|
|
ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سامي سهيل -كانت تلك نافذتي قبل خمس سنوات.-)
يحيى الشيخ
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 11:57
المحور:
الادب والفن
بعد أكثر من تجربة في الكتابة، يبدو أن صبا سامي سهيل أدركت مكانها القلق المتأرجح في الكون، وهي تحاول العبور من مكان إلى آخر فوق جسور بلا دعائم، تستند على واقع يتحرك حركة لولبية، غير مستقر، وفي أغلب أماكنه يظهر هشًا. إنها تقوم بهذه المهمة المستحيلة ليس لإنقاذ نفسها من التهلكة، التي تدركها؛ لكنها في مسعى فهم ما يجري، ولا يعنيها إن كان هذا الذي يجري يصيبها باليقين، أم الشك، ام السقوط في الهاوية، إنما تتجنب اصابتها بالدوار وفقدان الوعي، فهي جاءت لترى بوضوح وثبات مهما كانت النتائج غير المسؤولة عنها، فكل شيء في الوجود مسؤول عن ذاته؛ المكان والزمان. هذا النص (المرفق) يمثل قطعة نثريّة مكثفة، مغزولة بحسّ سينمائي دقيق ولغة متعالية، ثمة ألة تصوير مثبته في مكان ما، حيث تتحول "العادة" من مجرد تكرار آلي إلى هندسة شعورية وجسدية متكاملة، ترصد «الذاكرة العضلية" وتتابع "الزمن الموقوت بالحركة"، وكيف يمكن لغياب تفصيل صغير جداً "زجاج مغلق" أن يعطل قطار العالم بأكمله! تتجاوز الشاعرة فكرة "تذكر المكان" بصورته البصرية المجردة، لتنتقل إلى ما يمكن تسميته "حلول المكان" فالنافذة ليست منظرا عندما تقول: "لا أرى نافذة. أرى سلسلة من الحركات التي كانت يومًا تخص جسدي"، إنما إعادة تعريف الذاكرة، وهي هنا (طقطقة الخشب، ومقاومة المقبض، والدفعة القصيرة بالكتف)، وليست فكرة في الرأس، فهي ذاكرة "سمعية_حركية"، تجلت بوضوح في قدرتها على قياس كمية الماء من خلال صوته في جوف الغلاية، وفي حساب المسافة بالخطوات (سبع خطوات، في الثالثة المكتبة، في الخامسة الستارة...). المكان هنا يُقاس بالجسد لا بالمسطرة، والمسافة فرضية قد يتم البرهان على صحتها، أو تفنيدها، والوقت ماء يغلي وصوت. وفق إيقاع طقسي صارم يتحرك النص: (أستيقظُ، أمد يدي، أضغطُ الزر، أغسلُ وجهي، أديرُ الملعقة ثلاث مرات...). يكون التكرار آلية دفاعية يواجه بها الإنسان عالمه الحديث؛ إنها طريقتنا الصامتة في ترويض الوقت وإقناع أنفسنا بأن كل شيء تحت السيطرة، وبإمكاننا تحويل الجمادات إلى كائنات حية؛ فالغلاية ترتجف وتمارس زمنها: "تكمل ارتجافها الأخير، كأنها تحتاج إلى لحظة إضافية لتقتنع...". حيث تعكس "أنسنة" الأشياء مدى حاجة الذات الشاعرة للاندماج والتعاطف في محيطها الضيق، وهي بمثابة طوف نجاة، آخر وسائل الوعي للدفاع عن حقيقته ولينقذ وجوده متشبثا بالأشياء وبالخارج، حتى لو كان الخارج فراغاً، وزمن عاطل. تنتقل القصيدة بخفة من الذاتي (داخل الشقة) إلى الموضوعي (الشارع) عبر رابطة التزامن الواقعي الصارم: (شاحنة البريد، صوت الإطارات على مصرف المياه، اليد التي ترتفع للمقبض في الجهة المقابلة، الرجل وكلبه، المرأة التي تركض). شكلت هذه التفاصيل معاً "أوركسترا الصباح" ولعبت "صبا" دور المايسترو الذي