أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - رمية نرد















المزيد.....


رمية نرد


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 14:04
المحور: الادب والفن
    


أفترض أن لا أحد يجهل المجاز، فما أن يشير المرء إلى شيء يُعد مجازاً... الإشارة مجاز واللغة مجاز تم الاتفاق عليها أن تكون كذلك منذ وضع مفرداتها الاولى... فتسمية الحقائق بمفردات هي مجاز. الموسيقى والكتابة والرسم والنحت هي مجازات للتعبير عن العالم... المجاز سفينة عبور من ضفة حقيقة إلى ضفة أخرى، ربانها المعرفة.
المصادر تقول أن المجاز من علم البيان وهو: التجاوز والتعدي بالمعنى القاموسي، وفي الاصطلاح اللغوي: هو صرف اللفظ عن معناه الحرفي إلى معنى مرجح بقرينة لها علاقة غير مباشرة بالمعنى الحرفي، بل في حقيقة الشيء المراد وصفه.
ومن خارج القواميس أباشر كلامي بمشكلة القصيدة، التي (لم تأت بعد)، وهو مجاز غامض لمؤجلٍ غائب. في واقع الحال، أنا لا أعرف لماذا "لم تأت القصيدة"، وليس لدي تفسير لعدم حضورها، كما وأن الشعراء المعنيين والمهوسين بها لم يفصحوا عن أسباب تعذر مجيئها حتى اليوم، وظلت لفظا مجازياً لفكرة تقلقهم وتقلقنا... لا بأس، فهذا هو الشعر!
هنا أود الإشارة إلى تجنبي وحذري من تقديم نصوص وأسماء كعينات وامثلة لما سأذهب إليه، حتى وإن أضعف هذا الحذر من حجتي. واحتفظ بسر الحذر لنفسي. وما انشره الآن هو مجموعة هوامش على ما قرأته طيلة سنين خلت، وبسبب فرصة عابرة عثرت على عبارة في قصيدة شاعر تتكأ على وصف مشوه (اعتبره الشاعر مجازا، كما كتب لي) حفزتني هذه المصادفة على جمع هوامشي بشأن المجاز وما يدور في فلكه، ولا علاقة لها باسم محدد.
"القصيدة الوعد" التي تتستر بمجاز يأتي غالبا بمعنى: "أجمل قصائدي هي تلك التي لم أكتبها بعد"، تُنسب في الثقافة الأدبية العالمية إلى الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت وقد ورد هذا المعنى البديع في واحدة من أشهر قصائده الرومانسية والإنسانية، والتي يقول في مطلعها: "أجمل البحار؛ هو البحر الذي لم نبحر فيه بعد. وأجمل الأطفال؛ هو الذي لم يكبر بعد. وأجمل أيامنا؛ هي تلك التي لم نعشها بعد. وأجمل الكلمات التي أود أن أقولها لكِ؛ هي الكلمات التي لم أقلها بعد..."
تحولت هذه الفكرة مع الوقت إلى هاجس مشترك لكبار الشعراء والمبدعين عبر التاريخ؛ فصارت تعبر عن "القصيدة الحلم" للشاعر الحقيقي الذي يرى دائماً أن كل ما أنتجه من دواوين وقصائد ليس سوى محاولات وتمارين للوصول إلى ذلك النص المطلق والمثالي الذي لا يزال قابعاً في روحه ولم يخرج إلى الورق بعد.
من الشعراء الذين داروا في هذا الفلك أيضاً: الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا الذي قال ما معناه: "لم تُكتب بعد تلك القصيدة التي تنغرس في القلب مثل سكين". والشاعر العراقي الراحل حسن مطلك صاغها بطريقة مغايرة قائلًا: "الشاعر: شخص كتبَ قصيدة عظيمة ثم أضاعها!"، في إشارة إلى البحث المستمر عن النص المفقود، "القصيدة الوعد".
إذا كان ناظم حكمت قد صاغها بأسلوب رومانسي وجماهيري شهير، فإن الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه، الرائد الأبرز للمدرسة الرمزية هو الأب الروحي الحقيقي لهذه الفكرة في العصر الحديث، ولكن بمنظور فلسفي وجمالي مختلف.
كان مالارميه مسكوناً بهوس "القصيدة المطلقة" أو ما عُرف في مشروعه الأدبي بـ "الكتاب"، وقد تميز طرحه ببعدين أساسيين: رعب الصفحة البيضاء، وكان يرى أن الصفحة البيضاء النظيفة هي أكمل وأجمل قصيدة ممكنة؛ لأنها تحتوي على كل الاحتمالات والموسيقا الصامتة، وبمجرد أن يخط الشاعر الكلمة الأولى، فإنه يشوّه هذا الكمال المطلق ويحدّ من نهائية المعنى؛ و"الكتاب الذي لم يُكتب" الذي أمضى شطراً كبيراً من حياته يخطط لـ "الكتاب الأسمى" الذي يفسر الوجود ويحتوي على جوهر الشعر، وظل يغير ويبدل فيه، ومات دون أن ينجزه. كان يرى أن كل ما كتبه من قصائد مجرد مسودات أو شظايا من ذلك الكتاب المستقبلي الذي لم يولد بعد.
بينما عبر ناظم حكمت عن الفكرة كنوع من الأمل الرومانسي والتطلع للمستقبل، كان مالارميه يعيشها كأزمة وجودية وهوس جمالي بالصمت والمطلق؛ فالقصيدة الأجمل عنده هي "مطلق" تعجز اللغة البشرية عن تقييدها على الورق، فالانتقال من قصيدة "لم تُكتب بعد" كأمنية رومانسية عند ناظم حكمت، إلى "القصيدة المستحيلة" كأزمة وجودية عند مالارميه، يفتح الباب أمام واحد من أعمق المسارات الجمالية في الشعر الحديث: جماليات الغياب وفلسفة الصمت، إذ يصفهما النقد الادبي، كأعلى مراحل التعبير.
أسس مالارميه لفكرته على أن الكلمة المكتوبة هي "تدمير" للاحتمالات اللانهائية التي تحملها الصفحة البيضاء. في قصيدته الشهيرة “رمية نرد” (يجدها القارئ في نهاية المقالة مع صورة لصفحة لها باللغة الفرنسية كما نشرت)، لم يكتفِ مالارميه بالصمت الفكري، بل جسده بصرياً؛ حيث ترك مساحات بيضاء شاسعة بين الكلمات والأسطر، ولم يكن البيَاض فيها فراغاً، بل هو "موسيقا صامتة". كان يعتقد أن الحبر يلوّث نقاء الفكرة، والقصيدة الأجمل تفقد عذريتها وكمالها بمجرد أن تُسجن في قوالب اللغة اللفظية. لذلك، فالقصيدة التي لم تُكتب بعد هي النص الوحيد الذي ينجو من التشويه.
أخذ الفيلسوف والناقد الفرنسي موريس بلانشو فكرة مالارميه وطورها في كتابه العبقري "فضاء الأدب"، إذ طرح فيه مفهوماً يُدعى "غياب الأثر الأدبي". إذ يرى أن الشاعر الحقيقي لا يكتب لكي "ينتج" نصاً يضعه في المكتبة، بل يكتب لكي يقترب من "نقطة العدم" أو الأصل الأول للأشياء. الكاتب يظل طوال حياته يطارد نصاً هارباً، وكل كتاب ينشره هو إعلان فشل في الوصول إلى "الكتاب المطلق". بالتالي، يتأسس الجمال النبيل على هذا الغياب؛ النص الأجمل هو النص الغائب الذي يحرك رغبة الكتابة دون أن يتحقق أبداً.
