أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - يحيى الشيخ - معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب














المزيد.....

معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 14:02
المحور: المجتمع المدني
    


منذ تعرّف الإنسان على نفسه، تمثلت معضلته البنيوية الكبرى في كيفية التعامل معها. ولأنها الأقرب إليه من حبل الوريد، تبدو أشكال التعامل معها متيسرة كلها وبمتناول اليد: مناجاة النفس، جلد الذات، التواطؤ معها، الصدق أو الكذب، الهرب منها أو مطاردتها، وكل ما يمكن للإنسان الإتيان به من غير كلفة ولا تكليف وبسرية تامة في حرية مطلقة لا يملك أحد سواها عليه سلطاناً.
إلا أن هذا القرب الشديد هو أول أوهام الوعي؛ إذ تصبح النفس الكيان الأكثر غموضاً ومراوغة. فالذات العارفة هي ذاتها الذات المعروفة، "كعين تحاول رصد نفسها بلا مرآة". ومن هنا ينشأ التواطؤ مع النفس كنوع من "الوعي الزائف" والتبرير الذي نحتمي به من مواجهة حقيقتنا. أما الخسارات والأرباح في هذه المعركة السرية فلها حسابات أخرى، ولها وقتها الخاص. بيد أن الوقت الآن هو الجواب على كيفية الوصول إلى ما يجعل الإنسان واثقاً مما يفعل، سواء أكان يجلد ذاته إثر وطأة "الأنا الأعلى" والضمير الصارم، أم كان يعظّم أجرها ومكانتها.
إن ما حدث للمجتمعات الإنسانية منذ فجر التاريخ هو نتيجة مباشرة لطريقة تعامل أفرادها مع أنفسهم. فالمجتمعات التي تعامل إنسانها بوضوح مع نفسه، وفهم متطلباتها وقدر دورها بفعل الفكر السائد الذي تربى عليه والمعتقدات المشتركة، ازدهرت قلوب أفرادها، وتوازنت حياتهم على المدى البعيد. لقد كانت "الثقافات القومية"، والتقاليد الموروثة، والروابط الأسرية، والطقوس الاجتماعية الممتدة بمثابة "الحرّاس الأمناء"؛ صمامات أمان ومصدات نفسية تقي الفرد قسوة القلق الوجودي وتمنحه معنى مشتركاً يلتف حوله.
أما اليوم، فيواجه الإنسان المعاصر تهديداً بنيوياً غير مسبوق في ظل عاصفة العولمة والسيولة الوجودية. لقد ذوّبت الحداثة السائلة هذه المصدات الصلبة، وتلاشت الخصوصيات الثقافية لصالح نمط استهلاكي مادي موحد، فجُرِّد الفرد من حراسه الأمناء وتُرك وحيداً عارياً في مواجهة تيارات التنميط والاغتراب.
أمام هذا التفتت الوجودي، تبرز الحاجة الملحة إلى ما يسميه علماء النفس الوجوديون بـ "المثبتات النفسية، وهي الركائز البنيوية التي تعيد للفرد والمجتمع توازنه الداخلي وقدرته على الصمود أمام عواصف التغيير والشتات. إن استعادة هذه المثبتات ليست دعوة للتقوقع في الماضي، بل هي عملية بناء واعية لـ "مصدات أمان" جديدة تتناسب مع تعقيد العصر المعاصر.
إن توازن المجتمعات وازدهارها لم يكن يوماً حالة من السلام الساكن والسهل مع النفس، بل هو نتاج وعي جمعي شجاع، يتقبل تقلبات الذات الإنسانية وصراعاتها السرية، ويوجهها نحو البناء بدلاً من الهدم والإنكار. إن استعادة حراس النفس تبدأ من الاعتراف بأننا، ورغم عواصف العالم الخارجي، ما زلنا نملك ذلك الحيز السري الداخلي، وبإمكاننا دوماً صياغة أسئلته لتتحول من جلد الذات والتواطؤ معها، إلى مكاشفتها الشجاعة وصناعة سلامها الخاص.
إن الحديث عن "الصدمة النفسية العابرة للأجيال" يأخذنا إلى واحدة من أعمق الظواهر النفسية وأكثرها تأثيراً على مصائر الشعوب. إنها ببساطة تعني أن الصدمة الكبرى (كالحروب، والتهجير، والإبادة) لا تموت بموت الجيل الذي عاصرها، بل تنتقل كتركة نفسية وبيولوجية غير مرئية إلى الأبناء والأحفاد، الذين يجدون أنفسهم يعانون من أعراض الخوف، والاكتئاب، والترقب دون أن يكونوا قد خاضوا حرباً واحدة في حياتهم. غير أن تكرار قصص المآسي والاضطهاد بشكل يجعل الجيل الجديد يشعر بالذنب لأنه يعيش حياة أفضل، أو يجعله يحمل ثأراً وغضباً تاريخياً ليس له يد فيه.
إذا أردنا تفكيك هذا المشهد، نجد أن ما نصفه بـ"فقدان الذات والخصوصية" لصالح التماهي الجماعي المشحون بالخرافة أو المأساة، يعود إلى ميكانيزمات دفاعية واجتماعية محددة وفي مقدمتها سيكولوجية الحشد والذوبان في "القطيع". عندما يتعرض مجتمع ما لسلسلة من الصدمات الوجودية المتلاحقة (حروب، حصار، استبداد، فوضى)، ينهار لدى الإنسان البسيط الشعور بالأمان الفردي. هنا، يصف علماء نفس الجماهير كيف يتخلى الفرد عن وعيه النقدي الخاص وخصوصيته ليذوب في "عقل جمعي" أو حشد. فالذوبان في المجموع يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالقوة والأمان وحماية الهوية وسط عالم خارجي منهار ومخيف. يصبح الانتماء للمذهب أو الطقس هو المعرّف الوحيد للذات بعد أن سُلبت من الإنسان إنسانيته الفردية وقيمته كمواطن.



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)
- سأترك كل شيء ورائي
- ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا ...
- المتصل والمنفصل
- الكلب -رينو-
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا
- بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها


المزيد.....




- الأمن الروسي.. اعتقال عميلتين لاستخبارات كييف في القرم (فيدي ...
- الأمم المتحدة: الوضع الإنساني في شمال كردفان كارثي
- الاحتلال يغطّي جرائم جنوده بحق الأسرى الفلسطينيين ويغلق التح ...
- إيران تدعو الأمم المتحدة إلى إدانة العدوان الأمريكي على البن ...
- استقبلت ضعف سكانها.. برنامج الأغذية العالمي يحذر: احتياجات ا ...
- الأمم المتحدة تحذر من استغلال الألعاب الإلكترونية لتجنيد الش ...
- مصادر محلية: قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات في منطقة حوار ...
- السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني في رسالة ...
- إيران توجه رسالة إلى مجلس الأمن الدولي حول جرائم الحرب الأمر ...
- -طابور الموت-.. هل تدفع بريطانيا طالبي اللجوء لإنهاء حياتهم؟ ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - يحيى الشيخ - معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب