أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - كارمن العظيمة (قصة لم تنته)














المزيد.....

كارمن العظيمة (قصة لم تنته)


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 18:48
المحور: الادب والفن
    


لم أُغادر مكاني لنفس السبب الذي جعلني أعتزل في حياتي؛ فكل الذين دُفنوا بعدي لم أسمع منهم ما يُدهش، أو يطرد الكآبة، أو يرطّب العظام... الأحداث التي شهدتها سابقًا خلال ثمانين عامًا والأخبار التي سمعتها، هي ذاتها التي نقلوا تفاصيلها معهم. لم يعد هناك جديدٌ يُغري، ولا مدهشٌ يثير الحنين للعودة إلى الحياة؛ لهذا قررتُ البقاء في قبري، وتخليتُ حتى عن فكرة الانتقال إلى قبرٍ آخر.
سمعتُهم يحفرون بجواري؛ واصلت المعاولُ الحفرَ في جمجمتي، بنشازٍ ينخر العظمَ أشدَّ مما تفعل الديدان، ومع أني ملأتُها بالتراب، ظلَّ الصوتُ يتردد في التجاويف... شهدتُ هذا من قبل حين فتحوا نفقًا بمحاذاة البيت واضطررتُ للانتقال منه دون رجعة.
أما الآن فالأمر مختلفٌ كليًا؛ فالقبور تُباع من قِبَل البلدية أو تُستأجر، وأنا خالي الجيب حتى قبل موتي. وكان من حسنات الموت أنه خلّصني من كابوس اقتناء بيتٍ خاص، وها أنا أقيم على حساب الدولة إلى أبد الآبدين.
بقيتُ طيلة حياتي أتأرجح بين الملاذات، أتنقل من بيتٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى آخر، ومن قارةٍ إلى أخرى. وكنتُ بعيدًا عن البلاد حين مات أبي (الموظف الكبير في وزارة الداخلية)؛ إذ وهب إخواني — من زوجته الثانية — قبل موته كل ما يملك وسجله بأسمائهم، واستبعدني أنا: "الصعلوك المارق" كما كان يحلو له تسميتي، أو "ابن الملاية" في أطيب مزاجٍ له.
كانت أمي موظفةً في المكتبة العامة، ولم تكن تعرف عناوين الكتب وأماكنها على الرفوف أو في الخزانات المغلقة فحسب، بل كانت تستوعب ما في بطونها؛ كانت مرجعًا معرفيًا، وقارئةً نهمة لا تكتفي بالقراءة في المكتبة، بل في البيت وعلى الفراش أيضًا. وكان هذا مصدر نقمته عليها؛ فتزوج ثانية. كانت كاتبةً محترفة تُعنى بتحقيق الكتب القديمة والمخطوطات، ومرجعًا يُشاد بعلمها. وبسبب الخوف منه، كانت تنشر مستترةً باسمٍ مستعار لا يعرفه أحدٌ غيري: "نجمة الملاية"، ولم يكتشفه أبي إلا بعد موتها، حين جاء وفدٌ من المكتبة العامة والمجلة التي كانت تنشر فيها دراساتها لتقديم التعازي... ولم يكن ذلك اليوم يوم رحيل أمي من حياتي، بل يوم رحيلي من بيتها إلى الأبد.
صرخ أبي بما جاد به صوته المبحوح: "الملاية؟ ما وجدتِ غير هذا اللقب الرخيص لتتستري به؟" وطردني في ساعتها من البيت وهو يختضّ من الغضب ويزبد: "اطلع يا ابن الملاية، اطلع ولا أريد أن أرى وجهك بعد اليوم!" وطلعتُ من البيت، ولم يَرَ وجهي بعد ذلك اليوم.
بعد مراسم الدفن التي تُجرى يوميًا في المقبرة، سمعتُ صوتًا أنثويًا يردد مقطعًا قصيرًا من أغنية فرانك سيناترا: "غرباء في الليل". لا أعرف أن كانت تلك الساعة مناسبةً لأغنيةٍ كهذه تُغنّى في القبر! انتظرتُ حتى توقفتْ عن الغناء — انتظرتُ بما منحه الموتُ للموتى من صبر — ثم تسللتُ إلى جانبها. لم يفاجئني جمالها، ولا أنوثتها الطاغية وعريها البديع، بل شخصيتها... يا إلهي، إنها "كارمن العظيمة"، أجمل العواهر، وأكثرهن إثارةً وبذخًا في الأحضان، وأكثرهن وقاحةً وسلاطةَ لسان!