عندما نصل إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا نجد أن فكرة "القصيدة التي لم تُكتب بعد" تكتسب بعداً لغوياً صارماً في فكره التفكيكي، فالمعنى لا يحضر في الكلمة المكتوبة أبداً، بل يتم إرجاؤه وتأجيله باستمرار (ما يسميه دريدا بالإرجاء أو الاختلاف). فحين يقول الشاعر "لم أكتب قصيدتي بعد"، هو يعترف ضمناً بأن اللغة المتوفرة حالياً عاجزة عن احتواء جوهر تجربته. النص الحقيقي يقع دائماً في المستقبل، في المساحة الرمادية بين ما قيل وما لم يُقل. الغياب هنا هو الذي يمنح النص الحاضر قيمته؛ فنحن نقرأ القصيدة المكتوبة مدفوعين بالشغف نحو القصيدة الغائبة التي تختبئ وراءها. وبهذا تحولت المفارقة من سؤال "ماذا كتب الشاعر؟" إلى "ما الذي استعصى على الشاعر كتابته؟"، الصمت في النقد الحديث هو المادة الخام للشعرية العالية. القصيدة التي لم تُكتب بعد هي "أثر" لجمال مطلق يرفض الانصياع لقوانين القواعد والمعاجم.
تمثّل الشاعر العربي المعاصر، وخاصة القامات الكبرى مثل أدونيس ومحمود درويش، هوس "النص الغائب" و"القصيدة المستحيلة" تمثلاً عميقاً، ونقلوه من الحقل الفلسفي الغربي (المالارميهي) إلى فضاء الميتافيزيقا والتجربة الوجودية العربية، ولم يكن الأمر عندهم مجرد محاكاة، بل تقاطع مع إرث صوفي شرقي أصيل (مثل عبارة النفّري الشهيرة: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"). فالصوفي والرمزي كلاهما يدركان أن اللغة قاصرة عن احتواء المطلق. وتجلي هذا الهوس عند درويش في قصيدته الأشهر: "الجدارية"، التي واجه فيها الموت (العدم) ليعيد تعريف الكتابة؛ فالنص الغائب عنده هو "القصيدة البيضاء الهاربة" التي يطاردها ليضمن بها خلوده قبل رحيله، لكنه يكتشف أن كمال القصيدة يتطلب غياب الشاعر نفسه.
يقول درويش في الجدارية: "أَنا أَنتمي للمفرداتِ. أَنا الرشيدُ. أَنا البليدُ. أَنا البعيدُ" إنه يحاول صهر الوجود كله في الكلمة، لكنه يواجه عجزها؛ فالاسم الذي يتركه وراءه ليس هو الذات الحقيقية، بل هو "أثر" لغيابها. وفي مقطع بارز، يخاطب درويش قصيدته المستحيلة قائلاً: "يا قصيدتيَ البيضاءَ! مَنْ سَيغنّيكِ بعدي؟ ... خُذيني بِحرفينِ، خُذيني... واصعدي بي إلى الغيبِ" القصيدة هنا تبقى "بيضاء" (تماماً كما تمنى مالارميه)؛ إنها النص الذي لا ينتهي بموت الشاعر، بل يبدأ من حيث ينتهي عمره. الكتابة عند درويش في أواخر حياته كانت محاولة مستمرة لتأجيل الموت عبر ملاحقة نص يفرّ دائماً نحو الأمام.
إذا كان درويش يطارد النص الغائب بدافع وجودي تراجيدي، فإن أدونيس يعيش هذا الهوس كإستراتيجية معرفية بنيوية كامنة. فالكتابة عنده ليست "بناءً" بقدر ما هي "محو"، والقصيدة الحقيقية هي التي تولد في الفراغ الذي يتركه النص المكتوب. يدمج أدونيس بين رمزية مالارميه وصوفية النفّري وابن عربي. النص الغائب عنده هو "المتحول" الذي يرفض "الثابت". الشاعر لا يكتب ليقول شيئاً محدداً، بل يكتب ليفجر اللغة من الداخل لكي تقول "ما لا يمكن أن يُقال".
في مشروعه الضخم "الكتاب: أمس، المكان، الآن"، يحاكي أدونيس فكرة مالارميه عن "الكتاب المطلق". الصفحة عند أدونيس مقسمة إلى هوامش ومتون وشظايا وتواريخ متقاطعة، وهي بنية بصرية تجعل النص مركباً يبحث عن كماله في مخيلة القارئ لا على الورق. يقول أدونيس في إحدى شطحاته: "كلما كتبتُ، شعرتُ أنني أنقض ما كتبتُ... القصيدة الحقيقية هي التي تلوّح لي من بعيد ولا تمنحني نفسها". إن المبدع العربي المعاصر لم يستورد "النص الغائب" كترف نقدي، بل وجد فيه الملاذ الأخير للتعبير عن تمزق الهوية، والوقوف على أطلال الذات، ومحاولة القبض على المطلق في زمن التشظي وانهيار الواقع القومي. القصيدة التي لم تُكتب بعد عندهم، هي الوطن الذي لم يتحقق بعد، والخلود الذي ينتظر خلف بياض الورقة.
شغلتني الفكرة التي اصبحت موضة في الشعر هذه الأيام ضمن مشهد الشعر المعاصر. تحولُ "الهوس بالغياب" أو "القصيدة المستحيلة" من أزمة وجودية عميقة عاشها فلاسفة وشعراء كبار، إلى "موضة" أو "كليشيه" مُستهلكة، وهي ظاهرة تستحق التأمل.
عندما تحول مالارميه أو بلانشو نحو الصمت، كان ذلك نتيجة مخاض فكري شاق وتصلب في الوعي باللغة عبر تنقيب في مناجم التاريخ، أما اليوم، (عصر السيولة) تحول هذا المفهوم في كثير من القصائد الجديدة إلى ما يشبه "الوصفة الجاهزة" "وجبة همبرغر" أو القناع الذي يرتديه بعض الشعراء لإضفاء عمق مخادع على نصوصهم. ويمكننا رصد تجليات هذه "الموضة" في الشعر الراهن من خلال المظاهر عدة منها ادعاء العجز كحيلة جمالية فتجد العديد من القصائد المعاصرة تبدأ أو تنتهي بعبارات من قبيل: "لم أقل شيئاً بعد"، "قصيدتي الحقيقية تركتها في درج الطاولة"، أو "أنا أكتب الصمت"، أو يأمرنا شاعر «اصمتوا واسمعوا صمتي... " ولا نسمع شيئاً غير الوعيد. المشكلة هنا أن الفكرة لم تعد نابعة من تجربة مكابدة مع اللغة، بل أصبحت "صيغة أسلوبية" تُستخدم للتنصل من مسؤولية بناء نص متماسك. الصمت الحقيقي يأتي بعد فيض المعرفة، لا قبلها.
في حين كان بياض الصفحة عند مالارميه يمثل ذروة الاحتمالات والموسيقا الصامتة التي تتطلب جهداً ذهنياً وبصرياً خارقاً، تحول البياض في بعض التجارب الحديثة إلى مبرر لتقديم نصوص شذرية مفككة، تفتقر إلى النبض الشعري والمخيلة، وتترك الفكرة معلقة تتأرجح في الفراغ لا بوصفها "مساحة للتأمل"، بل لملء الفراغ الناتئ عن غياب الفكرة أصلاً بوعد انبثاقها.
