أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - النمل الفارسي














المزيد.....

النمل الفارسي


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 02:36
المحور: الادب والفن
    


بعد مئة وأربعة أعوام من التفكير والعمل الدؤوب والمضني، لم يستطع الفيلسوف "إدغار موران" إيقاظ كل الناس في العالم كما خطط له، وقد وافته المنية قبل أن يحقق حلمه فوق الأرض؛ فذهب إلى باطنها ليوقظ الموتى... شيّعه الناس كما يليق بفيلسوف فذ وعادوا إلى بيوتهم.
في الصباح، شُوهدت جحافل النمل الفارسي تخرج من خنادقها في كل مكان، تزحف بنشاط وصمت وتتسلق الأشياء، وتتراصف على سطوحها كأنها تنسج غلالة وتغطيها. وفي لحظات، تغطت المساحات كلها وتحولت إلى نسيج من أجساد النمل الصقيلة البراقة.
صُبغ العالم كله بلون واحد؛ طبقة رقيقة من أجساد النمل، لون أسود ذو سطح متموج يشبه بحراً تشاغبه ريح خفيفة تنقش على وجهه انفاسها. غلّف النمل الأشجار وأوراقها وثمارها وبراعمها، وزحف على البيوت وغلّف النوافذ، وتسلّق أجساد الناس فغلّفهم دون أن يعوق حركتهم؛ أضحوا كتلاً منحوتة من نمل، أجساداً نمليّة تتحرك وتمارس حياتها؛ تجلس في المقاهي وتحتسي بكؤوس مغلفة بالنمل... وفي البيوت المغلفة بالنمل، خلف نوافذ مستورة بالنمل، لا بد أنهم يضاجعون نساء مغلفات بالنمل أيضاً.
الوجود كله غدا نملاً فارسياً. وتحسباً للمجهول وما ينوي عليه هذا الزحف، وما لا أستطيع تخمينه، أغلقت كل منفذ في البيت؛ منافذ التهوية، وفضّلت الاعتماد على مكيف الهواء، وأغلقت فتحات مجاري الصرف في الحمام، ومنفذ مدخنة الموقد، واضطررت لسعة فوهتها أن أسدّها بالطوب والإسمنت... ولم أهدأ حتى تأكدتُ من انقطاع صلة الهواء بالخارج تماماً، ثم وقفت خلف النافذة أنتظر وصول الجحافل.
مثل ليل يزحف، بدأت الأشياء تتضبب ثم تزداد سواداً وتتغطى كلياً. العالم مستسلم لقدره في الانسجام الكلي، ذائب في كتلة واحدة بلا فوارق... أليست هذه أطروحة "إدغار موران" التي قاتل ببسالة من أجلها مئة وأربع سنوات! وها هم الموتى الذين أيقظهم يعودون إلينا بهيئة نمل فارسي مفعم بالحياة، وحب العودة إلى دياره فوق الأرض.
بيني وبين البيوت القريبة مزارع ومساحات خضراء خالية، وجداول ضيقة الصدر تُرضع البحر، وأشجار مبعثرة؛ خلالها شاهدتهم يزحفون ويتسلقون الأكواخ الزراعية وحظائر الأبقار، يغلفون الحقول، وعبروا الجداول بمهارة عالية؛ إذ تمسك النملة بذنب الأخرى ليشكلوا جسراً لعبور الآخرين، وهكذا تماسكوا وغطوا الجداول كما يفعل الجليد في أيام الشتاء القارص. وصلوا سياج الحديقة وتسلقوه، وبانتظام شديد فرشوا أنفسهم فوق العشب والأزهار والممرات وتسلّقوا الحائط... ظهرت طلائعهم أسفل النافذة، ثم في لحظة اختفى الخارج، ولم أعد أرى غير بطون النمل وقد هدأت تماماً.
كان هذا آخر ما رأته عيناي، ولم يبقَ لي غير أن أكتب ما يمكنني كتابته قبل أن أبلغ نهايتي، أما العالم فلم أعد أعرف عنه شيئاً. ولا بد قبل كل شيء من الاعتراف بأن "إدغار موران" الذي اخفق في تحقيق فلسفته فوق الأرض، قد حققها تحت الأرض وأيقظ الموتى الأزليين، وعلّمهم كيف يربطون عناصر الكون مع بعضها، وها هم ينسجونها بلا كلل ودقة متناهية، وينسجوننا معها، ولن يتوقفوا عن ذلك حتى يعود الكون إلى سديمه الأول، والزمان إلى نقطة الصفر.



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا
- بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها


المزيد.....




- القضاء الإيراني يصدر حكماً بسجن المخرج جعفر بناهي ومصادرة مم ...
- الصوت العربي بعد المفاجأة.. أغلبية تبحث عن ترجمة سياسية
- بقايا الركام وأحجار عرسال.. فنانة لبنانية توثق ذاكرة الحرب ف ...
- أزمة تصريحات مبابي.. ريال مدريد يؤكد احترامه الكامل لتاريخ و ...
- بالفحم ومخلفات الحرب.. فنانة لبنانية تشكل ذاكرة الوجع في روس ...
- نسرين سكيك.. طفلة فلسطينية توثق معاناة أطفال غزة وتتأهل لنها ...
- رحيل الأديب والمفكر السعودي محمد العلي بعد مسيرة حافلة في ال ...
- مفارقات نوبل للآداب: عندما توجت الجائزة مذكرات تشرشل الحربية ...
- الحكم بسجن المخرج الإيراني جعفر بناهي لمدة خمسة أعوام
- الأوسكار يتجه إلى أعضاء أكثر عالمية: ربعهم خارج الولايات الم ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - النمل الفارسي