أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)















المزيد.....

اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 12:50
المحور: الادب والفن
    


لا يمكنني الابتعاد عن فكرة أن هذا النص (لا أستطيع أن أحدد متى يتغير الإنسان)، يمشي بمحاذاة الملحمة الروائية الفذة لـ مارسيل بروست "البحث عن الزمن المفقود"، ولا اعرف أن كانت الكاتبة قرأت الرواية أم لا؛ ولكني أجزم أن طبيعة العقل الذي بحث عن "الزمن المفقود" في الرواية، هو من نفس طبيعة العقل الذي كتب (لا أستطيع أن أحدد متى يتغير الإنسان)، كلاهما يحاور الاخر في طريق البحث عن "المفقود" وهنا نجد تقاطعاً حميمياً وعميقاً يتجاوز مجرد التشابه السطحي؛ إنه تماهٍ في الرؤية الفلسفية لطبيعة الوجود البشري بوصفه تراكماً زمنياً خفياً وجرياناً مستمراً لا ينقطع.
يبتدأ النص النثري ذو الشاعرية الباطنية باعتراف معرفي قلق: "لا أستطيع أن أحدد متى يتغير الإنسان... أشعر أنني أنظر إلى غرباء أعرف أسماءهم فقط". هذا التفتت في وحدة الذات هو أحد المرتكزات الأساسية التي بنيت عليها فلسفة بروست، إذ يرى بروست أن "الأنا" ليست جوهراً ثابتاً، بل هي سلسلة من الشخصيات المتعاقبة التي تولد وتموت عبر الزمن. فالإنسان الذي كنا عليه بالأمس هو شخص غريب عنّا اليوم، ولا يربطنا به سوى "الاسم" والوهم المسمى بالاستمرارية.
في هذه البنية، تلتقي الشاعرة مع مفهوم بروست حول "الوفيات الصغرى للذات"؛ فصورة الماضي لم تعد تثير في الشاعرة سوى التساؤل والاندهاش من تلك النسخة الغريبة عنها: "يصعب عليّ أن أصدق أن تلك النسخ مني كانت أنا فعلًا". الزمن هنا لا يقتصر على كونه سارقاً للأيام، بل هو يسرق "الذات العارفة" التي عاشت تلك الأيام، تاركاً إيانا أمام كيانات هلامية مغتربة عن حاضرنا.
يذهب هذا النص إلى أن التحولات الكبرى لا تحدث بقرارات مصيرية أو فواجع مدوية، بل تتسلل عبر الهوامش: "نتوقف عن شرب القهوة بالطريقة التي اعتدناها سنوات. نقرأ رسالة قديمة فلا نشعر بشيء... عندها فقط أفكر: متى حدث هذا؟" هذا التركيز على الهامشي واليومي يتماهى مباشرة مع مفهوم بروست الشهير عن "الذاكرة غير الطوعية"؛ في رواية بروست، لا تستدعي الذاكرة الحقيقية عبر الجهد العقلي الإرادي، بل تنبعث فجأة بفعل مثير حسي بسيط — كقطعة حلوى "المادلين" المغمسة في الشاي، أو التعثر بحجر غير مستوٍ في الطريق.
في نص صبا سهيل، تمثل "تفاصيل الحياة اليومية" (تغيير طريق العمل، فنجان القهوة، الورود العابرة، الفواتير، طوابير الانتظار) تلك "المادلين" الخاصة بها. إنها العناصر الصغرى التي تبني الإنسان الحقيقي وتحدد هويته دون وعي منه. اللحظة المصيرية عند بروست وعند الشاعرة ليست الحدث التاريخي الضخم، بل هي التقشرات والشقوق الصغيرة أو المرممة في جدار اليومي.
يأتي في النص مقطع غاية في الكثافة الجمالية: "ومع مرور الوقت، لا تتغير ذاكرتنا فقط. يتغير تفسيرنا لها... العمر يضيف إلى الذكريات طبقات جديدة، حتى تصبح القصة نفسها مختلفة كلما عدنا إليها."... هنا تلتقي القصيدة مع الغاية الكبرى للبحث البروستي: "الزمن المستعاد". الفن والكتابة عند بروست هما الأداة الوحيدة لإنقاذ الذاكرة من التلاشي، ليس عبر استعادتها كما حدثت حرفياً، بل بإعادة بنائها وفهمها من جديد. فالماضي ليس متحفاً مغلقاً، بل هو مادة حية قابلة للتحوير وإعادة القراءة والتأويل.