تأثر الكثير من الشعراء بعبارة النفّري "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، التي اشاعها ادونيس، فصار هناك ميل جارف نحو كتابة نصوص غامضة تدعي ملامسة "المطلق" و"الغياب"، وابتعدت عن الكتابة الشعرية الحقيقية لتقع في فخ "النيو-صوفية" التجارية، حيث تُكرر مفردات (المحو، العدم، الغياب، السفر، الصمت، الحضور) دون سياق تجريبي حقيقي يمنحها حرارتها. فتعلقت القصيدة والأمنية في كتابة "القصيدة الحلم" على مشجب الصوفية الذي لم يبق منه غير ظل يزحف نحو الانحسار مع شمس الحرية الفكرية الغائبة.
في الماضي، كان الشاعر يموت كمداً لأنه عاجز عن صبّ المطلق في قالب الكلمات (مأساة إنسانية). اليوم، يكتب الشاعر بضعة أسطر ثم يخبرنا أن "قصيدته الأجمل لم تُكتب بعد"، في محاولة لرفع قيمة النص الحاضر عبر الإحالة إلى نص غائب متخيَّل (حيلة تسويقية). فتحول الأفكار الفلسفية الكبرى إلى "موضات شعريّة" هي ضريبة حتمية لزمن الاستهلاك السريع، حيث تُستعار الأشكال وتُفرغ من مضامينها الوجودية. الشاعر الحقيقي اليوم هو من يواجه هذا الابتذال بالعودة إلى أصالة التجربة، سواء اختار الكلام أو انحاز إلى الصمت. فشعرية هذه الايام حين نوافق على أن الشعر تحول إلى "تلاعب ذهني بارد"، فإننا نضع أيدينا على أزمة "جفاف النبع العاطفي" لصالح الوعي المفرط والنقدية الجافة. لقد تسبب هذا الانزلاق نحو "موضة الغياب والصمت" في فجوات جسيمة داخل بنية القصيدة المعاصرة؛ فعندما تصبح القصيدة متأملة في ذاتها طوال الوقت (أي أن الشاعر يكتب قصيدة ليشرح فيها كيف يكتب القصيدة، أو لماذا لم يكتبها)، يتحول الشعر إلى "ميتا-شعر" هذا التكلف الذهني يطرد القارئ العادي؛ فالقارئ لا يبحث في الشعر عن درس نقد أدبي أو أحجية فلسفية، بل يبحث عن ومضة إنسانية، عن حزن ملموس، أو فرح حقيقي، أو دهشة بكر. تحولُ القصيدة إلى مختبر لغوي بارد جعلها تفقد صلتها بنبض الوجدان الإنساني المشترك. الحرارة العاطفية ليست سذاجة أو بكائية رخيصة، بل هي "الحرارة" التي تجعل الكلمات تتحرك وتؤثر.
في نصوص "الموضة" الحالية، نشهد نوعاً من الهندسة الباردة: اختيار دقيق لمفردات غامضة، التلاعب بالحقائق وانتهاكها، وتقصّد الإبهام لإيهام المتلقي بالعمق. هذا البناء الرياضي المحسوب يفتقر إلى "العفوية المنضبطة"؛ إنه شعر يُكتب بالعقل المحض، بينما الشعر العظيم يُطبخ في فرن المعاناة والتجربة الحية ثم يصقله العقل. والمفارقة الكبرى هنا هي أن الشاعر المعاصر الذي يقلد مالارميه في "بروده" ينسى أن مالارميه لم يكن بارداً بقرار مسبق! لقد كان بروده وصمته نتيجة "احترق داخلي"، ومكابدة مريرة مع اللغة والوجود حتى أُنهِكَت قواه. أما استعارة الصمت الجاهز دون المرور بـ "نار التجربة"، فهو يشبه من يرتدي ثياب حداد دون أن يفقد أحداً؛ مجرد استعراض خارجي لعمق غير موجود.

