيبة"، والصدفة إلى "قدر تاريخي". 2- المؤسسات، وتمثلها فئة الحكماء والقضاة واستسلامهم وخضوعهم للوضع الجديد، وكيفية تماهي المؤسسات التقليدية مع أي سلطة عليا تضمن بقاءها. الفكرة المركزية في الفصل الثاني، والتي شكلت حجر عثرة اسقطت المجتمع المتوازن بفطرته في فساد المال وما يشيعه من تعاملات وأخلاق: الفكرة هي إقحام "العملة" (المال) في مجتمع كان يعيش على التكافل (المشاعية). تحويل القيم الجمالية والأخلاقية (الحب، الشرف، الفكر) إلى سلع تُباع وتُشترى هو تصد للعولمة المتوحشة التي تقتل روح المجتمعات، وتبيد جذورها الثقافية... فرض العملة أعدت المجتمع لقبول فكرة بيع وتبادل كل شيء بالمال، حتى الشرف! في الفضاء المسرحي (الديكور والسينوجرافيا)، تم اختار ديكوراً ثابتاً يعبر عن "الضيق" و"العتمة" (الدهاليز والجحور)، وهو انعكاس لنفسية الشخصيات المتأزمة. استخدام مكعبات القش كديكور متحرك يمنح المسرح حيوية ويجعل الممثل جزءاً من عملية بناء الفضاء. وجود الساعات المتوقفة دلالة جمالية على العبثية؛ فالشعب "مولع بالزمن المتوقف"، مما يوحي بالركود الحضاري والموت السريري للمجتمع. الشخصية الأهم "الشيصبان"، دينامو المسرحية وقطبها القوي الفعّال، الذي يربط خيوط الاحداث بيده ويتلاعب بها. هو شخصية "سيكوباتية" تعاني من انفصام، ولونه الأحمر القاني يوحي بالدموية والتميز الزائف. هو "الإنسان-الحشرة" الذي لم ينجح في أن يكون إنساناً سوياً، واختار التحول إلى ذكر نمل، ولم ينجح في الاخلاص للنمل والانتماء عضويا لهم. ملكة النمل "المومياء" رمز للسلطة القديمة المتآكلة المحروقة التي تعيش على الأمجاد الغابرة حين كانت تعيش مع البشر، هي الوحيدة التي كشفت زيف البطل (الشيصبان) لأنها تملك "الذاكرة"، فيما كان "الصعاليك" يمثلون "الجوقة اليونانية" المعاصرة؛ هم صوت العقل النقدي الساخر، يعيشون على الهامش لكنهم الأكثر فهماً لزيف الواقع... إنهم ضمير المسرحية النبيل والشجاع. استخدمت المسرحية لغة مركبة تجمع بين الخطابة السياسية في حوارات الشيصبان والقوّال والآخرين، واللغة الشعرية النثرية في مقاطع الصعاليك التي قُرأت في السوق وكأنه يذكرنا بسوق عكاظ. في الاحداث تختلط السخرية السوداء في مشهد فوضوي لموت الحكماء، وفي حوارات السوق حول العملة. استخدام مارش "تشايكوفسكي" يضفي جواً من الفخامة الزائفة التي تتناقض مع كونهم نملاً في جحور، مما يعمق الفجوة الكوميدية-التراجيدية. كما لعبت الإضاءة دور "المخرج السينمائي" على المسرح، حيث كانت الأداة الوحيدة للانتقال بين المشاهد في ظل ديكور ثابت، مما ركز الانتباه على الصراع النفسي للأفراد. مسرحية (الشيصبان) هي نص "إدانة" بامتياز؛ تُدين الإنسان الذي يلوث الطبيعة والمجتمع بأنانيته، وتُدين المجتمعات التي تقبل "الزيف" بدلاً من الحقيقة، إلى جانب بناء مسرحي متماسك يعتمد على الرمزية المكثفة، وينجح في تحويل جحر النمل إلى مسرح كوني يستعرض مأساة الوجود البشري. كما أنه يتجنب المباشرة الفجة، ويعتمد على "جماليات القبح" (الملكة المحروقة والمومياء) لخلق صدمة لدى المتلقي، مما يدفعه للتفكير في واقعه السياسي والاجتماعي. حبكة المسرحية الجوهرية هي الاستيلاء على سلطة المجتمع بإفساد مفاصلها الأساسية وتفكيكها، وتحييد من يعرقل هذا المسعى! تنطوي على الصراع الطبيعي بين جمال المشاعية الفطرية وقبح نظام رأس المال: مجتمع النمل الذي ينتمي إلى ملايين السنين من الانضباط وقوة الإرادة ووضوح الأهداف، يتحول إلى مستنقع فاسد بفعل رجل واحد غريب عن تركيبة المجتمع "نغل" كما تسميه "الملكة" يملك