الظلم الذي نراه في الماضي قد يتحول بفعل "الزمن المستعاد" وطبقات الخبرة المتراكمة إلى "خوف" نلتمس فيه العذر للآخرين. هذه الرؤية النقدية تمنح النص بعداً أخلاقياً وجمالياً رفيعاً؛ فالزمن لا يمحو الألم بالضرورة، لكنه يعيد تشكيل تضاريسه الداخلية، جاعلاً من الذكرى بناءً أركيولوجياً متعدد الطبقات.
في مشهد القطار والوردة، تقدم الشاعرة تجسيداً شعرياً فائق العذوبة لـ "العابر الذي يبقى": "رجل يحمل باقة ورد... أخرج وردة صغيرة... وضعها أمامي بابتسامة هادئة... ترك في ذاكرتي أثرًا بقي أكثر من كثير من العلاقات الطويلة". في العالم البروستي، تحتل اللقاءات العابرة والوجوه المارة في محطات القطار أو الشوارع (مثل فتيات جبل "بالبيك" الفاتنات في الرواية) مكانة جوهرية في تشكيل مخيلة السارد الوجدانية. هذا اللقاء الصامت بالرجل الغريب في القطار يمثل اختصاراً مكثفاً لجماليات العابر؛ حيث الكلمة تفقد ضرورتها أمام لغة الإيماءة والرمز. الأثر هنا ينتصر على الزمن؛ لأن الفعل الصغير العابر يتحرر من قيود السببية والمنفعة المادية، ليصبح قيمة جمالية محضة تقاوم الفناء والنسيان. ويتحول الزمن من سيل متدفق إلى لحظات نوعية مكثفة تعيد صياغة الوعي بالوجود البشري.
هذا النص في جوهره هو بيان لوجودية حميمة، تنبعث من المعايشة اليومية الهادئة، التي توفر فرصة الانصات إلى "النبرة الكيانية" للشاعرة لنفهم كيف تختبر صبا سهيل الوجود؟ كيف تواجه القلق، والتناهي، والتغير، والآخر؟ إذ تبدأ القصيدة من نقطة لا تصالحية مع فكرة "الجوهر الثابت": "لا أستطيع أن أحدد متى يتغير الإنسان... يصعب عليّ أن أصدق أن تلك النسخ مني كانت أنا فعلًا." إنها لغة هدّامة، حقاً، تلك التي تُستهل بنكران "الأنا" فيما تؤكد وجود العالم!
في الفلسفة الوجودية الإنسان ليس كينونة جاهزة أو قالباً مصبوباً سلفاً، بل هو مشروع دائم التشكل من خلال اختياراته وأفعاله والزمن الذي يعبره. والشاعرة تقف هنا لتعلن اغترابها عن "أناها" الماضية. هذا الاغتراب ليس مرضياً، بل هو وعي وجودي حاد بـالعدم الكامن في قلب الكينونة. الذات الماضية تصبح موضوعاً (آخر) ننظر إليه من الخارج كمراقبين عاجزين عن إيجاد "البداية" أو الخيط الرابط. نحن نوجد أولاً، ثم نتغير، (الوجود يسبق الجوهر) وفي كل لحظة يتلاشى "جوهرنا" القديم ليخلي مكانه لمشروع جديد.
في الفكر الكلاسيكي، يُعرّف الإنسان بقراراته الكبرى، بطولاته، مآسيه الفاجعة. لكن النص يقدم تراجعاً جمالياً عن هذه "اللحظات المصيرية" لصالح ما هو هامشي: "أتذكر أيضاً ذلك الرجل الذي لم يعرف اسمي... الإنسان يتكوّن من هذه التفاصيل أكثر مما يتكوّن من اللحظات التي يصفها دائمًا بأنها مصيرية." هذه النظرة تؤسس لوجودية قائمة على تثمين التفاصيل اليدوية واليومية الدقيقة في مواجهة عبثية الزمن الكوني الضخم.
إن الزمن يسرق السنوات والذوات (وهذا تجسيد للعدم)، لكن الدفاع الوجودي ضد هذا التآكل لا يكون بالصراخ أو بمحاولة تخليد الاسم في التاريخ، بل بالقبول الهادئ لسيولة الحياة: (شرب القهوة بطريقة مختلفة، السفر في قطار، تلقي وردة عابرة من غريب). هذه التفاصيل هي "الوجود العاري" الذي يشكلنا دون وسيط أيديولوجي أو فلسفي متضخم.