يراقب النوتة الموسيقية للوجود اليومي. "الأنا الراوية" لا تعيش صباحها منفصلة، بل تجعل من حركة النافذة المقابلة "زر التشغيل" الذي ينطلق معه العالم، الذي يصل ذروته الوجودية الجمالية في الخاتمة الصادمة والعميقة: "ظل الصباح يعمل. أما النهار… فلم يبدأ". وهذا منبه لأرواحنا: ثمة ما يتعطل ويُعطل ما يأتي متلازما معه! "الصباح يعمل": أي أن الزمن الميكانيكي، الفيزيائي، البيروقراطي مستمر (البريد يصل، الكلاب تُنزه، الناس يركضون). العالم يتحرك بقوة الدفع الآلي، و"النهار لم يبدأ": حيث يتمثل "المعنى"، الإدراك، الروابط الإنسانية الخفية التي تجعل للحياة قيمة. بغياب الحركة الصغيرة وراء النافذة المقابلة (غياب الآخر، أو انكسار الطقس)، يقع شرخ في الوجود... الآلة تعمل، لكن الروح غائبة. اتسم النص بـالجمل القصيرة المتلاحقة، ويبدو أن الشاعرة تبنت هذا المنحى اللغوي البسيط المتداول كمنهج لكتاباتها، وكأن الأشياء لا تستدعي أي توصيف أو مجاز، فهي من القوة ما يمكنها اعلان حضورها كما هي وكما نعرفها. (كتبتُ عنها في مقالة سابقة أن جملها "تشبه دقات الساعة أو خطوات السائر") ... فنحن لا نفهم الأشياء ونعطيها أهميته إلّا عبر ظواهرها. الشاعرة تتجنب المجازات البلاغية الضخمة الفضفاضة، وتعتمد على "بلاغة التفاصيل اليومية الصغيرة" وتقدم دراما كاملة من خلال حركة يد على مقبض أو صوت إطار سيارة، محققةً شرط "السهل الممتنع" في الكتابة النقدية والجمالية الحديثة، حيث "يُخلق العمق من السطح المألوف". عندما نقرأ النص في مختبر سيكولوجي ليس فيه "سهل ممتنع"، بل تحت طائلة احكام علمية ومعايير عقلية، نكتشف أن "الآخر" خلف النافذة المقابلة هو "الركيزة النفسية" التي يستند إليها توازن "الراوية" الداخلي وليس مجرد عابر سبيل. العلاقة هنا لا تقوم على التواصل المباشر، بل على "الاقتران الشرطي" و"التماثل الصامت". فهي تراقب تفاصيل حركة الآخر بدقة متناهية تتطابق مع دقة حركاتها هي: تعد خطواتها السبع، وتعرف متى تزيح الستارة. هو (أو هي) يدير المقبض نصف دورة، ويتوقف لحظة لأن الإطار يلتصق بالمطاط. هذا التطابق في "الطقوسية" يعكس رغبة سيكولوجية عميقة في إيجاد "شريك صامت" في العزلة، ولا بد أن يكون القارئ الشريك نفسه. "الراوية" لا تشعر بالوحدة لأن هناك ذاتاً أخرى في الجهة المقابلة تمارس نفس الانضباط الحركي واليومي. الآخر هنا هو "المرآة النفسية" التي تؤكد للراوية وجودها. في علم النفس، يمثل الروتين الصارم آلية دفاعية ضد القلق الوجودي وعشوائية العالم؛ فحركة اليد خلف النافذة المقابلة تمثل "صمام الأمان النفسي". إنه الشيء الثابت الذي يمكن التنبؤ به في عالم متغير، وغياب هذه الحركة في النهاية شكل صدمة نفسية صغيرة هزت أمن الراوية الداخلي ولم يكن مجرد حدث عابر. هذا الغياب كسر "التوقع"، وعندما ينكسر المتوقع، يتسلل القلق، ويبدأ الواقع في التفكك، وهو ما عبرت عنه بـ "شيء في المشهد لم يلتئم". تصل الحالة النفسية للراوية إلى نوع من "المركزية الذاتية المرضية الخفيفة" أو وهم