2
التقييم السابق المقتضب لحال الشعر، يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل الكتابة: إذا كان هذا التلاعب الذهني البارد قد وصل إلى حائط سد وتحول إلى تكرار ممل، فكيف نرى المخرج؟ هل بالعودة إلى بساطة التعبير والحرارة الإنسانية الأولى، أم بابتكار شكل جديد يزاوج بين ذكاء الفكرة وحرارة العاطفة دون السقوط في الموضة؟ هل لدينا تصور عن خطورة المجاز/الوصف حين ينتهك الوصف حقيقة الموصوف فقط بحجة (المجاز) الذي أصبح موضة أيضاً؟
هنا انتقل إلى منطقة بالغة الخطورة والأهمية وهي تحول المجاز من "أداة للكشف" إلى "أداة للحجب والتشويه". عندما يصبح المجاز "موضة" مُنفصلة عن السياق، فإنه يتوقف عن تقريب حقيقة الموصوف، ويبدأ في انتهاكها والاعتداء عليها؛ حيث يُضحّى بالواقع الجوهري للأشياء والقرائن الإنسانية على مذبح "السراب البلاغي" "وغرابة الوصف". هذه الخطورة تتجلى في أبعاد نقدية وجمالية في الشعر الراهن الذي يعاني من هذه "الموضة"، يختفي الموصوف ويصبح مجرد "تكأة" أو ذريعة ليمارس الشاعر استعراضه اللغوي. الوصف هنا لا يخدم الحقيقة الداخلية للشيء، بل "ينتهكها" لأنه يلبسها قناعاً غريباً عنها لا يناسبها، فقط لتبدو الصورة "مدهشة" أو "غريبة" وفق معايير الموضة السائدة. هذا النوع من المجاز يعزل الشيء عن طبيعته ويحوله إلى جثة هامدة تُغطى بمساحيق بلاغية كثيفة.
وجد المجاز في أصله ليقول ما لا تستطيع اللغة التقريرية قوله؛ وُجد ليعمّق صلتنا بالحقيقة لا لينفيها؛ ولكن حين ينتهك الوصف حقيقة الموصوف بحجة حرية المجاز، نقع في فخ التزييف والحذلقة، ونقع في "المحظور". على سبيل المثال: وصف المجازر أو الآلام الإنسانية البشعة بلغة سريالية مغرقة في "الفانتازيا" والجمالية الباردة، هو انتهاك لصدق الألم وحقيقته. هنا، يتحول المجاز إلى أداة تخدير تعزل المتلقي عن حرارة الواقع وجلاله، ويصبح التعبير مجرد "ألعاب نارية" لفضية تضيء لثواني ثم تترك خلفها فراغاً عاطفياً وخللاً معرفياً.
عندما يسود الاعتقاد بأن المجاز الناجح هو الذي يبتعد تماماً عن حقيقة الموصوف ويصدم القارئ بعلاقات تعسفية بين الأشياء، تفقد الكلمات معناها، ويصبح كل شيء شبهاً بكل شيء، ويفقد النص "مركز ثقله". إذا كان كل مجاز مبرراً لمجرد أنه مجاز، فإن القيمة التمييزية للأشياء تزول، وتتحول القصيدة إلى ركام من الصور المتنافرة التي لا يربط بينها خيط شعوري أو فكري ناظم.
يقول فريدريك نيتشه إن الحقائق هي "استعارات ومجازات نسينا أنها كذلك". في هذه العبارة يفكك نيتشه أصل "الحقيقة" البشري، موضحاً أن ما نسميه حقائق موضوعية وثابتة ما هو في الأصل إلا أوهام ومجازات واستعارات لغوية ابتكرها الإنسان لتسهيل العيش والتواصل، ومع مرور الزمن وتقادم العهد، نسي البشر منشأها الإبداعي والمجازي وبدأوا يتعاملون معها كحقائق مطلقة ومقدسة. الخطورة اليوم هي العكس وهي أننا نستخدم المجاز ونتناسى أن هناك حقيقة أصيلة خلفه يجب احترامها. اخترع الانسان اللغة ليحدد فيها تصوراته عن عالم غامص غير قابل للاحتواء إلا عبر اللغة ومفاهيمها.