"الآخر" في الفلسفة الوجودية هو مأزق دائم، وهو الذي يحد من حريتي ويحولني إلى موضوع تحت نظرته. في نص صبا، يظهر هذا البعد بوضوح: "كلمات لم أتوقعها أبدًا... خرجت من أفواه لم أتخيل يومًا أن أحتاج إلى حماية نفسي منها." هنا يتبدى الآخر كمصدر تهديد وجودي، صدمة تعطل انسياب الكينونة وتجبر الذات على البكاء الصامت خلف زجاج القطار، محاولةً "المرور من العالم دون أن يراها أحد" (رغبة في الاختفاء الوجودي).
ولكن، وفي انزياح وجودي مذهل يتحول الآخر فجأة من مصدر تهديد إلى مصدر خلاص عبر "الرجل حامل الوردة": "لم يسألني ماذا حدث... أخرج وردة صغيرة... ترك في ذاكرتي أثرًا بقي أكثر من كثير من العلاقات الطويلة." هذا اللقاء الوجودي الخالص (دون لغة، دون تبادل أسماء) هو اعتراف صامت بـالألم المشترك للوجود الإنساني، ورغبة صادقة بالتصالح معه. إن الوردة هنا هي "رسالة وجودية" تؤكد أننا شركاء في العبور والمشقة، وأن خلاصنا من قلق الوجود الفردي لا يتطلب حوارات كبرى، بل إيماءة تعاطف عابرة تحترم خصوصية ألمنا دون اقتحامه.
الوجودية ليست فلسفة جبرية؛ الإنسان هو مانح المعنى لِما يمر به. الشاعرة في المقطع الأخير تمارس هذا الحق الوجودي بامتياز: "ومع مرور الوقت، لا تتغير ذاكرتنا فقط. يتغير تفسيرنا لها... رأيت فيها خوفاً." إن الماضي ليس قدراً مغلقاً فرض كلمته الأخيرة؛ بل هو مادة خام يعاد تشكيلها وجودياً بناءً على نضج الوعي الحاضر. إعادة تفسير "الظلم" القديم على أنه "خوف" من الآخر هو عملية تحرير وجودي للذات وللآخر معاً. الذات هنا لا تسامح بدافع الضعف أو الخضوع، بل بدافع الفهم الوجودي لقصور الكائن البشري وهشاشته أمام خوفه الخاص. الكلمات تصبح طبقات جيولوجية تعيد تشكيل القصة القديمة لتجعلها محتملة وقابلة للعيش.
إن تأمل البناء اللغوي للقصيدة يكشف عن وعي أسلوبي لافت؛ إذ تعزف الشاعرة على وتر "السهل الممتنع". فاللغة هنا ليست مجرد وعاء خارجي لنقل الأفكار الوجودية، بل هي جزء لا يتجزأ من جسد التجربة الوجودية نفسها، وتتميز بسمات بنائية واضحة تخدم حركة المعنى الداخلي. تتجاوز الشاعرة القوالب البلاغية الجاهزة والمجازات المتضخمة لصالح لغة مألوفة، قريبة من النثر اليومي، لكنها مقطرة بعناية فائقة وباقتصاد لغوي حذر: الجمل قصيرة، واضحة الدلالة، وخالية من الحشو الزخرفي (الإطناب). هذا التقشف البلاغي هو الذي يمنح النص نبرة الهمس والبوح الصادق. تتدفق الأسطر كأنها مناجاة فكرية مستمرة، وغياب القافية التقليدية والموسيقى الصاخبة يفسح المجال لـ "موسيقى داخلية هادئة" تنبع من ترقرق الكلمات وصمتها الفاصل بين مقطع وآخر.
يعتمد البناء اللغوي للقصيدة على تقنية "الشعر السردي" (في هذا الخصوص يرجى العودة لمقالات سابقة للكاتب نشرت على موقعه في "الحوار المتمدن" وعلى صفحته على الفيسبك)... والشاعرة هنا لا تقدم حكماً مجرداً، بل تبني مشهداً سينمائياً متكاملاً يتصاعد درامياً بحركة الكاميرا اللغوية إذا ننتقل لغوياً من الفكرة العامة ("لا أستطيع أن أحدد...") إلى لقطة مقربة وصامتة داخل القطار ("ركبت القطار... كنت أنظر إلى الزجاج... صعد رجل يحمل باقة ورد..."). معتمدة "دراما الحذف والصمت" فهي تستخدم أدوات الربط والوقف ببراعة؛ فالجمل المقتضبة والقصيرة جداً مثل: "لا أتذكر" أو "ابتسامة. جملة. أو وردة"، تعمل كوقفات تنفسية ووقفات تأملية تمنح النص بعداً درامياً عميقاً يتيح للقارئ ملء الفراغات بوعيه الخاص، وتفتح امام الكامرة الشعرية، مساحات لا حصر لها.