السيطرة، حيث تشعر سيكولوجياً بأن الشارع كله، بحركته وبشاحنة بريده وناسِه، لا يبدأ العمل إلا كـ "رد فعل" لفتح تلك النافذة. هذا الارتباط السببي (فتح النافذة = انطلاق الحياة) يعكس رغبة إنسانية في إعطاء الأشياء دوراً في تشكيل حياتنا، فهي جعلت من الآخر "مفتاح التشغيل" للعالم. هذا يوضح عمق الاعتماد النفسي اللاشعوري؛ لقد رهنت حيوية نهارها بأكمله بحركة يد شخص قد لا تعرف اسمه. في الخاتمة، يتجلى الاكتئاب أو الانفصال النفسي عن الواقع بشكل حاد: "ظل الصباح يعمل. أما النهار… فلم يبدأ". سيكولوجياً، هذه الحالة تشبه "تبدد الواقع" حيث يرى الإنسان كل شيء يتحرك حوله بشكل طبيعي، لكنه يعجز عن الشعور به أو الانخراط فيه. غياب الآخر أحدث فجوة في المعنى، والعالم مستمر في الدوران كآلة صماء، بيد أن قدرة "الراوية" تعطلت وانمحت على استقبال هذا النهار، لأن الرابط النفسي الذي كان يربطها بالواقع (النافذة المقابلة) ظل مغلقاً. إنها علاقة تقوم على "الألفة بين الغرباء"، حيث يصبح غياب شخص لا نعرفه كافياً لإطفاء بهجة النهار وتحويل العالم إلى مجرد حركة ميكانيكية بلا روح. وحالة "تبدد الواقع" هي واحدة من أكثر الخبرات النفسية غرابة وعمقاً، وهي تتجاوز مجرد الشعور بالحزن أو القلق المألوف لتضرب عصب الإدراك نفسه. في سياق نص صبا سامي نادر، لا تعود هذه الحالة مجرد عَرَض طبي، بل تتحول إلى أداة لترجمة الانفصال الوجودي... أي شاعر لا يعاني من هذا الانفصام عن الواقع! وكيف يكون شاعراً إن لم يعبر تلك الهوة السحيقة! يمكننا هنا وصف تبدد الواقع في القصيدة بأنه "شرخ في جدار الإدراك". يعيش الشخص هذه الحالة ليس كخلل في عقله (فهو بكامل قواه العقلية ويعلم أن العالم موجود)، بل كخلل في "شاعريّة" استقباله لهذا العالم، فالعالم خلف لوح زجاجي! يشعر المصاب بهذه الحالة كأن بينه وبين الواقع غشاءً غير مرئي، أو لوحاً زجاجياً سميكاً، يرى الأشخاص والبيوت والشوارع، لكنها تبدو له مصطنعة، باهتة، أو كأنها "ديكور مسرحي" صُنع على عجلة. ثم "فقدان البُعد الثالث النفسي"، اذ تأخذ الأشياء بفقدان عمقها الوجداني بلا ألم ولا أنين. تصبح السيناريوهات اليومية مألوفة من حيث الشكل، لكنها مغتربة من حيث المعنى. وظفت الشاعرة ىهذا المفهوم بدقة متناهية في المشهد الختامي، وجعلتنا نختبره حسياً عبر مستويين: المستوى الميكانيكي (الآلة المستمرة): "سمعت شاحنة البريد. سمعت الباب. مرّ الرجل بكلبه. ركضت المرأة نفسها. حتى الضوء كان حاضرًا. هذا هو التوصيف الأدق لتبدد الواقع؛ الحواس تعمل، المعطيات البصرية والسمعية تصل إلى الدماغ كاملة وبأعلى دقة، شاحنة البريد هنا والضوء موجود، أي أن "الفيزياء" لم تتغير. • المستوى الإدراكي (المشهد المفكك): "لكن شيئًا في المشهد لم يلتئم" هنا تقع الكارثة النفسية. غياب الحركة المتوقعة (فتح النافذة المقابلة) نزع "الصمغ الوجداني" الذي يربط هذه الصور ببعضها. تحول الشارع في عين الراوية من "حياة تنبض" إلى "شريط سينمائي يعاد عرضه" دون صوت أو حرارة. الأشياء