— كارمن العظيمة! وأخيرًا جئتِ لوحدكِ بلا قوّاد... هل تتذكرينني؟
_ كان مئات القوّادين وأولاد الزنا يطوفون حولي... لا بد أنك واحدٌ منهم!
_ قبل عقود، كنا مجموعةَ طلبةٍ في شقةٍ واحدة، لا بد أنكِ تتذكرينهم؛ كنتِ تسمينهم بأسماءَ ساخرة: الأغبر، محراث التنور، العفن... وأنا كان اسمي الجربوع... لا بد أنكِ تتذكرين! كنتِ تزوريننا باستمرار، نسكر ونمارس الحب جماعيًا. في آخر مرة سكرنا تمامًا، لكنكِ هربتِ دون أن نفعل شيئًا، ولم نَرَ وجهكِ بعد تلك الحادثة. أنتِ مطلوبة، ليس للمبلغ الكبير الذي دفعناه، بل لخيانتكِ والهرب من الواجب.
— آه، تعرف يا جربوع؟ حين كنتُ طالبةً لا تعرف غير طريق المدرسة والكتب، عثرتُ على روايةٍ أغراني عنوانها "جولييت"، وكان الأكثر إغراءً اسمُ مؤلفها: الماركيز دي ساد. كانت تلك أولى قراءاتي للأدب، وأولَ درسٍ حقيقيٍّ وصادق في حياتي؛ فهمتُ منه أن الطبيعة البشرية قائمةٌ على القوة، والبطش، والاستغلال، وأن "الأخلاق والفضيلة" مجرد أوهامٍ اخترعها الضعفاء لحماية أنفسهم... بعد انخراطي في السلك لم أسمع أحدًا (لا عاهرة ولا قوّادًا) نطق بكلمة "خيانة"؛ الكل خائن، وشريف، وقديس إذا لزم الأمر... الحقيقة أن كل سلوكٍ هو شرفٌ ما دام بإرادة المرء وبلا مقابل. أنا وأنت كنا نتبادل المصالح! نتواطأ مع أنفسنا لتمرير الصفقة: أنت تدفع أكثر وأنا أتمادى في حضنك أكثر، وهذا يعني أن كلانا خائن، إما لنفسه أو للآخر... وأعترفُ أنه لأول مرة في حياتي مارستُ فعلًا بلا خيانة، وهو هروبي منكم تلك الليلة؛ ولعلمك، كان هروبًا مما كنتُ عليه، من حالتي، ومن الماضي... الحرية هي الشرف الوحيد الذي يفتخر به الإنسان، ونحن أحرارٌ شرفاء في هذه الساعة يا جربوع".
— لكنكِ مطلوبةٌ بدَيْنٍ تضاعفَ ثمنُه على عدد السنين!
— حسناً، أعترفُ بالدَّيْن وأسدده مع الفوائد؛ ولكن كيف يكون السداد؟
— أقيمُ معكِ!
— على الرحب والسعة، وبشرطٍ واحد: ألّا تتحدث عن الماضي، وأن تنساه كليًا!
— عن ماذا نتحدث إذن؟
_ عن المستقبل.



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب
- اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)
- سأترك كل شيء ورائي
- ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا ...
- المتصل والمنفصل
- الكلب -رينو-
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا
- بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها


المزيد.....




- اكتمال ترميم منزل المهندس المعماري الطليعي قسطنطين ميلنيكوف ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- لبدة الكبرى تفتح طبقاتها من جديد.. ماذا يبحث علماء الآثار تح ...
- سوريا: إلغاء حفلات لفنانين مساندين لبشار الأسد بعد احتجاجات ...
- تضارب الروايات في واشنطن.. هل أكلت حرب إيران المخزون الصاروخ ...
- متاهة على الجسر بين الكتب والأفلام.. هكذا يتحول السيناريو إل ...
- -سويوزمولتفيلم- تعيد مسرحية -النورس- لتشيخوف إلى الشاشة بأسل ...
- مهرجان السينما في لوكارنو: التمسّك بالهوية وزمن تعصف به التح ...
- هدنة قصيرة من الحرب.. الموسيقى -تعيد الروح- لأطفال غزة
- عرض فيلم -الأوديسة- يرفع مبيعات قصيدة هوميروس في روسيا بنسبة ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - كارمن العظيمة (قصة لم تنته)