رأس المال. ثانياً: مسرحية "المحطة" مسرحية (المحطة) نص درامي مكثف ينتمي إلى مسرح العبث (Absurd Theatre) حيث تُستخدم "محطة المترو" كاستعارة كبرى لوجود الإنسان على الأرض، ورحلته المليئة بالحركة الصاخبة؛ لكنها تفتقر إلى وصول الهدف أو الاستقرار. محطة مترو الأنفاق مكان مؤقت للعابرين كما يُفترض، غير أنها تحولت إلى فخ لا يمكن الفكاك منه، فمن يدخله لا يخرج، مع توفر نية الذهاب إلى مكان ما، ومن يخرج لا يدخل!... هنا العمل ليس بالنيات فهي لا تزكي الواقع! "محطة المترو" هو البطل الصامت الثابت في المسرحية: (عربة قطار ورصيف) يرهن الجميع في فضائه ويراهن عليهم. إنها مكان عبور إلى "لا مكان"، واختيار الحركة دائرية (الخط الدائري للمترو)، يلغي مفهوم "البداية والنهاية" ويلغي الاتجاهات الأربع، ويحول الزمن إلى حلقة مفرغة. السينوجرافيا تعتمد على التضاد بين الرصيف الثابت والعربة المتحركة، وبين الضوء والعتمة، مما يعكس حالة القلق وانعدام الاستقرار النفسي للشخصيات... ثمة مصير لا يمكن البت به وتحقيقه، مصير تائه في الانفاق. الشخصيات في المسرحية بلا أسماء، بل صفات (العجوز الأعرج، الرجل قارئ الصحيفة). هذا التجريد يحولهم من أفراد إلى رموز تمثل البشرية جمعاء؛ فـ "العجوز الأعرج" هو الفرص الضائعة والعجز أمام سرعة الحياة، وضياع كيسه وتبعثره على الرصيف هو ضياع "متاعه" أو حصيلة عمره في سبيل اللحاق بالجمع. و"قارئ الصحيفة" هو المثقف الذي يدرك "تزييف الواقع" (الكل يكذب)، لكنه رغم وعيه يظل سجين "الدائرة" غير قادر على النزول في محطته المنشودة وتقرير وضعه؛ إنه يكذب على نفسه أيضاً! استخدام موسيقى الجاز وأغنية "Strangers in the Night" لفرانك سيناترا يضفي مسحة من الاغتراب المديني. الكلمات والموسيقى تعزز فكرة أننا جميعاً "غرباء" نلتقي للحظات في "عربة" واحدة ثم نفترق دون أثر، مما يعمق الشعور بالوحدة وسط الحشد. الجملة/ المفتاح في المسرحية: "ليس هناك أطول من الدائرة"، فتحت المأزق الوجودي على مصراعيه؛ فالإنسان يبذل جهداً هائلاً للتحرك، ليكتشف في النهاية أنه يعود للنقطة البداية. السخرية المتكررة بعبارة "إنها الحياة يا عزيزي" وهي الجملة الوحيدة التي يتم تبادلها، تعمل كترجيع جنائزي يؤكد الاستسلام للقدر العبثي، فليس هناك ما يُقال ويختزل الحالة غير "إنها الحياة يا عزيزي"... إنه خبر صادم مرير. في عمق الواقع الجائر والملتبس يجري حوار حول "الصحيفة" وقصة "الحلاق والمرأة القرعاء" يشير إلى أن المجتمع يقوم على "التواطؤ على الكذب" لضمان استمرار الحياة. القبح (الرأس المحروق) يتم قبوله والتعايش معه، تماماً كما يتم قبول العيش في قطار لا يتوقف حيث يريد الركاب... ثمة تواطؤٌ يزدهر في مقولة: "إنها الحياة يا عزيزي". تُظهر المسرحية كيف "تجرف" الأمواج البشرية الفرد، حيث تتلاشى الفردانية؛ فالرجل القارئ يريد النزول لكن الزخم البشري يمنعه، والعجوز يريد الركوب لكن الزحام يربكه. هنا تظهر "القوة الغاشمة للجموع" المفعمة بالأنانية والتي تسلب الفرد حريته، وتجبره على البقاء في "العربة" حتى لو لم تكن وجهته... فعلاً "إنها الحياة يا عزيزي"! مسرحية (المحطة) هي قصيدة بصرية عن "اللا-وصول". كثفت مأساة العصر الحديث (السرعة، الزحام، الاغتراب، وتبديد الجهد) في مشهد واحد طويل. النهاية المفتوحة بعودة الرجل إلى مقعده الأول حيث ظهر أول مرة، تحت سطوة "الموجة البشرية"، تعلن انتصار العبث على الإرادة الفردية، وتترك المشاهد في تساؤل مرير حول محطته الخاصة... حيث الانتظار هو الفعل الحقيقي الوحيد والحركة هي محض وهم.
ثالثاً: مسرحية "صاحب الزمان" تعد مسرحية (صاحب الزمان) نصاً درامياً غنياً بالرموز السريالية والسياسية، وهي تمثل انتقالاً من نقد السلطة والمجتمع في المسرحيتين الآنفتين، إلى فحص "الزمان" وعلاقته بالهوية والمصير البشري. فالساعة في المسرحية ليست أداة لقياس الوقت، بل هي "منظم الوجود". وسقوط البرج الذي يحملها، في المشهد الأول يرمز إلى انهيار النظم القيمية والاجتماعية الكبرى. عندما تكسرت الساعة وتوزعت عقاربها عشوائياً، فقد الإنسان هويته الخاصة؛ فصار الجميع يتقاسمون اعماراً متشابه وأحلاماً مشاعة وساعات مهجنة، وتواريخ ميلاد عامة، مما يعكس حالة التبدد المعاصر حيث يذوب الفرد في الحشد ويختفي. (تاريخيا وبصيغة رسمية، يحمل معظم العراقيين تاريخ ميلاد واحد قررته الحكومة). تتجلى الجمالية في مفارقة أن "صاحب الزمان" أعمى؛ فهو يمثل "البصيرة" في مقابل "البصر". هو لا يرى عقارب الساعة التي هو صاحبها؛ لكنه "يشعر" بالزمن والريح والنبض. هو السادن الذي يحفظ الأنساب والأرواح، لكنه في الوقت ذاته يعجز عن إنقاذ الناس من حماقاتهم، مثلما جرى في القبة المغلقة... "صاحب الزمان" هو "الضمير الكوني" الذي هام على وجهه بعد أن فضّل الناس "السرعة" و"المادة" على "الانسجام". في الجهة الأخرى البعيدة يقف "القروي"، نموذج الفطرة والارتباط بالطبيعة، وهو الوحيد الذي لا يحتاج لوثيقة تثبت وجوده لأن "السماء تعرفه". هو صوت الحكمة الذي يحذر من "فساد الهواء" داخل المنظومات الاصطناعية. أما "المدني"، فهو الإنسان المعاصر "المُشيّأ" (من الشيء)، الذي يبحث عن ساعة مولده ليثبت هويته أمام الجهات العسكرية من أجل الخدمة، أي أنه يبحث عن "زمن رسمي" ليُساق إلى حتفه. وصف السماء في استهلال المسرحية (الأحمر والبرتقالي) يعطي شعوراً بـ "القيامة المستمرة" أو الغروب الأبدي. هذا التلوين الضوئي يغني عن الديكور، ويجعل الفضاء المسرحي فضاءً نفسياً بامتياز. فيما تُعد "القبة" ذروة البناء الدرامي والجمالي؛ فهي تحول من "برج الساعة" (الارتقاء) إلى "القبة" (الحشر). إنها أداة "الدولة الشمولية" أو "العولمة" التي تعد الناس بالرفاهية لكنها تسلبهم الهواء. عملية "تفريغ الهواء" (Evacuation) في القبة هي استعارة مرعبة لتحويل البشر إلى "كتلة صماء" فارغة المحتوى والقدرة، لا هوية لها. يظهر رئيس البلدية كلوحة هجائية لاذعة للبيروقراطية؛ فهو يقيس الناس بمقياس "الليفل" (قياس مسح الأراضي)، والسخرية من فكرة قياس البشر بالطول وتثبيت الطول بالحذاء أو بدونه هي إشارة إلى تسطيح الانسان وتقزيمه. وتعريف رئيس البلدية لهدفه (خنق الناس ليتنفسوا هواء بعضهم) هو صياغة للأنظمة التي تعتبر "سحق الفرد" إستراتيجية وطنية لتحقيق "التراص". تختار المسرحية لغة رقيقة شفافة في حوارات "صاحب الزمان" و"القروي" وعائلته الصغيرة، مقابل لغة تقريرية ساخرة في حوارات رئيس البلدية مع العاملين والناس. هذا التباين يخلق إيقاعاً درامياً يمنع الملل، إلى جانب مفارقات النص حيث يبحث رجل عن "وثيقة