موجودة تؤكد على صلاتها بقوة؛ لكن صلتها بالذات انقطعت. عندما تفصل الشاعرة بين الصباح والنهار: "ظل الصباح يعمل. أما النهار… فلم يبدأ" فإنها تضع إصبعها على الجوهر الفلسفي لتبدد الواقع. "العمل" هو الوظيفة الآلية (الجسد يتحرك، الموظف يذهب لعمله، الساعة تدور)، بينما "البداية" هي التدفق الوجودي، هي الشعور بالزمن كقيمة حية. أما في حالة التبدد، ينفصل "الزمن الذاتي" للإنسان عن "الزمن الموضوعي" للعالم. العالم يركض للأمام، بينما تقف الذات متجمدة خلف زجاجها الخاص، عاجزة عن الاندماج في الحركة، فقد تعطل العالم بسبب "زجاج مغلق"، و "نهار لم يبدأ". وظّفت الشاعرة بقصد واضح مفهوم الفلسفة الظاهراتية المركزي: "تعليق الأحكام والتدخل"، (يسمى باللاتينية واليونانية الأصلية: " Epoché" وتُنطق بالعربية (إيبوخي). وهو أحد المفاتيح الفلسفية الأساسية في (الفينومينولوجيا)، فما فعلته الشاعرة عندما غابت الحركة المقابلة تنحت هي جانباً، بمعنى أنها رفعت يدها عن العالم؛ كأنها تقول: "سأكف عن ترويض هذا الصباح، سأوقّف إسقاطاتي النفسية عليه، لأرى كيف سيتصرف العالم وحده". هذا التنحي القصدي هو الذي كشف لها الحقيقة الوجودية العارية للأشياء، واكتشفتْ أن ساعي البريد سيأتي، وأن المرأة ستركض بكوب قهوتها، والضوء سيشرق، سواء كانت تلك النافذة مفتوحة أم مغلقة، وأن العالم مستمر في فيزيائه، لكنه بدون وعيها وربطها الوجداني للأحداث، يصبح مكشوفاً، بارداً، ويدور بآلية تفتقر إلى المعنى الإنساني. "عرفتْ أن الصباح يعمل، لكن النهار لم يبدأ" هذه التفرقة الدقيقة بين زمن الساعة (الصباح) وزمن المعنى (النهار) لا تصدر إلا عن ذات تمتلك وعياً نقدياً وفلسفياً فائقاً بمشاعرها. إنها تدرك تماماً أين انكسر المشهد، وتراقب انكساره ببرود وجودي يشبه برود العلماء في المختبرات. إذاً، يأتي"تنحي" الراوية هو فعل اختيار إدراكي؛ لقد سمحت للعالم أن يعري نفسه أمامها، فبدتْ لها الأشياء في "حياتها الوجودية" المستقلة، آلة هائلة تدور بانتظام مذهل، ولكنها تفتقر إلى الروح التي كانت تمنحها إياها تلك الحركة الصغيرة خلف النافذة المقابلة. في الأيام العادية. آنذاك كان وعيها "يتدخل" ليصنع رابطاً سبباً سيكولوجياً: (النافذة تُفتح الشارع يبدأ العالم يتحرك). هذا هو "الموقف الطبيعي" الذي يربط الأشياء ببعضها ليمنحها معنىً شخصيا، أما في ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقاً، علّقت الشاعرة "رغبتها في التدخل أو التفسير"، وتنحت جانباً لتراقب المشهد في حياده التام عندما قالت: "سمعت شاحنة البريد. سمعت الباب. مرّ الرجل بكلبه... لكن شيئاً في المشهد لم يلتئم"، فإنها تصف بدقة نتيجة تعليق الحكم. لقد رأت مكونات العالم (الشاحنة، الرجل، الكلب، الضوء) كـ "ظواهر مجردة" عارية من الصمغ الإنساني الذي كان يربطها، ومارست وعي "الـتخلي" الذي جعلها تكتشف الوجود في حالته الخام: وجود صامت، ميكانيكي، ومستقل تماماً عن مشاعرها وعن النافذة المقابلة... القصيدة: كانت تلك نافذتي قبل خمس سنوات.