رغم أن القصيدة تستدعي الماضي والذكريات، إلا أن هناك حضوراً طاغياً للأفعال المضارعة وأفعال الحركة العقلية والوجدانية: (أستطيع، يتغير، حاولت، أعود، أكتشف، أجد، نبحث، أظن، تعمل، تدخل، تبقى، أتذكر، أشعر، أنظر، أعرف، أفكر...) وهذا التدفق اللغوي بصيغة المضارع يخدم الفكرة الوجودية للنص؛ فالزمن هنا ليس ماضياً راكداً قد انتهى، بل هو ماضٍ يتحقق في الحاضر باستمرار ويعاد تشكيله وتفسيره الآن. اللغة هنا "تحدث" و"تتحرك" وليست مجرد رصد لحدث تم وانقضى.
تبني الشاعرة جملاً تقوم على موازنات ذكية تبرز الصراع الفلسفي بين العالم الخارجي والذات الداخلية وتجمع بين مفردات تنتمي لليومي الروتيني الدارج (طريق العمل، القهوة، الفواتير، طوابير الانتظار) وبين مفردات فلسفية ووجودية عميقة (الزمن، الهوية، الأثر، الذاكرة، التغيّر). هذا المزج يكسر الهوة التقليدية بين لغة الفكر ولغة الحياة الواقعية، وتمارس العبور الصامت مقابل الأثر الممتد في تكرار تراكيب لغوية تقابل بين قصر مدة الحدث وطول أثره: "دقائق معدودة... ثم يترك أثرًا يبقى عشرات السنين" "تصرف صغير لا يستغرق دقيقة واحدة... يترك في داخلك سؤالاً يرافقك طويلًا"...
هذه البنية اللغوية القائمة على المفارقة الزمنية، التي تعكس عمق الفجوة بين زمن الساعة الفيزيائي الخارجي وزمن الشعور الوجودي الداخلي، هي رحم القصيدة ومسقط رأسها.
القصيدة: (موضوع البحث)
لا أستطيع أن أحدد متى يتغير الإنسان.
_______________________صبا سامي سهيل _____________________

كلما حاولت أن أعود إلى البداية، أكتشف أنني لا أجدها.
ربما لأننا نبحث دائمًا عن لحظة واضحة؛ يوم غيّر حياتنا، قرار كبير، خسارة ثقيلة، أو حب قلب كل شيء رأسًا على عقب. لكنني لم أعد أظن أن الحياة تعمل بهذه الطريقة.
أعتقد أنها أكثر هدوءً من ذلك.
تدخل من أماكن لا ننتبه إليها، ثم تبقى.
أتذكر نفسي في سنوات مختلفة، وأشعر أنني أنظر إلى غرباء أعرف أسماءهم فقط. أعرف كيف كنت أفكر، وما الذي كنت أخافه، وما الذي كنت أعتبره نهاية العالم. ومع ذلك، يصعب عليّ أن أصدق أن تلك النسخ مني كانت أنا فعلًا.
أحيانًا أمسك صورة قديمة، ولا يشدني وجهي فيها بقدر ما يشدني سؤال آخر: ماذا كان يدور في رأسي في ذلك اليوم؟ ما الذي كنت أتمناه؟ وما الذي كنت أظنه مستحيلًا؟
لا أتذكر.
كأن الزمن لا يسرق السنوات فقط، بل يسرق الإنسان الذي عاشها أيضًا.
أحيانًا لا نلاحظ التغيّر إلا في أمور تافهة. نختار طريقًا مختلفًا إلى العمل من غير سبب. نتوقف عن شرب القهوة بالطريقة التي اعتدناها سنوات. نقرأ رسالة قديمة فلا نشعر بشيء، مع أنها كانت قادرة يومًا على أن تفسد يومًا كاملًا. عندها فقط أفكر: متى حدث هذا؟
قبل سنوات، قال لي أشخاص كنت أعتقد أنني كنت قريبة منهم كلمات لم أتوقعها أبدًا. لم يرفع أحد صوته، ولم يكن هناك شجار كبير. كانت جملًا عادية لو سمعها شخص آخر ربما لم يتوقف عندها، لكنها خرجت من أفواه لم أتخيل يومًا أن أحتاج إلى حماية نفسي منها.
مشيت بعدها وأنا أشعر بثقل لا أعرف كيف أصفه.
ركبت القطار، واخترت المقعد القريب من النافذة. كنت أنظر إلى الزجاج حتى لا يلاحظ أحد أنني أبكي. لم يكن بكاءً عاليًا، بل ذلك النوع الذي يحاول صاحبه أن يمر من العالم دون أن يراه أحد.
في إحدى المحطات، صعد رجل يحمل باقة ورد.