بنفس القدر خضع الدين إلى نفس التحول من كلمة أو كلمتان تشيران إلى انتماء الفرد إلى المعبد وتسمح له بدخوله مثل كلمة سر، وتثبت على ايمانه، تحولت "كلمة السر" هذه إلى كتب مقدسة ودساتير.
فالمجاز الحقيقي هو "إضاءة" للموصوف من زاوية لم نعتدها، وليس "طمساً" لملامحه، فالشاعر الحقيقي هو من يظل مشدوداً بجبل سري غامض إلى حقيقة الأشياء، مهما حلّق بمجازه في أعالي الخيال، أما الشاعر الذي يتبع الموضة، فيقطع ذلك الحبل، ليتطاير مجازه في الفراغ مثل بالون منفوخ بالهواء البارد. هذا الانتهاك لحقيقة الموصوف يفسر تماماً سبب البرود الذهني الذي تكلمنا عنه سابقاً.
___________
• عنوان المقالة مُستعار من قصيدة مالارميه "رمية نرد".

ارفق مقطعا من قصيدة "رمية نرد" للشاعر ستيفان مالارميه، ترجمة كاظم جهاد:
(رَمْيَةُ نَرْدٍ... أَبَداً... حَتَّى لَوْ أُلْقِيَتْ فِي ظُرُوفٍ أَبَدِيَّةٍ... مِنْ أَعْمَاقِ غَرَقٍ... لَنْ تُبْطِلَ الزَّهْرَ.
تَجْتَاحُ الأَعْمَاقَ، غَرَقاً أَوْ صُعُوداً، مَأْثَرَةٌ طَاعِنَةٌ فِي القِدَمِ حَيْثُ لَا يَقْوَى بَحْرٌ عَلَى مَحْوِ غَامِضِ الرَّغْبَةِ، مُتَلاَطِماً، مَجْنُوناً، تَحْتَ مِيلادٍ سَاقِطٍ مِنَ السَّفِينَةِ المَائِلَةِ..
هُنَاكَ.. "المُعَلِّمُ" (الرُّبَّانُ) يَنْبَثِقُ مِنَ العَاصِفَةِ، يُجَابِهُ اللانِهَايَةَ بِيَدٍ مُتَخَشِّبَةٍ، يُمْسِكُ بِمَا لَا يَمْلِكُ: زَوْجَ النَّرْدِ المَقْذُوفِ بَيْنَ الأَمْوَاجِ.
المُعَلِّمُ، قَبْلَ أَنْ تَجْرِفَهُ اللُّجَّةُ، يُهَيِّئُ الرَّمْيَةَ الأَخِيرَةَ فِي تَحَدٍّ لِلْقَدَرِ.. هَلْ يَقْذِفُهَا؟ تَحْتَ إِعْصَارٍ يُثِيرُ غُبَارَ الزَّبَدِ، أَمْ يَحْتَفِظُ بِهَا سِرّاً فِي قَبْضَتِهِ الغَارِقَة؟
إِنَّهُ الجُنُونُ.. كُلُّ رَمْيَةٍ هِيَ صَدْفَةٌ، وَكُلُّ صَدْفَةٍ تَعُودُ إِلَى أَعْمَاقِ الهَاوِيَةِ.
تَمِيلُ السَّفِينَةُ، تَنْحَنِي.. لَا شَيْءَ يَدُومُ سِوَى هَذَا المَكَانِ البَاهِتِ، حَيْثُ يَتَبَدَّدُ كُلُّ فِعْلٍ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ.. نَجْمَةٌ، فِي أَقْصَى عُلُوِّ السَّمَاءِ، تَشِعُّ كَحِسَابٍ دَقِيقٍ لِمَصِيرٍ بَشَرِيٍّ، تُضِيءُ رَمَادَ العَدَمِ.
كُلُّ فِكْرٍ يَنْبَعِثُ مِنْ رَمْيَةِ نَرْدٍ).



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا
- بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - رمية نرد