أعرف عدد البلاطات التي تسبقها. أعرف مكان المشعاع تحتها، وأعرف أن الخشب في طرفها الأيسر كان يصدر طقطقة خافتة في الشتاء عندما يتمدد من دفء التدفئة. أعرف أن المقبض يحتاج إلى لفة صغيرة إلى الأعلى قبل أن يلين، ثم دفعة قصيرة بالكتف إذا كان الليل باردًا. لهذا، كلما نظرت إليها الآن، لا أرى نافذة. أرى سلسلة من الحركات التي كانت يومًا تخص جسدي. كل صباح، أستيقظ قبل المنبه بدقائق. لا لأنني نشيطة، بل لأن النوم صار يتركني قبله بقليل. أمد يدي إلى الغلاية. أملؤها بالماء دون أن أنظر. ما زلت أعرف الكمية التي تكفي لكوب واحد من الصوت الذي يصنعه الماء وهو يصطدم بجوفها المعدني. أضغط الزر. بعد ثوانٍ يبدأ ذلك الطنين الخافت الذي يكاد لا يُسمع. أذهب إلى الحمام. أغسل وجهي. أعود بينما يكون الماء قد بدأ يغلي. لا أرفع الغلاية فورًا. أتركها تكمل ارتجافها الأخير، كأنها تحتاج إلى لحظة إضافية لتقتنع بأنها وصلت إلى الغليان. أصب القهوة. أدير الملعقة ثلاث مرات. لا أكثر. ثم أحمل الكوب بكلتا يدي، ليس لأن حرارته عالية، بل لأنني اعتدت ذلك. بعدها أمشي نحو النافذة. ليست خطوات كثيرة. سبع خطوات تقريبًا. في الثالثة أمر بجانب المكتبة. في الخامسة أزيح الستارة بطرف إصبعي. وفي السابعة أصل إلى الزجاج. في هذه اللحظة تحديدًا، تكون شاحنة البريد قد دخلت الشارع. لا أراها أولًا. أسمع ذلك الاحتكاك الخشن لإطاراتها فوق الغطاء المعدني لمصرف المياه عند زاوية الطريق. بعدها بثوانٍ تتوقف. يفتح السائق الباب. ينزل. يغلقه دون أن يدفعه بقوة. دائمًا يغلقه بالطريقة نفسها، حتى إنني صرت أميّز صباحات الإثنين من صوت ارتطام الباب، إذ يكون الشارع أكثر فراغًا. في الجهة المقابلة، لا يحدث شيء بعد. الستارة لا تزال ساكنة. ثم… تتحرك قليلًا. ليس كمن يسحبها. بل كأن أحدًا مرّ خلفها. ظل سريع. بعده بثانية، ترتفع اليد إلى المقبض. لا أرى الوجه. ولا الذراع كاملة. اليد فقط. تدير المقبض نصف دورة. تتوقف لحظة قصيرة، ربما لأن الإطار يلتصق بالمطاط في الليالي الباردة. ثم تدفع. ينفتح الشباك ببطء، سنتيمترًا أولًا، ثم أكثر، حتى يدخل الهواء فجأة، فترتفع زاوية الستارة قليلًا قبل أن تستقر. في اللحظة نفسها تقريبًا، يرفع ساعي البريد أول صندوق من عربته. ويخرج الرجل الذي يسكن البناية المجاورة بكلبه الأسود. وتعبر امرأة تركض وهي تحمل كوب قهوة ورقي. ولا أعرف لماذا، لكن هذه الأشياء كانت تبدو لي وكأنها لا تبدأ إلا بعد أن تُفتح تلك النافذة. كأن الشارع كله كان ينتظر تلك الحركة الصغيرة ليباشر نهاره. لهذا، في ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقًا… سمعت شاحنة البريد. سمعت الباب. مرّ الرجل بكلبه. ركضت المرأة نفسها. حتى الضوء كان حاضرًا. لكن شيئًا في المشهد لم يلتئم. ظل الصباح يعمل. أما النهار… فلم يبدأ.
#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المتصل والمنفصل
-
الكلب -رينو-
-
اماكن لا تصلح للكتابة
-
النمل الفارسي
-
رمية نرد
-
تمائم الشيخ
-
جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
-
الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
-
حوار في محطة خارج الجهات
-
العبّار والنهر
-
العناد الجمالي
-
عشر وصايا في الرسم
-
قصص مجهرية
-
سركون بولص يضاعف انتباهنا
-
بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها
المزيد.....
-
ليلة -إيفان كوبالا- التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير
...
-
فنان مصري يعترف بتعاطيه المخدرات ويكشف عن فترة صعبة
-
بمشاركة فنانين وسياسيين وحقوقيين.. بيان من لجنة الدفاع والتض
...
-
الفنان فضل شاكر يغادر المستشفى العسكري بعد استكمال فحوصاته ا
...
-
صيف يفيض بالمتعة.. فعاليات ثقافية نابضة بالحياة في موسكو خلا
...
-
ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسط
...
-
-جزء من الثقافة الجماهيرية-.. خبير روسي يعلق على دعوات حظر م
...
-
شاهد.. في غزة كتب ناجية من الحرب والأنقاض تغدو مكتبة في خيمة
...
-
تطورات جديدة في قضية إيجي إرتيم.. تقرير أولي يستبعد العنف وا
...
-
البالالايكا.. كيف تحوّلت آلة الفلاحين إلى أشهر رموز الموسيقى
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|