مرّ بجانبي، ثم عاد بخطوة أو خطوتين، كأنه تردد.
لم يسألني ماذا حدث.
ولم يحاول أن يواسيني.
أخرج وردة صغيرة من الباقة، وضعها أمامي بابتسامة هادئة، ثم أكمل طريقه وجلس في مكان آخر.
لم نتبادل كلمة واحدة.
حتى اليوم لا أعرف لمن كانت تلك الورود، ولا لماذا اختار أن يعطيني واحدة منها.
لكنني أعرف أنني احتفظت بها طوال الرحلة، وكأنها كانت تقول شيئًا لم تستطع الكلمات قوله.
ومنذ ذلك اليوم، كلما فكرت في البشر، لم أعد أتذكر فقط الذين جرحوني.
أتذكر أيضًا ذلك الرجل الذي لم يعرف اسمي، ومع ذلك ترك في ذاكرتي أثرًا بقي أكثر من كثير من العلاقات الطويلة.
بعدها بسنوات، حدثت أشياء كثيرة. أيام استيقظت فيها متأخرة، وفواتير كان يجب دفعها، ورسائل نسيت الرد عليها، وضحكات لم أتوقعها، وأحاديث قصيرة في طوابير الانتظار. لم يكن أي واحد منها يبدو مهمًا وهو يحدث، لكنني أظن الآن أن الإنسان يتكوّن من هذه التفاصيل أكثر مما يتكوّن من اللحظات التي يصفها دائمًا بأنها مصيرية.
لهذا لم أعد أؤمن أن الناس يغيّرون بعضهم بالأحداث الكبيرة فقط.
أحيانًا يكفي تصرف صغير لا يستغرق دقيقة واحدة.
ابتسامة.
جملة.
أو وردة.
وكما يستطيع شخص لا يعرفك أن يخفف عنك شيئًا، يستطيع آخر يعرفك منذ سنوات أن يترك في داخلك سؤالًا يرافقك طويلًا.
لهذا أصبحت أقل استعجالًا في الحكم على البشر.
فكل واحد يحمل معه قصة لا تظهر على وجهه.
والكلمات التي يقولها لنا ليست دائمًا نتيجة ما فعلناه، بل أحيانًا نتيجة معارك لا نعرف عنها شيئًا.
ومع مرور الوقت، لا تتغير ذاكرتنا فقط.
يتغير تفسيرنا لها.
هناك مواقف كنت أرويها لنفسي على أنها ظلم، ثم عدت إليها بعد سنوات فرأيت فيها خوفًا.
وأشخاص كنت أظن أنهم أقوياء، ثم اكتشفت أنهم كانوا يختبئون خلف تلك القسوة لأنهم لم يعرفوا طريقة أخرى للدفاع عن أنفسهم.
ولا يعني هذا أنني سامحت الجميع.
ولا أن الألم اختفى.
بل يعني أن العمر يضيف إلى الذكريات طبقات جديدة، حتى تصبح القصة نفسها مختلفة كلما عدنا إليها.
أحيانًا أنظر إلى طفل يركض في الشارع، وأحاول أن أتخيل من سيكون بعد عشرين عامًا.
ليس ماذا سيعمل.
ولا أين سيعيش.
بل أي الأشياء ستغيّره.
أي كلمة ستبقى في ذاكرته رغم أنه سينساها قائلها؟
ومن سيكون ذلك الشخص الذي سيمر في حياته دقائق معدودة، ثم يترك أثرًا يبقى عشرات السنين؟
لا أحد يعرف.
وربما لهذا أعجز كلما حاولت أن أحدد اللحظة التي أصبحت فيها هذه النسخة مني.
كل ما أعرفه أن الأمر لم يحدث في يوم واحد.
حدث في أيام بدت عادية تمامًا، حتى إنها مرت من دون أن ألاحظها



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سأترك كل شيء ورائي
- ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا ...
- المتصل والمنفصل
- الكلب -رينو-
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا
- بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها


المزيد.....




- لقاء بوتين ونيقولاييف: ياقوتيا توسّع حضورها الثقافي بمشاريع ...
- زاخاروفا: روسيا تحافظ على إرث الثقافة الغربية باعتباره جزءا ...
- المصور الفلسطيني فايز أبو رميلة يشارك في مهرجان البندقية الس ...
- مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية
- مصر.. نقيب الموسيقيين يرد على الفيديو المسرب المثير للجدل
- في -روزا خوتور- بجبال سوتشي.. السياح العرب يكتشفون موسيقى ال ...
- شاهد.. فن الفسيفساء من ركام المنازل المدمرة في غزة
- فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل ...
- أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
- لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)