قيد الحياة" وهو واقف حي أمام مخاطبه، مما يبرز كيف أصبحت "الورقة" أهم من "الإنسان" في العصر الحديث. سقوط الناس من القبة المفرّغة من الهواء مثل "حجارة تسقط من كيس مشقوق" صورة بصرية مرعبة تلخص ضياع القيمة الإنسانية وانسحاق الإنسان. ونصيحة القروي لصاحب الساعة في النهاية بأن "يجرب تحت الأرض" هي قمة اليأس الكوميدي؛ فإذا فشل الإنسان فوق الأرض، فربما ينجح في القبر! مسرحية (صاحب الزمان) هي مرثية للزمان الجميل ومحاكمة للمكان الضيق. هي نص يدين التكنولوجيا الغاشمة والحروب والبيروقراطية، وينتصر للريح والندى وصوت الناي الرعوي. إنها دعوة للعودة إلى "الساعة الداخلية" للإنسان بدلاً من "عقارب الساعة" التي تنهش عمره.
4- مسرحية "الدسيسة " تُعد مسرحية "الدسيسة" التي صدرت طبعتها الأولى عن دار المعقدين، البصرة، عام 2015، الضلع الرابع والأخير في الرباعية الدرامية، وهي تمثل ذروة الاشتباك بين "المقدس" و"الدنيوي"، وبين "الأسطورة" و"الواقع المرير". إذا كانت المسرحيات السابقة قد ناقشت العبث والزمن والضياع، فإن (الدسيسة) تذهب إلى أبعد من ذلك لتسائل عن جدوى التغيير وجدوى "النجاة" كهدف. يتكئ النص على قصة "سفينة نوح" المعروفة، لكنه يفككها جمالياً وفلسفياً. العنوان يشير إلى وجود "فخ" أو "مؤامرة" إلهية أو قدرية. الدسيسة هنا هي أن السفينة التي بُنيت بهدف الخلاص من الخطيئة، حملت في أحشائها (المجذوم) الذي يمثل الخطيئة والعلة في نظر المجتمع، وحملت (أبناء نوح) الذين سرعان ما عادوا للاقتتال حال وصولهم البر. لم تكن السفينة في المسرحية وسيلة نجاة بقدر ما كانت "سجناً خشبياً" عائماً، يضيق فيه البشر وتنفجر فيه غرائزهم (الزنى، السرقة، القتل). يظهر نوح بصورة إنسانية ممعنة في الانكسار، وهو ليس البطل المنتصر، بل هو "ربان سفينة الحمقى". تكمن مأساته في اكتشافه أن "الطوفان" لم يطهر القلوب؛ فالماء غسل الأرض لكنه لم يغسل الأرواح. تحول قناعاته وتبدد يقينه في النهاية وإصابته بالجذام (أو قبوله له كيقين) يرمز إلى توحده مع معاناة البشرية التي حاول إنقاذها. يبرز المجذوم كونه الشخصية الأهم في المسرحية. هو المعضلة و"الدسيسة" التي كانت تختبئ تحت السلم، هو (صوت الحقيقة العاري) والجانب المظلم الذي لا يمكن نكرانه في الطبيعة البشرية. هو الوحيد الذي يواجه نوح بحقيقة فشل الرحلة: "لقد عبرت بزناة مدنسين من طرف الخطيئة إلى طرفها الآخر". موته في النهاية على يد "الابن القاتل" يؤكد أن المجتمع الجديد الذي نشأ بعد الطوفان هو تكرار للمجتمع القديم، ولم يتغير على الأرض سوى "جفاف الطين". مَثّلَ "سام" والحفيد الصراع البشري الأزلي: صدمة سام بأنهم "لم يتحركوا شبراً واحداً" وأنهم في المكان نفسه، هي صدمة فلسفية تعني أن المكان والزمان لا قيمة لهما إذا ظل الإنسان مسكوناً بالشر، وأن رحلة السفينة ومهمتها الأسطورية في إنقاذ البشر من الخطيئة ما هي إلا افتراض لم تبرهن عليه الأيام، فهم لم يتحركوا من مكانهم؛ إنها قصة الإنسان الحقيقية لا المفترضة! تطرح المسرحية سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للمعجزة أن تطهر الإنسان؟ الإجابة هي "لا"، وقد وقع القتل حال جفاف الأرض (قتل ابن سام لابن أخيه). هذا يشير إلى أن الشر أصيل في النفس البشرية وليس عرضاً يزيله الطوفان. في المشهد الأخير، عندما يسأل سام أباه: "أصابك بالجذام؟" يجيب نوح: "أصابني باليقين". هنا يرتفع المجذوم من كونه خطيئة ومرضاً جلدياً منفراً إلى كونه "معرفة" بالحقيقة الإنسانية. اليقين بأن النجاة الحقيقية ليست في الهروب بالسفن، بل في مواجهة الذات حيث يكتشف عبثية الخلاص. اعتمد النص بشكل مكثف على المؤثرات الصوتية (نعيق البوم، صرير الأبواب، أصوات الحروب والمدافع). هذا التداخل الصوتي يربط بين "زمن الطوفان الأسطوري" و"زمن الحروب الحديثة"، مما يجعل المسرحية عابرة للزمن. وهي تنطوي على المفارقة الساخرة التي تجسدت في غناء المجذوم لأغنية سليمة مراد (قلبك صخر جلمود) وهو يهرش جسده، مما يخلق حالة من "الكوميديا السوداء" التي تميز مسرح العبث، حيث يختلط الألم بالسخرية. تنتهي المسرحية بقرار نوح حرق السفينة. هذا الحريق هو "تطهير أخير"؛ فبما أن الماء فشل في التطهير، لعل النار تنجح. وهو إعلان فشل وحرق للأداة التي حملت "الوهم" بالنجاة. كانت وصية نوح الأخيرة: "من شاء منكم أن ينقذ حياته فعليه أن يخسرها"، وهي دعوة صوفية للتخلي عن "الأنا" والأطماع والمكان للوصول إلى "الروح الحر". حكمة (الدسيسة) الجوهرية هي إدانة فساد الروح البشري، وأن "السفن" والمشاريع الجماعية المفروضة والمفتعلة، لا تحمينا من أنفسنا ولا تنجينا من مصائرنا التي نصنعها بأيدينا. إنها مسرحية تنتهي بسقوط الأسطورة وبداية مواجهة الإنسان لواقعه عارياً دون معجزات، وسط لهب النار التي التهمت كل شيء لتترك الساحة "للروح الحر".
#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
-
حوار في محطة خارج الجهات
-
العبّار والنهر
-
العناد الجمالي
-
عشر وصايا في الرسم
-
قصص مجهرية
-
سركون بولص يضاعف انتباهنا
-
بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها
المزيد.....
-
باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس
...
-
معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن
...
-
الممثلة التونسية درّة زروق تنشر صوراً لها -بين الماضي والحاض
...
-
-لا رقيب بعد اليوم-.. دلالات الخطاب الثقافي السوري الجديد من
...
-
الفنون والثقافة تنافسان الرياضة في إبطاء الشيخوخة
-
الصدر الرجالي المكشوف.. هل يصبح أكثر إثارة من الفساتين الجري
...
-
-2026 عامي الأخير-.. حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء
-
الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي.. لماذا لا تحصل على أفضل النتا
...
-
-فجأة- فيلم ياباني عن المسنين ينافس على السعفة الذهبية
-
تجارب رقمية وإصدارات تربوية.. كتب الأطفال تخطف الأضواء في مع
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|